فقلنا: لِمَ أنكرتم ذلك؟
قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم١. إنما كوَّن شيئًا فعبر عن الله،
_________________
(١) ١ ذكره في الإبانة "١٩٧/٢"، ودرء التعارض "٣٧٧/١" "٤٠٧/٢".
[ ١٣٥ ]
وخلق صوتًا فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين.
فقلنا: هل يجوز لمكون أو غير الله أن يقول: ﴿يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١، ١٢]، أو يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية، ولو كان كما زعم الجهم أن الله كون شيئًا كان يقول ذلك المكون: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] وقد قال جل ثناؤه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] . فهذا منصوص القرآن.
فأما ما قالوا: إن الله لا يتكلم، فكيف يصنعون بحديث الأعمش، عن خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي: قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ما بينه وبينه ترجمان" ١.
وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان وأدوات. أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .
تراها أنها قالت بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟ وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "رقم: ٦٥٣٩" ومسلم "رقم: ٦٧/١٠١٦".
[ ١٣٦ ]
أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذ شهدت على الكفار. فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] .
أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء.
وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان.
قال أحمد ﵁: فلما خنقته الحجة قال: إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره.
فقلنا: وغيره مخلوق؟
قال: نعم.
فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون.
وحديث الزهري قال: لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لَمِتَّ.
قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك، قال: سبحان الله، وهل أستطيع أن أصفه لكم؟! قالوا: فشبهه. قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله١.
_________________
(١) ١ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل "٣٧٨/١" ثم قال ابن تيمية: =
[ ١٣٧ ]
وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] .
أليس الله هو القائل؟
قالوا: فَيُكوِّن الله شيئًا فيُعَبِّر عن الله، كما كَوَّن شيئًا فعَبَّر لموسى.
قلنا: فمن القائل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ، فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٦، ٧] .
أليس الله هو الذي يسأل؟
قالوا: هذا كله إنما يكون شيئًا، فيعبر عن الله.
قلنا: قد أعظمتم على الله الفرية، حين زعمتم أنه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله؛ لأن الأصنام لا تتكلم، ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان.
فلما ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد يتكلم، ولكن كلامه مخلوق،
_________________
(١) = فقد ذكر أحمد في هذا الكلام: أن الله تعالى يتكلم كيف شاء، وذكر فيما استشهد به من الأثر: "أن الله كلم موسى -﵇- بقوة عشرة آلاف لسان" وأن له قوة الألسن كلها، وهو أقوى من ذلك، وأنه إنما كلم موسى على قدر ما يطيق، ولو كلمه بأكثر من ذلك لمات. وهذا بيان منه لكون تكلم الله متعلقًا بمشيئته وقدرته كما ذكر عبد العزيز. وهو خلاف قول من يجعله كالحياة القديمة اللازمة للذات، التي لا تتعلق بمشيئة ولا قدرة. وبَيَّنَ أيضًا في كلامه أنه سبحانه تكلم وسيتكلم ردًّا على الجهمية، واستدل على أنه تكلم بالحديث الذي في الصحيحين عن عدي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه" وجعل قوله: "سيكلمه ربه" دليلا على أنه سيتكلم، فبين أن التكليم عنده مستلزم للتكليم متضمن للتكلم، ليس هو مجرد خلق إدراك في المستدل.
[ ١٣٨ ]
قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق الله لهم كلامًا، وقد جمعتم بين كفر وتشبيه. وتعالى الله عن هذه الصفة، بل نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق الكلام. ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم، ولا نقول: إنه قد كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه القدرة، ولا نقول: إنه كان قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول: إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلقه لنفسه عظمة١.
_________________
(١) ١ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل "٣٧٨/١" ثم قال ﵀: فقد بَيَّن أحمد في هذا الكلام الإنكار على النفاة الذين شبهوه بالجمادات التي لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، والإنكار على من زعم أنه كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام، فشبهه بالآدمي الذي كان لا يتكلم حتى خلق الله له كلامًا، فأنكر تشبيهه الجماد الذي لا يتكلم، وبالإنسان الذي كان غير قادر على الكلام حتى خلق الله له الكلام، فكان قادرًا على الكلام في وقت دون وقت. وبين أن من وصف الله بذلك فقد جمع بين الكفر -حيث سلب ربه صفة الكلام، وهي من أعظم صفات الكمال، وجحد ما أخبرت به النصوص- وبين التشبيه. ثم قال ابن تيمية ﵀ "٣٨٠/١": ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول ولهذا تأتلف ولا تختلف وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة =
[ ١٣٩ ]
فقالت الجهمية: لما وصفنا الله بهذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعموا، أن الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته.
