المحاريب ".
وصلى في طاق الإمام: سعيد بن جبير، ومعمر.
وروي أن النبي ﷺ قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» .
قال ابن عباس: أما والله لتزخرفنها.
وروي «أن أبي بن كعب وأبا الدرداء ذرعا المسجد، ثم أتيا النبي ﷺ بالذراع، فقال النبي ﷺ: بل عريش كعريش موسى: ثمام وخشب، فالأمر أعجل من ذلك» .
وروى البخاري في " صحيحه " أن عمر أمر ببنيان مسجد، وقال: أكن الناس من المطر، إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس! .
وقال أيضا: أليس يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا.
[ ١٠٤ ]
وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى.
وقال أبو الدرداء: " إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم؛ فالدبار عليكم ".
وقال حوشب الطائي: " ما أساءت أمة أعمالها؛ إلا زخرفت مساجدها، ولا هلكت أمة قط؛ إلا من قبل علمائها ".
وقال علي: " إن القوم إذا زينوا مساجدهم؛ فسدت أعمالهم ".
وأصل الزخرف الذهب، وإنما يعني به تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه قولهم: زخرف الرجل كلامه؛ إذا موهه وزينه بالباطل.
والمعنى في ذلك: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم، فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص بالعمل، فصار أمركم إلى المراءاة في
[ ١٠٥ ]
المساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها.
ومر ابن مسعود على مساجد منقشة بالكوفة، فقال: " من بنى هذا أنفق مال الله في معصيته ".
وكان يقول: " سيأتي بعدكم قوم يرفعون الطين ويضعون الدين، ويسمنون البراذين، ويصلون في قبلتكم ".
وروى ابن وهب عن مالك، قال: لقد كره الناس يوم بني المسجد حين عمل بالذهب والفسيفساء - يعني: الفصوص - ورأوا أن ذلك مما يشغل الإنسان في صلاته بالنظر إليه ".
قال مالك: " وكان الوليد بن عبد الملك بنى المسجد بناء عجيبا ".
قال ابن القاسم: " وسمعت مالكا يذكر مسجد المدينة وما عمل فيه من التزويق في قبلته، فقال: كره الناس ذلك حين فعله؛ لأنه يشغلهم بالنظر إليه. ولما ولي عمر بن عبد العزيز؛ أراد نزعه، فقيل له: إنه لا يخرج منه كبير شيء من الذهب، فتركه ".
وروى سعيد بن عفير في " تاريخه ": " أن عمر بن عبد العزيز أمر بمسجد دمشق أن ينزع ما فيه من الفسيفساء ومذهبة، وبيعه، وإدخال ثمنه في بيت المال، فكلمه كبراء أهل دمشق، وأخبروه بما لقي المسلمون في بنائه مع الوليد السنين الطويلة، وحمل فسيفسائه من أرض الروم، فأمر أن تستر عجائبه
[ ١٠٦ ]
بالكرابيس - يعني: ثياب القطن الغلاظ -؛ لئلا يلهي المصلي ".
وإنما فعل ذلك حين حاجه الدمشقيون، فقال: " حمل الوليد من ذلك ما تحمل "!
ثم بلغ عمر بن عبد العزيز أن بطريقا عظيما وفد من أرض رومية - دمرها الله - فلما نظر إلى مسجد دمشق - وكان قبل ذلك كنيسة -؛ هاله ذلك، وقال: ما كنا نتحدث بتعجيل دولتنا، والله ما رفع هذا البيت لنا ولا لغيرنا من ملوك الأرض وأهل القوة في إقبال الدنيا وعمارتها، ورفع لهم ذلك عند انقطاع من الدنيا وإذن في خرابها، وإن لهم لدولة مدة طويلة.
فبلغ مقالته عمر بن عبد العزيز، فقال: " لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا للكفار ".
فأمر كاتبه بتخريق رقعة الستور.
وسئل مالك عن المساجد: هل يكره أن يكتب في قبلتها بالصبغ نحو آية الكرسي، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، ونحوها؟ فقال: " أكره أن يكتب في قبلة المسجد بشيء من القرآن والتزويق ".
ويقول: " إن ذلك يشغل المصلي ".
ولقد كره مالك أن يكتب القرآن في القراطيس، فكيف بالجدران؟ !
وقال أصبغ: " كان في جوار ابن القاسم مسجد بني من الأموال الحرام،
[ ١٠٧ ]
فكان لا يصلي فيه، ويذهب إلى أبعد منه، ولا يراه واسعا لمن صلى فيه، والصلاة عظم الدين، وهي أحق ما احتيط فيه ".
قال محمد بن مسلمة: " ولا يؤتى شيء من المساجد يعتقد فيه الفضل بعد الثلاثة مساجد؛ إلا مسجد قباء ".
قال: " ويكره أن يعمد له يوما بعينه يؤتى فيه؛ خوفا من البدعة، وأن يطول الناس الزمان، فيجعل ذلك عيدا يعتمد، أو فريضة تؤخذ، ولا بأس أن يؤتى في كل حين؛ ما لم تجئ فيه بدعة ".
قال: " فأما سواه من المساجد؛ فلم أسمع عن أحد أنه أتاها راكبا ولا ماشيا كما أتى قباء، وقد قال عمر: لو كان بأفق من الآفاق؛ لضربنا إليه أكباد الإبل ".
قال ابن وهب: " سمعت مالكا يسأل عن مسجد بمصر يقال له: مسجد الخلوق، ويقولون فيه كذا وكذا، حتى ذكر أنه رئي فيه الخضر، أفترى أن يذهب الناس إليه متعمدين إلى الصلاة فيه؟ فقال: لا والله ".
قال وهب بن منبه: " وفيما أوحى الله تعالى إلى أشعياء ﵇: قل لبني إسرائيل يتقربون إلي بذبح الغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله، ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها عليهم، ويشيدون البيوت، ويزرقون المساجد، وأي حاجة إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وإلى
[ ١٠٨ ]
تزويق المساجد ولست آتيها! إنما أمرت برفعها؛ لأذكر فيها وأسبح ".
٧ - فصل
[القصص في المساجد]
قال مالك: " وإني لأكره القصص في المساجد ".
قال: " وقد قال تميم الداري لعمر بن الخطاب: دعني أدع الله وأقص وأذكر الناس. فقال عمر: لا. فأعاد عليه. فقال: أنت تريد أن تقول: أنا تميم الداري؛ فاعرفوني! ".
قال مالك: " ولا أرى أن يجلس إليهم، وإن القصص لبدعة ".
قال: " وليس على الناس أن يستقبلوهم كالخطيب ".
قال: " وكان ابن المسيب وغيره يتخلفون والقاص يقص ".
قال مالك: " ونهيت أبا قدامة أن يقوم بعد الصلاة فيقول: افعلوا كذا وكذا ".
قال سالم: " وكان ابن عمر يلفى خارجا من المسجد، فيقول: ما أخرجني إلا صوت قاصكم هذا ".
وقال أبو إدريس الخولاني: " لأن أرى في ناحية المسجد نارا تأجج أحب
[ ١٠٩ ]