من آداب الدعاء المهمة أن لا يعلق الدعاء ولا يتردد، بل عليه العزم والجد والاجتهاد في الطلب من غير ضعف ولا تردد، ولا تعليق على المشيئة، وذلك بأن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، أو أعطني إن شئت.
وإنما لم يحتج إلى التعليق على المشيئة مع أنه مطلوب في كل شيء يقع في المستقبل؛ لأنَّه إنما يحتاج إلى ذلك إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه، ويُعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما الله سبحانه فإنه لا مكره له فلا فائدة في التعليق (^٣).
وقد أمر النبي ﷺ بالعزم في الطلب، ونهى عن التعليق بالمشيئة فقد روى أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "إذا دعا أحدكم
_________________
(١) انظر تحفة الذاكرين ص: ٥٠.
(٢) ذكره الحليمي في الآداب في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣١، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٤، وعنه النووي في الأذكار ص: ٣٦٤، وابن الجزري ص: ٤٤.
(٣) المنتقى للباجي: ١/ ٣٥٦، والفتح: ١١/ ١٤٠، وشرح النووي: ٧/ ١٧.
[ ١ / ١٨٦ ]
فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له" (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له". وفي لفظ لمسلم: "وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه". وفي لفظ آخر له أيضًا: "فإن الله صانع ما شاء لا مكره له" (^٢) ففي هذه الأحاديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريمًا، وقد قال ابن عيينة: "لا يمنعن أحدًا من الدعاء ما يعلم في نفسه -يعني من التقصير- فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ (^٣).
وقد فسر بعضهم العزم الوارد في هذه الأحاديث بحسن الظن بالله تعالى في الإجابة (^٤). وهو قريب من المعنى الأول، وحسن الظن مطلوب في الدعاء أيضًا لما ورد في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني" (^٥).
ومما ينبغي أن يعلم أن النهي عن التعليق خاص بما هو خير محض من المطالب الدينية كسؤال الرحمة والمغفرة والمطالب الدنيوية المعينة على الدين كالعافية والرزق، وأما الأمور التي لا يتحقق العبد مصلحتها وعواقبها فيعلقها على اختيار ربه له الأصلح كما في دعاء الاستخارة الوارد (^٦).
_________________
(١) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٩ رقم ٦٣٣٨، ومسلم: ٤/ ٢٠٦٣ رقم ٢٦٧٨.
(٢) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٩ رقم ٦٣٣٩، ومسلم ٤/ ٢٠٦٣ رقم ٢٦٧٩.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣١٣، وفتح الباري: ١١/ ١٤٠.
(٤) شرح النووي: ١٧/ ٧.
(٥) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٦٧ رقم ٢٦٧٥.
(٦) انظر في هذا الفرق بين المطالب في القول السديد ص: ١٣٦ - ١٣٧.
[ ١ / ١٨٧ ]
والسر في النهي عن التعليق هو أن عدم العزم في السؤال لا يليق بالبائس الفقير ذي الحاجة الشديدة وإنما يليق بمن يمكن الاستغناء له، ولا أحد يستغني عن فضل الله وجوده وكرمه، وأما المضطر فإنه يجزم ويسأل سؤال الفقير المضطر إلى ما سأله (^١).
ثم إن الداعي إذا لم يكن جازمًا لم يكن رجاؤه صادقًا قويًا لأن الباعث على الدعاء هو الرجاء فإذا كان الغالب على قلب الداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صادقًا، فلا يخلص الدعاء ولا يتحقق منه الإلحاح في الطلب لأنَّه لم يتحقق الباعث عليه، والداعي إنما يجاب تصديقًا لرجائه فإذا لم يصدق رجاؤه لم يستوجب أن يجاب (^٢).
وذلك لأن روح الدعاء وسره هو رغبة النفس في الشيء مع تطلعها إلى الملأ الأعلى والطلب بالشك يشتت العزيمة ويفتر الهمة (^٣).
ثم إن عدم الجزم فيه سوء ظن بالله تعالى لأن الداعي إذا لم يدع ربه على يقين أنه يجيبه فعدم إجابته إما لعجز المدعو، أو بخله، أو عدم علمه بالابتهال، وكل هذا محال على الله تعالى (^٤).