أطفال المؤمنين الذين لم يبلغوا الحلم هم في الجنة إن شاء الله تعالى بفضل الله ورحمته. قال تعالى: (والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين) [الطور: ٢١] .
واستدل علي بن أبي طالب بقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة) [المدثر: ٣٨] . على أن أطفال المؤمنين في الجنة، لأنهم لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم. (١)
وقد عقد البخاري في صحيحه بابًا عنون له بقوله: " باب فضل من مات له ولد فاحتسب ". وساق فيه حديث أنس ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: "ما من الناس مسلم يتوفي له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ". وحديث أبي سعيد ﵁ أن النساء قلن للنبي - ﷺ -: اجعل لنا يومًا، فوعظهن، وقال: " أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا لها حجابًا من النار. قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان ". (٢)
_________________
(١) التذكرة للقرطبي ص: ٥١١، وعزاه إلى أبي عمر في التمهيد والاستذكار وأبي عبد الله الترمذي في نوادر الأصول.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب، فتح الباري: (٣/١١٨) .
[ ١٩٧ ]
وعقد بابًا آخر عنوانه: " باب ما قيل في أولاد المشركين " وساق فيه حديث أنس السابق، وحديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: " من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حجابًا من النار أو دخل الجنة ". وحديث البراء ﵁ قال: " لما توفى إبراهيم ﵇ قال رسول الله - ﷺ -: " إن له مرضعًا في الجنة ". (١)
ووجه الدلالة في الأحاديث التي ساقها البخاري على أن أطفال المؤمنين في الجنة – كما يقول – ابن حجر -: " إن من يكون سببًا في حجب النار عن أبوبه أولى بأن يحجب هو. لأنه أصل الرحمة وسببها ". (٢)
وقد جاءت نصوص صريحة في إدخال ذرية المؤمنين الجنة، فمن ذلك حديث علي مرفوعًا عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند: " إن المسلمين وأولادهم في الجنة ". (٣)
وحديث أبي هريرة عند أحمد في مسنده مرفوعًا: " ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله وإياهم بفضل رحمته الجنة ". (٤)
وروى مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "صغارهم دعاميص (٥) الجنة، يتلقى أحدهم أباه أو قال: أبويه،
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المسلمين، فتح الباري: (٣/٢٤٤) وحديث أبي هريرة رواه معلقًا.
(٢) فتح الباري: (٣/٢٤٤) .
(٣) فتح الباري: (٣/٢٤٥)
(٤) فتح الباري: (٣/٢٤٥) .
(٥) يراد بالدعموص هنا: الآذن على الملوك المتصرف بين أيديهم.
[ ١٩٨ ]
فيأخذ بثوبه، أو قال بيده، كما آخذ أنا بصنفه ثوبك هذا، فلا يتناهى، أو قال: فلا ينتهي حتى يدخله الله وإياه الجنة ". (١)
وروى الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم - ﷺ - ". (٢)
وروى أبو نعيم في أخبار أصبهان، والديلمي، وابن عساكر عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " أطفال المؤمنين في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة، حتى يدفعوهم إلى آبائهم يوم القيامة ". (٣)
وقد نقل النووي إجماع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين في الجنة، ونقل عنه أنه توقف بعضهم في ذلك. (٤)
وحكى القرطبي التوقف عن حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وإسحاق ابن راهويه. (٥)
قال النووي: "توقف فيه بعضهم لحديث عائشة، يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ: " توفي صبي من الأنصار، فقلت: طوبى له لم يعمل سوءًا ولم يدركه، فقال النبي - ﷺ -: "أغير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا ".
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (١/١٧٤)، ورقم الحديث: ٤٣٢.
(٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٢/١٥٦)، ورقم الحديث: ٦٠٣، وذكر المحقق أن الحاكم صحح إسناده ووافقه الذهين، إلا أن الشيخ ناصر قال: هو حسن فقط.
(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/٤٥١)، ورقمه: ١٤٦٨.
(٤) فتح الباري: (٣/٢٤٤) .
(٥) التذكرة للقرطبي: (ص ٥١١) .
[ ١٩٩ ]
قال: " والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة ". (١)
أقول: لعل الصواب أن الحديث يسير إلى أنه لا يجوز أن نجزم لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، وإن كنا نشهد لهم مطلقًا بالجنة. والأمر الثاني هو عدم الهجوم على ذلك كي لا يتجرأ الناس على مثل هذا كما هو حاصل في زماننا، إذ يزعم نعاة الموتى أن ميتهم في الجنة، وإن كان أفسق الناس.
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: " لا يشهد لكل معين من أطفال المؤمنين بأنه في الجنة، وإن شهد لهم مطلقًا ". (٢)