_________________
(١) هكذا عنوان بداية المسائل العقدية في الأصل المخطوط.
(٢) أجمع أهل السنة والخوارج والمعتزلة والمتكلمين عمومًا والصوفية على أن أبا بكر وعمر ﵄ أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ، وعلى هذا أيضًا الشيعة الأوائل ممن كان مع علي من أهل الكوفة ما عدا الروافض. كما أجمع أهل السنة على أن عثمان وعليًا ﵄ أفضل الأمة بعد أبي بكر وعمر واختلفوا في التفضيل بينهما. فالذي عليه الأكثر بل غالب أهل السنة والأئمة الإمام الشافعي والإمام أحمد والمشهور عن مالك، وعليه أصحاب الأئمة الأربعة ومشايخ الزهد والتصوف وجمهور أهل الكلام الكرامية والكلابية، والأشعرية والمعتزلة تقديم عثمان ﵁ على علي ﵁ وأن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة ونقل عن كثير من أهل الكوفة تقديم علي على عثمان ﵄ ومنهم سفيان الثوري وروي عنه الرجوع عنه وأبو حنيفة وقد روي عنه أيضًا الرجوع عنه. كما قال بالتوقف في التفضيل بينهما جماعة، وروي ذلك عن سفيان وهي رواية عن الإمام مالك، وقال به يحيى القطان وابن معين وروي عنه تفضيل عثمان. هذه هي الأقوال الواردة في التفضيل بين عثمان وعلي ﵄ إلا أن هذه الأقوال لم تستمر في أهل السنة بل صار بعد هؤلاء إجماع أهل السنة على أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، فإن عثمان ﵁ قد قدمه جمهور أصحاب رسول الله ﷺ بل قال عبد الرحمن بن عوف في مبايعته لعثمان "إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان أحدًا" أخرجه في مناقب الصحابة (٥/ ١٣)، تاريخ المدينة لابن شبه (٣/ ٩٢٤). وستأتي رواية ابن عمر ﵁ في تفضيل عثمان وأن ذلك إجماع الصحابة ﵃، بل كان النبي ﷺ يعلم ذلك منهم ولا يعترض عليه، فصار إقرارًا من النبي ﷺ بتفضيل عثمان ﵁ على سائر الصحابة بعده ومنهم علي، وهو الأمر الذي جعل الإمام أحمد ينص على تفضيل الثلاثة ثم التوقف فيمن بعدهم ثم كان من قوله التربيع بعلي ﵁، لأنه لا يوجد في الصحابة بعد الثلاثة من له مناقب علي ﵁. انظر في ذلك كله: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٨/ ١٣٦٣ - ١٣٨٢)، السنة للخلال =
[ ٣٩ ]
فنقل حمدان بن علي (^١) وإسحاق بن إبراهيم (^٢) وأبو الحارث (^٣) والفضل (^٤) وأبو داود (^٥) عنه أنه قال: "أبو بكر وعمر وعثمان ولو قال وعلي لم أعنفه" (^٦).
وكذلك نقل عبد الله (^٧) قال سمعت أبي يقول: "التفضيل أبو بكر وعمر وعثمان ولا أعنف (^٨) من ربع بعلي لقرابته وصهره وإسلامه القديم
_________________
(١) = (١/ ٣٧١ - ٤١٠)، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١٨٤ - ١٨٦)، الفتاوي لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٤٢١ - ٤٣٠) ومنهاج السنة النبوية (٨/ ٢٢٣ - ٢٣٠)، شرح العقيدة الطحاوية (٥٧٠)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٦)، منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة (١٥٦ - ١٦٨).
(٢) حمدان بن علي هو محمد بن علي بن عبد الله بن مهران أبو جعفر الوراق الجرجاني المعروف بحمدان. قال الخطيب: كان فاضلًا حافظًا عارفًا ثقة وقال أحمد الواعظ: كان من نبلاء أصحاب أحمد توفي سنة ٢٧٢ هـ. تاريخ بغداد (٣/ ٦١)، طبقات الحنابلة (١/ ٣٠٨).
(٣) إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري. قال ابن أبي يعلى: خدم الإمام أحمد وهو ابن تسع سنين، وقال الخلال: كان أخا دين وورع، توفي سنة ٢٧٥. تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٦)، طبقات الحنابلة (١/ ١٠٨) وروايته في مسائل ابن هانئ المطبوعة (٢/ ١٦٩).
