نقل أبو بكر بن زنجويه (^١) قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع لا يكلم" (^٢).
فظاهره أنه منع من القول باللفظ بالقرآن غير مخلوق، وأنه يكون مبتدعًا بهذا القول بدعة لا يفسق بها، لكن ابتدع قولًا لا يسبق (^٣) إليه تركه أولى منه.
وكذلك نقل جعفر بن محمد النسائي (^٤) قال: صح عندي في حياة أبي عبد الله أنه نهى أن يقال لفظي بالقرآن غير مخلوق (^٥)، وكذلك نقل أبو محمد فوران (^٦) قال: جاءني حمدويه بن شداد (^٧) برقعة فيها مسائل وفيها: لفظي بالقرآن غير مخلوق فرفعتها إلى أبي بكر المروذي وقلت أذهب بها
_________________
(١) هكذا في المخطوط وهو كذلك في السنة للخلال، ولم أقف علي أبى بكر بن زنجويه وإنما الوارد في طبقات الحنابلة حميد بن زنجويه أبو أحمد الأزدي واسمه حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الأزدي ذكره في التقريب، وقال: ثقة ثبت له تصانيف توفي سنة ٢٤٨ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ١٥٠)، التقريب ص (٨٥).
(٢) أخرجه الخلال في السنة ورقه (١٩٨/ ب).
(٣) هكذا أمكن قراءتها.
(٤) جعفر بن محمد النسائي الشعراني أبو محمد قال الخلال: رفيع القدر ثقة جليل ورع أمَّارًا بالمعروف نهاءً عن المنكر قتل في مكة في شيء من ذلك. طبقات الحنابلة (١/ ١٢٤).
(٥) السنة للخلال ورقه (١٩٨/ أ).
(٦) عبد الله بن محمد بن المهاجر أبو محمد يعرف بفوران قال الدارقطني: فوران ثبت جليل كان أحمد يجله توفي سنة ٢٥٠ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ١٩٥).
(٧) في المخطوط حمدون، وفي السنة للخلال ورد مرة حمدون وفي الأخرى حمدويه وهو الصواب كما في الطبقات وقال عنه: نقل عن إمامنا أشياء وذكر له مسألة واحدة. طبقات الحنابلة (١/ ١٥١).
[ ٧٥ ]
إلى أبي عبد الله فأخبره أنها رقعة بن شداد (^١) وأنه قال: ما كرهت منها فاضرب عليه، فضرب على موضع لفظي بالقرآن غير مخلوق، وكتب بخطه: "القرآن حيث تصرف فهو غير مخلوق" (^٢).
وكذلك نقل حنبل: أن أبا عبد الله بلغه أن أبا طالب (^٣) حكي عنه أنه يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق فقال له: لولا أني أكره صرم المسلم ما كلمتك، حكيت عني أنى أقول لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ فقال له: لم أحك عنك، فقال: لا تحكِ عني ولا عنك ما سمعت عالمًا قال هذا (^٤).
قال شيخنا أبو عبد الله: لا بأس بإطلاق هذا القول، لأن أحمد قد قطع بتكفير الواقفة (^٥) التي لا تقول في القرآن بأنه مخلوق ولا غير مخلوق، وإنما كره أحمد إطلاق هذا القول، لأن السلف من أهل عصره ومن قبله امتنعوا من ذلك.
قال أبو بكر المروذي: سمعت أبا الحسن علي بن مسلم الطوسي (^٦) يقول:
_________________
(١) في المخطوط (شداد) وما أثبت من السنة للخلال.
(٢) السنة للخلال ورقه (١٩٨/ أ).
(٣) أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني قال الخلال: صحب أحمد قديمًا إلى أن مات وكان أحمد يكرمه ويقدمه وكان رجلًا صالحًا فقيرًا صبورًا، توفي سنة ٢٤٤ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ٣٩).
(٤) أخرجه الخلال في سنة (١٩٨/ أ - ب).
(٥) الواقفة: هم قوم وقفوا في القرآن فقالوا: لا نقول مخلوقًا ولا غير مخلوق، وذلك أنه لما ظهرت مقالة المعتزلة في خلق القرآن أظهر أهل السنة الرد عليهم، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، فتوقف بعض الناس وقالوا القرآن كلام الله لا نقول مخلوقًا ولا غير مخلوق، فذمهم العلماء والأئمة بل حكموا بكفرهم وسموهم الشكاك، وقد نقل اللالكائي ذلك عن أكثر الأئمة في ذلك العصر ومنهم الإمام أحمد، وصرحوا بأن هذا ليس موقف الورع، لأن الحق يجب إظهاره وعدم الوقوف سلبًا فإن هذا مما يقوى البدعة، وقد يكون الوقوف شكًا والشك كفر. انظر شرح السنة للالكائي (٣/ ٣٢٣ - ٣٢٩) الشريعة للآجري ص (٨٧ - ٨٨).
