قال مالك: " ولا يعجبني النبر والهمز في القراءة ".
وقال نافع بن أبي نعيم: " سمعت عبد الله بن هرمز يسأل عن النبر في القراءة؟ فقال: إن كانت العرب تنبر؛ فإن القرآن أحق أن ينبر ".
وقال محمد بن جعفر: " نهيت عن نبر القرآن في النوم ".
ومعنى هذا أن يمطط الحروف، ويفرط في المد، ويشبع الحركات حتى تصير حروفا؛ فإنه متى أشبع حركة الفتح؛ صارت ألفا، وإن أشبع حركة الضم صارت واوا، وإن أشبع حركة الكسر؛ صارت ياء!
وأعظم من هذا أن الحرف الذي فيه واو واحدة تصير واوات كثيرة، ويكون في الحرف ألف واحد فيجعلونه ألفات كثيرة، وكذلك كل حرف من الآية يزيد فيه من الحروف بحسب ما تحتاج إليه نغمته ولحنه، فيزيل الحرف عن معناه، فتلحق الزيادة والنقصان على حسب النغمات والألحان، فلا تخلو من زيادة أو نقصان، وهذا أمر ليس في كلام العرب، ولا تعرفه الفصحاء والشعراء إذا ثبت هذا.
واختلف قول الشافعي في هذا الأصل:
فروى عنه المزني: " ولا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت ".
وروى عنه الربيع بن سليمان الجيزي أنه كره القراءة بالألحان.
واحتجوا لهذه المقالة - أعني: قول المزني - بضروب من الحجج:
منها قوله ﵇: «حسنوا أصواتكم بالقرآن» !
[ ٩٠ ]
قلنا: لا حجة فيه؛ فإن التحسين أن يقرأه ترتيلا وحدرا وتحزينا، وقد بينا معنى الترتيل، فتكون آية الترتيل مفسرة.
واستدلوا بقول النبي ﷺ: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن» !
هذا لفظ " الصحيح ".
وقد روي: « لنبي حسن الترنم بالقرآن» .
والجواب: " ما أذن ": معناه: استمع، قال الله ﷿: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾؛ أي: استمعت.
وقال الناظم:
[ ٩١ ]
أيها القلب تعلل بددن إن قلبي في سماع وأذن
وروى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» .
قلنا: لفظ التغني يحتمل ثلاثة معان:
أحدها: الاستغناء.
وهكذا رواه البخاري عن سفيان مفسرا، فقال: " قال سفيان: يستغني به ".
وهكذا فسره أبو عبيد، فقال: " هو من الاستغناء ".
وقد جاء في اللغة: يتغنى؛ بمعنى: يستغني؛ قال الناظم:
وكنت امرءا زمنا بالعراق عفيف المناخ طويل التغني
وروى الكسائي عن امرأة من العرب وقد سئلت عن أعنز عجاف في بيتها، فقالت: " نتغنى بها ".
وروى ابن وهب في " موطئه " أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس! تعلَّموا!»
[ ٩٢ ]
«إن الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطي، ويد المعطى السفلى، فتغنوا ولو بجرم الحشف. اللهم هل بلغت؟»؛ ثلاثا.
وهذا واضح في صحة قول سفيان.
والقول الثاني: أن المراد به الجهر، حكى أبو سليمان الخطابي: يتغنى؛ إذا أعلى صوته، وزعم أن رجلا منهم قال لآخر: غن يا ابن أخي! يقول: سل حاجتك، وارفع صوتك.
والثالث: تحسين الصوت.
فعلى هذا نقول بموجبه: فإنا نستحب تحسين الصوت، وهو الترتيل والحدر والتحزن.
واستدلوا بما رواه البخاري؛ قال: «سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ؟ فقال: كان يمد مدا. ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم)؛ يمد (بسم الله)، ويمد (الرحمن)، ويمد (الرحيم)» .
وقال عبد الله بن مُغَفَّلٍ: «رأيت النبي ﷺ على ناقته وهي تسير وهو يقرأ»
[ ٩٣ ]
«من سورة الفتح قراءة لينة، يقرأ وهو يرجع» .
وروى مسلم في " صحيحيه " عن معاوية بن قرة: «سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ النبي ﷺ في مسير له سورة الفتح على راحلته، فرجع في قراءته» .
قال معاوية: " لولا أني أخاف أن يجتمع علي الناس؛ لحكيت لكم قراءته "، وروى أنه كان يقرأ: " آآ آ ".
فالجواب نقول: كل هذا حجة عليكم، إذ ليس فيه للألحان ذكر؛ لأن النبي ﷺ كانت قراءته ترتيلا.
قالت عائشة: «كان النبي ﷺ يقرأ بالسورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها» .
وهذا هو المروي عن أكثر الصحابة، وهو نص القرآن.
وقد سئل مالك عن الهذ في القراءة؟ فقال: " من الناس من إذا هذ؛ كان أخف عليه، وإذا رتل؛ أخطأ، ومن الناس من لا يحسن يهذ، والناس في ذلك على ما يخف عليهم، وذلك واسع ".
[ ٩٤ ]
قال القاضي أبو الوليد: " ومعنى هذا أنه يستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخف عليه، فربما تكلف ما يخالف طبعه ويشق عليه، فيقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، فأما من تساوى في حقه الأمران؛ فالترتيل أولى ".
ورأيت أصحاب الشافعي يرفعون الخلاف ويجمعون بين قوليه، فقالوا: الموضع الذي قال: " لا بأس به ": إذا لم يمطط ويفرط في المد، والذي كرهه: إذا أفرط فيه على الوجه الذي بيناه.
وأما الترجيع؛ فإن أراد به ترديد الكلمة؛ مثل أن يتلو آية تخويف أو تحزين فيرددها خوفا أو تخشعا؛ فلا بأس به.
٣ -[فصل
ما لا ينبغي في قراءة القرآن]
وسئل مالك عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم، وكل رجل منهم يقرئ العُصبَة يفتح عليهم؟ قال: " إنه حسن لا بأس به ".
وقد قال مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: " يقرأ ذا ويقرأ ذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ".
وأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يعمل أهل الإسكندرية، وهو الذي يسمى القراءة بالإدارة؛ فكرهه مالك وقال: " هذا لم يكن من عمل الناس ".
[ ٩٥ ]