(٤) أبو الحارث هو أحمد بن محمد أبو الحارث الصايغ. قال الخلال: كان أبو عبد الله يأنس به وكان يقدمه ويكرمه، وكان له عنده موضع جليل. انظر: تاريخ بغداد (٥/ ١٢٨)، طبقات الحنابلة (١/ ٧٤).
(٥) الفضل بن زياد أبو العباس القطان البغدادي قال الخلال: كان أبو عبد الله يعرف قدره ويكرمه ويصلي بأبي عبد الله. تاريخ بغداد (١٢/ ٣٦٣)، طبقات الحنابلة (١/ ٢٥١).
(٦) أبو داود هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني صاحب السنن ثقة حافظ من كبار العلماء. طبقات الحنابلة (١/ ١٥٩)، تقريب التهذيب ص (١٣٢) وروايته انظرها في مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ص (٢٧٧).
(٧) نقل هذه الروايات الخلال في السنة (١/ ٤٠٦).
(٨) عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل أبو عبد الرحمن. قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا فهمًا، وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه توفي سنة ٢٩٠ هـ. تاريخ بغداد (٩/ ٣٧٥)، طبقات الحنابلة (١/ ١٨٠).
(٩) هكذا وفي مصادر الرواية (ولا نعيب).
[ ٤٠ ]
وعدله (^١). فظاهر هذا أنه لم يفضله على غيره من الصحابة.
ونقل أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم البغوي (يعني لولو ابن عم أحمد ابن منيع) (^٢). قال: قلت لأحمد: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أليس هو عندك صاحب سنة؟ قال: بلى، لقد روي في علي ما تقشعر منه الجلود قال ﷺ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". (^٣) فظاهر هذا أنه قد فضله على غيره.
ونقل الحسن بن ثواب (^٤): "من قال أبو بكر وعمر وعثمان وسكت فقد أصاب، ومن قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فقد أصاب، من قال هذين القولين فقد أصاب" (^٥) كذلك نقل هارون بن سفيان (^٦) وقد سأله عمن قال:
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة (٢/ ٥٩٠)، والخلال في السنة (١/ ٤٠٤).
(٢) العبارة في الأصل هكذا "إسحاق بن إبراهيم البغوي ولولو ابن عمر وأحمد بن منيع" وصوابها من السنة للخلال. وإسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن منيع أبو يعقوب البغوي لقبه لؤلؤ وقيل يؤيؤ. قال في التقريب: ثقة توفي ٢٥٩ هـ. التقريب ص (٢٧)، طبقات الحنابلة (١/ ١٠٩). وأحمد بن منيع هو ابن عبد الرحمن أبو جعفر البغوي نزيل بغداد ثقة حافظ توفي سنة ٢٤٤ هـ. التقريب ص (١٧).
(٣) الرواية أخرجها الخلال في السنة (١/ ٤٠٧) أما الحديث فقد أخرجه خ. المغاري، (ب غزوة تبوك). انظر صحيح البخاري مع فتح الباري (٨/ ١١٢)، وأخرجه م. فضائل الصحابة (ب فضائل علي ﵁ (٤/ ١٨٧٠) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٤) الحسن بن ثواب أبو علي الثعلبي المخرمي. قال أبو الحسن الدارقطني: بغدادي ثقة، توفي سنة ٢٦٨ هـ تاريخ بغداد (٧/ ٢٩١٤)، طبقات الحنابلة (١/ ١٣١).
(٥) أخرجه الخلال في السنة (١/ ٤٠٧).
(٦) هارون بن سفيان بن بشر أبو سفيان يعرف بالديك، نقل عن الإمام أحمد أشياء. توفي سنة ٢٥١ هـ تاريخ بغداد (١٤/ ٢٥)، طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٦).
[ ٤١ ]
أبو بكر وعمر وعثمان فهو قول ابن عمر (^١)، وإليه أذهب، ومن قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فهو صاحب سنة" (^٢).
فظاهر هذا أنه لم يخطئ من فضله ولا من ترك تفضيله، وحكم بالصواب في حق كل واحد منهم (وأن كلا القولين جائزان) (^٣).
وقال أبو بكر الخلال (^٤): "مذهب أحمد أبو بكر وعمر وعثمان هو المشهور عنه". وحكى المروذي (^٥) وغيره أنه قال لعاصم (^٦) وأبي عبيد (^٧): "لست أدفع قولكم في التربيع بعلي" (^٨).