قلنا: لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره، لا متى قدَّر، ولا كيف قدر.
فقالوا: لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء.
فقلنا: نحن نقول: قد كان الله ولا شيء. ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلَهًا واحدًا بجميع صفته؟ وضربنا لهم في ذلك مثلا. فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة؟ أليس لها جذع وكرب، وليف وسعف وخوص وجَمّار؟.. واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها١ فكذلك الله، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات. ولا يقدر حتى خلق له قدرة، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول: قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم حتى خلق له علمًا فعلم. والذي لا يعلم
_________________
(١) = المنصوص والمعقول فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] . ١ ذكره ابن بطة في الإبانة "١٧٥/٢".
[ ١٤٠ ]
هو جاهل. ولكن نقول: لم يزل الله عالِمًا قادرًا، لا متى ولا كيف١. وقد سمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان، وجوارح كثيرة. قد سَمَّاه الله وحيدًا بجميع صفاته. فكذلك الله، وله المثل الأعلى، هو بجميع صفاته إله واحد.
_________________
(١) ١ذكره ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص "ص: ٣١٧، ٣١٨". ٢ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في منهاج السنة النبوية "٤٨٤/٢، ٤٨٥" وفي درء تعارض العقل والنقل "٤٠٨/٢" وفي بيان تلبيس الجهمية "٤٦٣/١، ٤٦٤". قال ابن تيمية -﵀- في درء التعارض "٤٠٨/٢، ٤٠٩": قلت: فلا يوجد في كلام الله ورسوله واللغة اسم الواحد على ما لا صفة له، فإن ما لا صفة له لا وجود له في الوجود. وما ذكره أحمد عن الجهمية أنهم يتأولون كلام الله لموسى بأنه خلق من عبر عنه، تأوله جماعة من أتباعه في هذا، أو في قوله تعالى كل ليلة: "من يدعوني فأستجيب له" ولو كان كذلك لكان الملك يقول: إن الله رب العالمين كما في الصحيحين: "إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء" الحديث. ثم قال ﵀: أخبر الله تعالى في كتابه بإثبات مفصل ونفي مجمل. والمعطلة الجهمية متكلمهم ومتفلسفهم أخبروا بإثبات مجمل ونفي مفصل، فأخبر في كتابه بأنه: حي قيوم عليم قدير سميع بصير عزيز حكيم، ونحو ذلك: يرضى ويغضب ويحب ويسخط وخلق واستوى على العرش ونحو ذلك. وقال في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فلهذا مذهب السلف والأئمة: إثبات صفاته بلا تمثيل، =
[ ١٤١ ]
_________________
(١) = لا ينفون عنه الصفات، ولا يمثلونها بصفات المخلوقين. وقال ﵀ في بيان تلبيس الجهمية "٤٦٤/١": فهذا القول الذي ذكره الإمام أحمد عنهم أنهم قالوا: لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء. هو كلام مجمل ولكن مقصودهم أنه لم يكن موجودًا بشيء يقال: إنه من صفاته، فإن ثبوت الصفات يستلزم عندهم التركيب والتجزئة: إما تركيب المقدار كالتركيب الذي يزعمونه في تأليف الجسم من أجزائه، وإما التركيب الذي يزعمونه في الحدود وهو التركيب من الصفات، كما يقولون: النوع مركب من الجنس والفصل، ويستلزم أيضًا التشبيه والتوحيد عندهم، ففي التشبيه والتجسيم، ويقولون إن الأول يعنون به عدم النظير والثاني يعنون به أنه لا ينقسم. وهم يفسرون الواحد والتوحيد بما ليس هو معنى الواحد والتوحيد في كتاب الله وسنة رسوله، وليس هو التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، وهذا أصل عظيم تجب معرفته. وقال أيضًا -﵀- في منهاج السنة النبوية "٤٨٥/٢، ٤٨٦": وهذا الذي ذكره الإمام أحمد يتضمن أسرار هذه المسائل، وبيان الفرق بين ما جاءت به الرسل من الإثبات الموافق لصريح العقل، وبين ما تقوله الجهمية وبين أن صفاته داخلة في مسمى أسمائه.
[ ١٤٢ ]