(٦) على بن مسلم بن سعيد الطوسي نزيل بغداد، صدوق، توفي سنة ٢٥٣ هـ. التقريب ص (٢٤٩).
[ ٧٦ ]
من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فقد ابتدع، وقد أدركنا من علمائنا مثل عبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير (^١)، وإسماعيل بن عُلية (^٢) وسفيان بن عيينة، وعباد بن عباد (^٣) وعباد بن العوام (^٤) وأبو بكر بن عياش (^٥) وعبد الله ابن إدريس (^٦)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٧)، ويحيى بن أبى زائدة (^٨) ويوسف بن يعقوب الماجشون (^٩)، ووكيع (^١٠)، ويزيد بن هارون (^١١) وأبو أسامة (^١٢)، كلهم قد أدركوا التابعين وسمعوا منهم ورووا عنهم ما منهم أحد قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق (^١٣).
_________________
(١) هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطي ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي توفي سنة ١٨٣ هـ. التقريب ص (٣٦٥).
(٢) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري المعروف بابن عُلية، ثقة توفي سنة ١٩٣ هـ. التقريب ص (٣٢).
(٣) عباد بن عباد الرملي الأرسوفي. صدوق يهم من التاسعة. التقريب ص (١٦٣).
(٤) عباد بن العوام بن عمر الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي. ثقة، توفي سنة ١٥٨ هـ. التقريب ص (١٦٣).
(٥) أبو بكر عياش بن سالم الأسدي الكوفي المقرئ، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح. توفي سنة ١٩٤ هـ. التقريب ص (٣٩٦).
(٦) عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي أبو محمد الكوفي ثقة فقيه عابد. توفي سنة ١٩٢ هـ. التقريب ص (١٦٧).
(٧) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم. ضعيف توفي سنة ١٨٢ هـ. التقريب ص (٢٠٢).
(٨) يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الحمداني أبو سعيد الكوفي. ثقة متقن. توفي سنة ١٨٤ هـ. التقريب ص (٣٧٥).
(٩) يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون أبو سلمة المدني. ثقة. توفى سنة ١٨٥ هـ. التقريب ص (٣٨٩).
(١٠) وكيع بن الجراح الرؤاسي. ثقة حافظ عابد. توفي سنة ٢٩٧ هـ. التقريب ص (٣٦٩).
(١١) يزيد بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي. ثقة. متقن عابد. توفي سنة ٢٠٦ هـ. التقريب ص (٣٨٥).
(١٢) حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي أبو أسامة مشهور بكنيته ثقة ثبت ربما دلس توفي سنة ٢٠١ هـ. التقريب ص (٨١).
(١٣) أخرجه الخلال في السنة ورقه (١٩٩/ أ - ب).
[ ٧٧ ]
وقال المروذي سمعت عبد الله بن أيوب المخرمي (^١) يقول: من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو ضال مبتدع. أدركت سفيان بن عيينه ويحيى بن سليم (^٢) ووكيع وعبد الله بن نمير (^٣) وجماعة من علماء الحجاز والبصرة والكوفة ما سمعت أحدًا منهم قال: لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق، وقد صح عندنا أن أبا عبد الله نهى عن ذلك (^٤)، وقد روي عن علي بن شعيب (^٥)، صاحب شعيب بن حرب (^٦) ومحمد بن عبد الله المخرمي الحافظ (^٧) وأبي الفضل العباس بن محمد الدوري (^٨) وهارون بن سفيان المستملي (^٩) وعلي بن الحسن الجروي (^١٠)، ومحمد بن هشام المروزي (^١١)،
_________________
(١) لم أقف على ترجمته.
(٢) يحيى بن سليم الطائفي نزيل مكة سيئ الحفظ توفي سنة ٢٩٣ هـ. التقريب ص (٣٧٦).
(٣) عبد الله بن نمير أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث من أهل السنة توفي سنة ٢٩٩ هـ. التقريب ص (١٩٢).
(٤) السنة للخلال (ورقة ٢٠٠/ أ).
(٥) علي بن شعيب بن عدي سمسار البزاز البغدادي فارسي الأصل ثقة. توفى سنة ٢٥٣ هـ. التقريب ص (٢٤٦).
(٦) شعيب بن حرب المدائني أبو صالح نزيل مكة ثقة عابد توفي سنة ١٩٧ هـ. التقريب ص (١٤٦).
(٧) محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي أبو جعفر البغدادي ثقة حافظ توفي سنة ٢٥٤ هـ وقيل غيرها. التقريب ص (٣٠٦).