وقد حكى عنه قريب من ستة أنه قال: "من قال علي فهو صاحب سنة"، وحكى عنه أحمد بن أبي الحواري (^٩)، وحامد (^١٠) أنه قال: وعلي (^١١)، وإنما
_________________
(١) هكذا في الأصل وعند الخلال (فقال هذا قول ابن عمر).
(٢) أخرجه الخلال في السنة (١/ ٣٨١، ٤٠٨).
(٣) العبارة في الأصل غير مستقيمة وظاهر قراءتها هكذا (أو أن كان القول جائز) ولا معنى لها مع الخطأ في العربية فيبدو لي أن صوابها ما أثبت.
(٤) أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال الحنبلي قال الخطيب: وكان ممن صرف عنايته إلى الجمع لعلوم أحمد بن حنبل وطلبها وسافر لأجلها وكتبها عالية ونازلة وصنفها كتبًا، ولم يكن فيمن ينتحل مذهب أحمد أجمع منه لذلك. توفي سنة ٣١١ هـ. تاريخ بغداد (٥/ ١١٢)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٢).
(٥) أحمد بن محمد الحجاج بن عبد العزيز أبو بكر المروذي كان المقدم من أصحاب أحمد بن حنبل عنده لورعه وفضل. انظر: طبقات الحنابلة (١/ ٥٦).
(٦) عاصم بن علي بن عاصم الواسطي أبو الحسن التيمي مولاهم صدوق ربما وهم. توفي سنة ٢٢١ هـ. التقريب ص (١٥٩).
(٧) أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام المشهور ثقة فاضل مصنف توفي سنة ٢٢٤ هـ، التقريب ص (٢٧٨).
(٨) أخرجه الخلال في السنة (١/ ٤٠٤).
(٩) أحمد بن ميمون أبو الحسن الدمشقي بن أبي الحواري توفي سنة ٢٦٤ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ٧٨).
(١٠) حامد بن يحيى البلخي أبو عبد الله نزيل طرسوس ثقة حافظ توفي سنة ٢٤٢ هـ. التقريب ص (٦٢).
(١١) رواية أحمد بن أبي الحواري في السنة للخلال (١/ ٤٠٩) أنه سأل الإمام أحمد ما تقول في التفضيل؟ قال: على حديث سفينة في التفضيل والخلافة. ورواية حامد بن يحيى البلخي في السنة للخلال (١/ ٤٠٩) قال: وكان أحمد بن حنبل يذهب في التفضيل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي".
[ ٤٢ ]
هذا عندي أنه لم يحب أن يأخذ عنه أهل الشام ما يتقلدونه عنه في ذلك، لأنه إمام الناس كلهم في زمانه فلم يحب أن يؤخذ عنه إلا التوسط في القول، لأن أهل الشام يغلون في عثمان كما يغلوا أهل الكوفة في علي (^١).
وجه الرواية الأولة (^٢): ما روي نافع (^٣) عن ابن عمر قال: "كنا في زمن رسول الله ﷺ لا نعدل بأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نترك فلا نفاضل بينهم" (^٤).
وروى سهيل بن أبي صالح (^٥) عن أبيه (^٦) عن عمر قال: "كنا نعد ورسول الله ﷺ حي وأصحابه متوافرون نقول أبو بكر وعمر وعثمان ثم نسكت" (^٧).
وروى أبو بكر الخلال عن عبد الله بن أحمد قال: ثنا محمود بن غيلان (^٨)
_________________
(١) السنة للخلال (١/ ٤٠٩ - ٤١٠) ومراد الخلال ﵀ أن الإمام أحمد أجاب الشاميين، لأن أحمد ابن أبي الحواري من أهل حمص وسأل الإمام أحمد حين قدم الإمام أحمد حمص فأجابه بالجواب الوسط، وهو تقديم علي ﵁ على سائر الصحابة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وهذا بيان منه لمقام علي ﵁، لأن أهل الشام يغلون في عثمان، وقد يكونون تأثروا بمعاداة الأمويين لعلي ﵁ وسب بعضهم له، فأراد بيان التوسط من القول وهو التربيع بعلي ﵁.
(٢) وهي التوقف بعد عثمان ﵁ وعدم التفضيل بين الصحابة بعد الثلاثة.
(٣) نافع أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور. توفى سنة ١١٧ هـ. التقريب ص (٣٥٥).
