«في غيره على إحدى عشرة ركعة» .
وهو الذي أمرهم به عمر في أول الأمر، ثم ضعفوا عن طول القيام، فجعلها عشرين على ما سنبينه.
واختلفت الرواية فيما كان يصلي به في زمن عمر:
فروى مالك عن السائب بن يزيد: أن عمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة.
وقال: " وكان القارئ يقوم بالمائتين حتى كنا نعتمد على العِصِيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فُروعِ الفجر ".
وهذه الرواية موافقة لقول عائشة ﵂.
وقال مالك - في " مختصر ما ليس في المختصر " -: " والذي آخذ به في نفسي في قيام شهر رمضان الذي جمع عمر عليه الناس: إحدى عشرة ركعة بالوتر، وهي صلاة النبي ﷺ، وإحدى عشرة من ثلاث عشرة قريب ".
وروى يزيد بن رومان: " أن عمر لما جمع الناس على أبي صلى بهم عشرين ركعة ".
وروى مالك عن نافع قال: " أدركت الناس يقومون بتسع وثلاثين
[ ٥٦ ]
ركعة، يوترون منها بثلاث ".
قال مالك: " وهو الذي لم يزل عليه الناس، وهو الذي كان في زمن عثمان ".
وروي أن أول من أمرهم به معاوية بن أبي سفيان.
وروي أن عمر بن عبد العزيز أمر القراء يقومون بذلك.
قال عبد الله بن أبي بكر: " وكنا ننصرف فنتعجل السحور خيفة الفجر ".
قال مالك - في كتاب ابن شعبان -: " ويكره تأخير الختم إلى آخر رمضان ".
وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل: " التراويح خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين ".
ووجه حديث يزيد بن رومان، ووجه ما اختاره مالك: اتفاق أهل المدينة عليه.
وقد قال لنا بعض العلماء: إنما اختص أهل المدينة بهذا العدد؛ لأنهم أحبوا أن يساووا أهل مكة؛ لأن أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل
[ ٥٧ ]
أهل المدينة مكان كل طواف أربع ركعات، فزادوا ست عشرة ركعة، وأوتروا بثلاث، فصار ذلك تسعا وثلاثين ركعة! !
قال: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك؛ لأن أهل المدينة شرفوا بمهاجرة رسول الله ﷺ وقبره، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة؛ بخلاف غيرهم!
وأجاب أصحابنا بجواب سديد تتفق عليه الأخبار، فقالوا: يحتمل أن يكون عمر أمرهم بإحدى عشرة ركعة، وأمرهم مع ذلك بطول القراءة؛ يقرأ القارئ بالمائتين في الركعة؛ لأن التطويل في القراءة أفضل الصلاة، فلما ضعف الناس عن ذلك؛ أمرهم بثلاث وعشرين ركعة تخفيفا من طول القيام، فاستدرك نقص الفضيلة بزيادة الركعات، فكان يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات أو اثنتي عشرة ركعة - على حديث الأعرج -.
ورواه مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
قال: " وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة؛ رأى الناس أنه قد خفف ".
هذه الآثار الثلاثة رواها مالك في " موطئه ".
[ ٥٨ ]
وقد قيل: إنه كان يقرأ من ثلاثين آية إلى عشرين، وكان الأمر على ذلك إلى يوم الحرة، فثقل عليهم القيام، فنقصوا من القراءة وزادوا في عدد الركعات، فجعلت ستا وثلاثين ركعة، والوتر بثلاث، فمضى الأمر على ذلك!
وأمر عمر بن عبد العزيز في أيامه أن يقرأ في كل ركعة بعشر آيات.
وكره مالك أن ينقص من ذلك أو تمد القراءة.
وهذا الذي مضى عليه الأمر، واتفق عليه رأي الجماعة، فكان هو الأفضل لمعنى التخفيف.
قال الشيخ أبو القاسم: " وهذا في الآيات الطوال، ويزيد على ذلك في الآيات الخفاف، وإنما هذا في الجماعات وفي المساجد، فأما المنفرد في خاصة نفسه؛ فإن استطاع أن يصلي بإحدى عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بالمائتين؛ كان أفضل؛ لقول النبي ﷺ: «أفضل الصلاة طول القنوت» ".
٥ - فرع
الفصل بين الترويحتين
وجرت عادة الأئمة أن يفصلوا بين كل ترويحتين بركعتين خفيفتين
[ ٥٩ ]