(٨) العباس بن محمد بن حاتم الدوري أبو الفضل البغدادي خوارزمي الأصل، ثقة حافظ توفي سنة ٢٧١ هـ. التقريب ص (١٦٦).
(٩) هارون بن سفيان المستملي المعروف بمكحله قال الخلال: رجل قديم مشهور عنده عن أبي عبد الله مسائل كثيرة توفي سنة ٢٤٧ هـ. طبقات الحنابلة ص (٣٩٦).
(١٠) لم أقف على ترجمته، وهو عند الخلال أبو علي الجروي.
(١١) محمد بن هشام الطالقاني نزيل بغداد ثقة توفي سنة ٢٥٢ هـ. التقريب ص (٣٢٢).
[ ٧٨ ]
وأبو يوسف يعقوب بن أخي معروف (^١). وأبو جعفر (^٢) وأبو الحسن محمد (^٣) وعلي (^٤) أبناء داود القنطري وغير ذلك ممن يطول شرحه بكراهة ذلك ومنعه (^٥) (^٦).
_________________
(١) يعقوب بن موسى بن الفيرزان أبو يوسف ابن أخي معروف الكرخي. قال الخطيب: حكى عن عمه معروف حكايات. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٧٦).
(٢) في المخطوط أبو الحسن محمد والتصويب من السنة للخلال.
(٣) هو محمد بن داود أبو جعفر التميمي. قال الخطيب: كان ثقة توفي سنة ٢٥٨ هـ. تاريخ بغداد (٥/ ٢٥٢).
(٤) علي بن داود بن يزيد القنطري أبو الحسن صدوق توفي سنة ٢٧٢ هـ. التقريب (٢٤٥).
(٥) أخرجها عن المروذي الخلال في السنة ورقة (٢٠١/ أ - ب).
(٦) هذه مسألة اللفظ بالقرآن. وهي من المسائل التي تولدت من الكلام في القرآن وأول ما ظهرت في زمن الإمام أحمد ﵀ فقد روي اللالكائي في السنة (٢/ ٣٥٥) عن ابن جرير الطبري قال: "وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى ولا عن تابعي قفا إلا عمن في قوله الشفا والغناء وفي أتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ولا قول عندنا في ذلك يجوز أن نقول غير قوله، إذ لم يكن لنا إمام نأتم به سواه وفيه الكفاية والمقنع وهو الإمام المتبع". والذي يبدو أن هذه المسألة جاءت ممن أرادوا الجمع بين قول السلف وقول المعتزلة وهم الكلابية ومن أخذ بقولهم، لأنهم قالوا: إن كلام الله معنى قائم بالنفس، فيلزم لذلك أن تكون ألفاظ العباد وكلامهم به مخلوقة وهو لازم يداري به ما هو أخطر منه وهو أن القرآن الذي بين يدي الناس أيضًا مخلوق، لأن الباري عندهم لا يتكلم بحرف وصوت، فبلغت الإمام أحمد هذه المقالة منحولة إلى الحسين بن علي الكرابيسي، فقد روى الخطيب في تاريخه (٨/ ٦٥) "أن رجلا جاء إلى الكرابيسي فسأله عن القرآن؟ فقال: كلام الله غير مخلوق، فقال له الرجل ما تقول في لفظي بالقرآن مخلوق؟ فقال: لفظي بالقرآن مخلوق، فمضى الرجل إلى الإمام أحمد فأخبره بذلك، فقال الإمام أحمد: هذه بدعة، فرجع الرجل إلى حسين وأخبره بقول الإمام أحمد فقال حسين: تلفظك بالقرآن غير مخلوق، فلما بلغت الإمام أحمد أنكرها أيضًا وقال: هي بدعة أيضًا". =
[ ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فكان بذلك بداية هذه المسألة، وهي مسألة متداخلة إذ أن قول الإنسان: لفظي بالقرآن يحتمل أولًا: أن يقصد المقروء والمتلو وهو القرآن فمن قال: "مخلوق" فهو عين قول الجهمية والمعتزلة وهذا غالب ما يقصد بوصف الكلام المأثور والمنقول، فإن كل من سمع قارئًا يقرأ القرآن فإنه سيقول هذا كلام الله، وعلى هذا قول الله ﷿ ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وكل من سمع محدثًا يحدث عن رسول الله ﷺ بحديث فإنه سيقول هذا كلام رسول الله ﷺ. ثانيا: أن يكون المراد به "فعل القارئ" وهو قراءته وصوته وهذه مخلوقة، لأنها من فعل العبد وحركته التي صرح السلف بأنها مخلوقة، ويخالفهم في ذلك المعتزلة الذين يقولون إن أفعال العباد ليست مخلوقة، فمن قال: "لفظي بالقرآن غير مخلوق" دخل عليه هذا الالتباس، ولهذا التداخل وعدم الوضوح لكل أحد نهى الإمام أحمد عن ذلك كله فلا تقول مخلوقًا ولا غير مخلوق، كما يظهر أيضًا أن الإمام أحمد كره هذه المقالة ووصف القائل بأن اللفظ بالقرآن غير مخلوق بأنه مبتدع لأن ذلك لم يؤثر عن أحد ممن سبق من الأئمة، وتمسك جماعة من أهل الحديث بقول الإمام أحمد في النهي عن ذلك كله، وخالفهم غيرهم فصار في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: قول من أخذ بقول الإمام أحمد في النهي عن ذلك كله وهو مذهب كثير من الأئمة من تلاميذ الإمام أحمد مثل ابنيه: عبد الله وصالح، وكذلك المروذي وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبري، وقد نقل كثيرًا من كلامهم الخلال عن المروذي في آخر كتابه السنة من ورقة (١٩٥ ب - ٢٠٢/ ب)، كما نقل روايات عديدة أيضًا اللالكائي في السنة (٢/ ٣٤٩ - ٣٦٢). القول الثاني: قول من لم يفرق بين التلاوة والمتلو والقراءة والمقروء فيصرحون بأن اللفظ بالقرآن غير مخلوق وهو قول القاضي أبي يعلى في المعتمد كما هو قول شيخه أبي عبد الله بن حامد، وقول أبي نصر السجزي، وأبي عبد الله بن منده، وأبي إسماعيل الأنصاري وغيرهم. القول الثالث: من فرق بين القراءة والمقروء والكتابة والمكتوب والتلاوة والمتلو، فقالوا إن القراءة فعل القارئ وصوته وهي مخلوقة، أما المقروء وهو القرآن فهو كلام الله ﷿ غير مخلوق. وممن فصل هذا القول ووضحه وبينه بيانًا شافيًا الإمام البخاري صاحب الصحيح ﵀، فقد وقعت عليه محنة بسبب ما نسب إليه من القول: إن لفظي بالقرآن مخلوق، فتبرأ من هذا القول، وبين أنه لم يقله، وإنما قال: أفعال العباد مخلوقة، وألف كتابه "خلق أفعال العباد" لبيان هذه =
[ ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المسألة، فأقام الأدلة صريحة واضحة من القرآن والسنة على أن القراءة غير المقروء، والتلاوة غير المتلو، والكتابة غير المكتوب، فذكر أولًا الأدلة الدالة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ثم الأدلة الدالة على أن أعمال العباد مخلوقة، ثم الأدلة الدالة على أن أصوات القراء منسوبة إليهم ومنها حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ما أذن الله بشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به" ص ٣٢، وحديث أبي موسى قال، قال النبي ﷺ: "إني لأعرف رفقة الأشعريين حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل" ص ٣٤ وغيرها كثير. وقال: "وهو -أي القرآن- مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء على اللسان، والقراءة والحفظ والكتابة مخلوق، وما قرئ وحفظ وكتب ليس بمخلوق" ص ٧٥. وكان قال قبل ذلك عن قول الإمام أحمد: "فأما ما احتج به الفريقان -يعني من منع مطلقًا ومن قال أن اللفظ غير مخلوق- لمذهب أحمد ويدعيه كل لنفسه فليس بثابت كثير من أخبارهم، وربما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم: أن كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة وتجنبوا أهل الكلام والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم وبينه رسول الله ﷺ" ص ٣٠. وممن قال بهذا القول ابن قتيبة في كتابه "الاختلاف" في اللفظ والرد على الجهمية ص (٢٤٥ - ٢٥٠)، كما بين هذه المسألة وفصل فيها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٧٠، ٢١٠ - ٢١١، ٣٠٦، ٣٧٣)، وكذلك تلميذه ابن القيم ﵀. انظر: مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٠٦ - ٣١٧)، وانظر في محنة البخاري ﵀ تاريخ بغداد (٢/ ٣٠ - ٣٣). وقد يحدث التباس في قول الإمام البخاري ﵀ بمناسبة قول الأشعرية الذين يقولون إن اللفظ بالقرآن مخلوق على اعتبار أن القرآن عندهم معنى واحد قائم بذات الباري تعالى، والحقيقة أنه لا يوجد لبس في ذلك، لأن البخاري ﵀ وأهل السنة عمومًا يصرحون أن كلام الله بحرف وصوت وأن القرآن بحروفه وكلماته كلام الله ﷿ ليس للنبي ﷺ ولا لجبريل ﵇ إلا الرسالة والبلاغ وكلامه السابق صريح في هذا.
[ ٨١ ]