(٤) أخرجه خ. فضائل الصحابة (ب مناقب عثمان). صحيح البخاري مع فتح الباري (٧/ ٥٣).
(٥) سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان أبو يزيد المدني صدوق تغير حفظه بآخره توفي في آخر خلافة المنصور. التقريب ص (١٣٩).
(٦) ذكوان السمان الزيات أبو صالح المدني ثقة ثبت كان يجلب الزيت إلى الكوفة توفي سنة ١٠١ هـ. التقريب ص (٩٨).
(٧) أخرجه حم (٢/ ١٤)، والخلال في السنة (١/ ٣٨٤).
(٨) محمود بن غيلان العدوي مولاهم أبو أحمد المروزي نزيل بغداد ثقة. توفي سنة ٢٣٩ هـ. التقريب ص (٣٣٠).
[ ٤٣ ]
قال: ثنا حجين بن المثنى (^١) قال: ثنا الماجشون (^٢) عن عبيد الله (^٣) عن نافع عن ابن عمر: "كنا نقول على عهد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان ويبلغ ذلك رسول الله فلا ينكره علينا" (^٤).
وروى يحيى بن سعيد (^٥) عن نافع عن ابن عمر قال كنا نفضل على عهد رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعثمان ولا نفضل أحدًا على أحد (^٦).
وقد روي حديث ابن عمر من طرق بهذا المعنى، وأن التفضيل ينقطع على عثمان. وهذا إجماع من الصحابة فدل على إسقاط التفضيل.
ووجه الثانية (^٧): أنه قد ورد لعلي من الفضائل ما يدل على فضله على من كان في وقته بعد عثمان، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" (^٨)، وقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" (^٩). وقيل كان لهارون من موسى عدة منازل منها: أنه كان أفضل أهل زمانه وأولاهم
_________________
(١) حجين بن المثنى اليمامي أبو عمير سكن بغداد وولى قضاء خراسان ثقة. توفي سنة ٢٥٠ هـ التقريب ص (٦٥).
(٢) عبد العزيز عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني نزيل بغداد ثقة فقيه مصنف. توفي سنة ١٦٤ هـ التقريب ص (٢١٥).
(٣) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ثقة ثبت توفي سنة ١٤٧ هـ وقيل قبلها. التقريب ص (٢٢٦).
(٤) أخرجه الخلال في السنة (١/ ٣٩٨).
(٥) يحيى بن سعيد الأنصاري المدني أبو سعيد القاضي ثقة توفي سنة ١٤٤. هـ التقريب ص (١٤٤).
(٦) فضائل الصحابة للإمام أحمد (١/ ٨٦).
(٧) الرواية الثانية هي تقديم علي ﵁ وتفضيله على سائر الصحابة بعد الثلاثة.
(٨) أخرجه خ. فضائل الصحابة (٥/ ١٧)، م فضائل الصحابة (٤/ ١٨٧٠) من حديث سعد ﵁.
(٩) تقدم تخرجه ص ٤٣.
[ ٤٤ ]
به (^١)، فلما تقرر أن لعلي تلك المنازل إلا النبوة وجب أن يكون ما عدا النبوة باقيًا لعلي.
وروي أن النبي ﷺ آخى بين أصحابه وآخى بين نفسه وبين علي (^٢)، ولأن الجهات التي يستحق بها التفضيل الزهد، والعلم، والتقدم في الإسلام والقرابة، وهذه الخصال كانت مجتمعة فيه متفرقة في غيره بعد عثمان فيجب أن تحصل له الفضيلة على غيره بذلك.
ووجه الثالثة: في أنه لا يُخَطأ من فضله ولا من ترك تفضيله بل الصواب في قول كل واحد منهما: أن معنى قولنا أفضل يعني أكثر ثوابًا عند الله وذلك لا يعلم إلا بتوقيف، لأنه قد يظهر من الرجل أفعال ومن آخر دون تلك الأفعال ويكون الذي أظهر لنا أفعالًا قليلة أكثر ثوابًا من الذي أظهر لنا أفعالًا كثيرة، فمن أدَّاه اجتهاده إلى تفضيله أو ترك تفضيله يجب أن لا يخطأ لعدم المعنى الموصول إلى ذلك، فهذا حكم تفضيله على غيره من الصحابة غير أبي بكر وعمر وعثمان.
