اعلموا - رحمكم الله - أن لأهل العلم في هذه الليلة قولين:
فقال بعضهم: هي ليلة النصف من شعبان.
واستدلوا بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان؛ فقوموا ليلتها، وصوموا يومها؛ فإن الله تعالى ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له؟ ألا مبتلى فأعافيه؟ ألا مسترزق فأرزقه؟ ألا كذا؟ ألا كذا؟ حتى يطلع الفجر» .
وهذا مذهب عكرمة مولى ابن عباس؛ قال: " هي ليلة النصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد ".
وروى عثمان بن المغيرة؛ قال: قال النبي ﷺ: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، ولقد خرج اسمه في الموتى» .
[ ١٢٩ ]
وقال قتادة، وابن زيد، ومجاهد، والحسن، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأكثر علماء العراق: هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم أنزله على نبيه في الليالي والأيام.
قالوا: فيبرم في ليلة القدر من شهر رمضان كل أجل وعمل ورزق وما يكون في تلك السنة.
قال سعيد بن جبير: " يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد، ولا ينقص ".
وقال هلال بن يساف: " انتظروا القضاء في شهر رمضان ".
وعلى هذا القول علماء المسلمين.
وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم؛ قال: " ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها ".
وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا النميري يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: " لوسمعته وبيدي عصا؛ لضربته ".
[ ١٣٠ ]
وكان زياد قاصا.
والدليل على صحة هذا القول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ .
وهذه الكناية كناية عن غير مذكور؛ إلا أنه قد جرى في قوله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ؛ نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله جبريل ﵇ على النبي محمد ﷺ نجوما.
وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة.
ألا تراه سماها مُبَارَكَةٍ، وإنما البركة من خصائص ليلة القدر؛ من أنها خير من ألف شهر، فهذا هو الخير والبركة والمغفرة؟
والاشتقاق يقتضيه أيضا؛ لأنه مأخوذ من التقدير، فتقدر فيها الأشياء؛ أي: يقضي الله تعالى فيها قضاء السنة كلها.
وقيل: ليلة العظمة والشرف وعظم الشأن؛ من قولك: رجل له قدر؛ يقال: قدرت فلانا؛ أي: عظمته؛ قال الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
[ ١٣١ ]
؛ أي: ما عظموه حق تعظيمه، وهذا تأويل الزهري.
وقيل: لأن كل عمل صالح يوجد فيها من المؤمن يكون ذا قدر وقيمة عند الله تعالى؛ لأنه مقبول.
وقيل: سميت بذلك لأن من لم يكن ذا قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر وخطر إذا أحياها.
وهذه المعاني هي تحقيق البركة، فأما مجرد فصل القضاء، وفرق كل أمر حكيم؛ فهو عمل الله تعالى.
فبان بهذا أن قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ إنما أراد به ليلة القدر.
وقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾؛ أي يفصل ويبرم، هو المعنى الذي ذكرناه في معنى القدر.
وأخبرني أبو محمد المقدسي؛ قال: " لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في أول سنة (٤٤٨) ثمان وأربعين وأربع مائة: قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابُلُس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام، فصلى في
[ ١٣٢ ]
المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث، ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كثيرة! !
ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد.
وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى، وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سنة إلى يومنا هذا "!
فقلت له: فأنا رأيت تصليها في جماعة؟
قال: " نعم؛ وأستغفر الله منها "!
قال: " وأما صلاة رجب؛ فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربع مائة، وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها قبل ذلك ".
١٢ -[فصل
مسجد مكة]
وروى الأزرقي في " كتاب مكة " بإسناده عن عثمان الأسود؛ قال: " كنت مع مجاهد، فخرجنا من باب المسجد، فاستقبلت الكعبة، فرفعت يدي، فقال: لا تفعل! إن هذا لفعل اليهود ".
وروى أيضا بإسناده عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ قال: " إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يأمروا بمسحه، ولقد
[ ١٣٣ ]