فأما تفضيله على أبي بكر وعمر وعثمان فلا يجوز رواية واحدة، وهم أفضل منه، فإن فضله على أبي بكر وعمر كان مخطئًا مبتدعًا (^٣).
وإن فضله على عثمان فعلى روايتين:
_________________
(١) هذا ظاهر لأن هارون ﵊ نبي فلازم ذلك أنه أفضل أهل زمانه بعد موسى، كما أنه أخو موسى ﵇ فبالتالي أقربهم إليه وأحبهم إلى قلبه، لهذا سأل الله ﷿ له النبوة فقال ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: ٢٩، ٣٠].
(٢) أخرجه ت. المناقب (٥/ ٦٣٦)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٥٨٨) عن ابن عمر وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٢/ ١٤).
(٣) ذكر الخلال في السنة (١/ ٣٧٤ - ٣٧٨) عدة روايات عن الإمام أحمد في ذم من قدم عليًا على أبي بكر وعمر ﵄.
[ ٤٥ ]
إحداهما: أنه مخطئ مبتدع أيضًا. قال في رواية محمد بن عوف الحمصي (^١): "من قدم عليًا على أبي بكر فقد طعن على رسول الله ﷺ، ومن قدمه على عمر فقد طعن على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر، ومن قدمه على عثمان فقد طعن على أبي بكر وعمر وعلى أهل الشورى والمهاجرين والأنصار". (^٢) فظاهر هذا تخطيئه وتبديعه.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم "من قدم عليًا على عثمان فهو رجل سوء" (^٣)، وكذلك نقل حنبل (^٤) عنه "من قدم عليًا على عثمان فهو أهل أن يبدع" (^٥)، وكذا لهارون الديك عن أحمد أنه قال: "من قال أبو بكر وعمر وعلي وعثمان فهو رافضي، أو قال مبتدع"، (^٦) وكذلك نقل صالح (^٧) وعبد الله (^٨).
والرواية الثانية: أنه يسوغ الاجتهاد في ذلك. قال في رواية بكر بن محمد (^٩)
_________________
(١) محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصي قال في التقريب ثقة حافظ توفي سنة ٢٧٢ هـ التقريب ص (٣١٤) وانظر طبقات الحنابلة (١/ ٣١٠).
(٢) السنة للخلال (١/ ٣٧٤).
(٣) السنة للخلال (١/ ٣٧٨)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٢٠).
(٤) حنبل بن إسحاق بن حنبل أبو علي الشيباني ابن عم الإمام أحمد قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا، وقال الدارقطني: كان صدوقًا. توفي سنة ٢٧٣ هـ. تاريخ بغداد (٨/ ٢٨٦)، طبقات الحنابلة (١/ ١٤٣).
(٥) السنة للخلال (٣٨٠).
(٦) السنة للخلال (١/ ٣٨١).
(٧) صالح بن أحمد بن حنبل أبو الفضل الشيباني، قال أبو حاتم: كتبت عنه بأصبهان وهو صدوق ثقة توفي سنة ٢٦٦ هـ. تاريخ بغداد (٩/ ٣١٧) طبقات الحنابلة (١/ ١٧٣) ورواية صالح عن الإمام أحمد في السنة للخلال (١/ ٣٨٠).
(٨) عبد الله فيما يبدو ابن الإمام أحمد ولم أقف على الرواية عنه في هذا.
(٩) بكر بن محمد بن الحكم النسائي الأصل أبو أحمد قال الخلال: كان أبو عبد الله يقدمه ويكرمه. طبقات الحنابلة (١/ ١١٩).
[ ٤٦ ]
عن أبيه (^١) عنه وقد سأله عمن قال: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان هل يقال إنه مبتدع؟ قال: "أكره أن أبدعه البدعة الشديدة ولكن ما يعجبني هذا القول" (^٢). ونقل حنبل في موضع آخر فيمن قال: علي وعثمان فهم أحسن حالًا من غيرهم من الروافض (^٣)، ثم ذكر عدة من شيوخ أهل الكوفة (^٤). فظاهر هذا أنه يسوغ الاجتهاد في ذلك لأنه لم يحكم عليه بالبدعة.
وجه الرواية الأولى (^٥) ما تقدم من حديث ابن عمر وقوله: "كنا في زمن رسول الله ﷺ لا نعدل بأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نترك فلا نفاضل بينهم"، وفي لفظ آخر "يبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره"، وفي لفظ آخر "كنا نفضل على عهد رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعثمان ولا نفضل أحدًا على أحد". وهذا إجماع منتشر في الصحابة فلم يسغ خلافه، ولأنه بلغ النبي ﷺ وأقر عليه. وقد روي عن ابن عمر لفظ فيه زيادة، فروى سالم بن عبد الله (^٦) أن عبد الله بن عمر قال: "جاءني رجل من الأنصار في خلافة عثمان
_________________
(١) محمد بن الحكم أبو بكر الأحول قال الخلال: لا أعلم أحدًا أشد فهمًا منه فيما سئل بمناظرة واحتجاج ومعرفة وحفظ. توفي سنة ٢٢٣ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ٢٩٥).
(٢) السنة للخلال (١/ ٢٧٨).
(٣) هكذا في النسخة والعبارة غير سليمة وهي عند الخلال هكذا "سألت أبا عبد الله: من قال علي وعثمان قال: هؤلاء أحسن حالًا من غيرهم ثم ذكر عدة من شيوخ أهل الكوفة وقال هؤلاء أحسن حالًا من الروافض".
(٤) السنة للخلال (١/ ٣٨٠) وذكر هذا الإمام أحمد لأن أهل الكوفة أكثرهم يفضلون عليًا على عثمان وقد سبق ذكر ذلك ص ٤١، بل روى الخلال عن الإمام أحمد أنه قال: "لم تخرج الكوفة إلا رجلين طلحة بن مصرف وعبد الله بن إدريس"، وقال أيضًا: "أهل الكوفة كله يفضلون" يعني يفضلون عليًا على عثمان ﵁. انظر: السنة (١/ ٣٩٥).
(٥) أي الرواية بتبديع من يفضل عليًا على عثمان ﵄.
(٦) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا كان يشبه بأبيه في الهدي والسمت مات آخر سنة ١٠٦ هـ. التقريب ص (١١٥).
[ ٤٧ ]
فتكلم كلامًا طويلًا (^١) وهو امرؤ في لسانه ثقل فلم يكن يقضي كلامه في سرعة، فلما قضى كلامه قلت: إنا كنا نقول ورسول الله ﷺ (حي) (^٢) أفضل أمة رسول الله ﷺ بعده أبو بكر (^٣) ثم عمر، ثم عثمان، وإنا والله ما نعلم عثمان قتل نفسًا بغير حق، ولا جاء من الكبائر شيئًا، ولكن هو هذا المال إن أعطاكموه رضيتم وإن أعطاه أولى قرابته سخطتم، إنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم لا يتركون (^٤) لهم أميرًا إلا قتلوه، قال: ففاضت عيناه بأربع من الدمع، ثم قال: اللهم لا نريد ذلك (^٥).
وروى أبو وائل (^٦) أن عبد الله بن مسعود سار من المدينة إلى مكة ثماني حين استخلف عثمان، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد مات فلم ير يومًا كان أكثر نحيبًا من يومئذ، وإنا اجتمعنا أصحاب محمد ﷺ فلم نألوا عن خيرنا ذا فوق (^٧) فبايعنا أمير المؤمنين عثمان فبايعوه" (^٨).
_________________
(١) مراد الرجل من كلامه ذلك هو أن يتكلم ابن عمر ﵁ في عثمان ﵁ ويذمه ويعيبه.
(٢) ما بين القوسين ساقط من المخطوط وهي عند الخلال.
(٣) في المخطوطة (أبا بكر) وهو خطأ وصوابها ما أثبت كما هو عند الخلال.
(٤) في المخطوطة وكذلك عند الخلال (لا يتركوا) وفي فضائل الصحابة (لا يتركون) وهو الصواب.
(٥) السنة للخلال (١/ ٣٨٦، ٣٨٧)، فضائل الصحابة للإمام أحمد (١/ ٩٤) وقال محققه: إسناده صحيح.
(٦) أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي ثقة مخضرم، توفي في خلالة عمر بن عبد العزيز وله مائة سنة. التقريب ص (١٤٧).
(٧) قال ابن منظور: الفوق بضم الفاء وسكون الواو جمع أفواق وفوق وهو مشق رأس السهم حيث يقع الوتر ومعنى قوله "ذا فوق" أي أعلانا سهمًا ذا فوق أراد خيرنا وأكملنا تامًا في الإسلام والسابقة والفضل. لسان العرب (٥/ ٣٤٩٠).
(٨) السنة للخلال (١/ ٣٩٠).
[ ٤٨ ]