وعسى أن يقول آخر: قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فلن يرضى ﵌ أن يعذّب أحدٌ من العالمين.
وجماعةٌ من شيوخ المتصوّفة يقول أحدهم: ليس على مريدي حسابٌ ولا عقابٌ، فأتاح لهم الكبائر وترك الفرائض، وبعضهم يصرِّح بذلك، فيقول لمريديه: لا تعذِّبوا أنفسكم، اعملوا ما تهواه أنفسكم، وأنا لكم واجب القصاص (^١).
والمشايخ إلى العامة أشدهم ترخيصا لهم، والمنتسبون إلى العلم منهم مَن حظُّه من العلم مطالعة كتب الفضائل والمناقب والتصوّف، وهؤلاء هم القُصَّاص والمشايخ الذين شكونا منهم.
ومنهم من قرأ وطالع كتب المتأخرين في الفقه، ثم إمَّا يدمج نفسه في القسم المتقدّم، لما يشاهده من رواجهم على الناس، وإمَّا أن يقتصر على تعليم مختصرات الفقه والفتوى، ويقف عند ذلك، فإن خالف أهل القسم الأول ففيما أفرط فيه غلاتهم جدًّا فقط.
ومنهم من يحاذر ذلك، فيقرأ بعض التفاسير وبعض كتب الحديث، ويشتغل بإقرائها ويقتصر على ذلك، وإذا عرَض له ما ينافي ما شاع بين الناس في الشفاعة خاف على نفسه من الكفر والضلال، فقطع التفكّر وصرف نفسه
_________________
(١) نقل ذلك عنهم أبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين" (ص ٢٨٩)، وتنظر نقول أخرى في "التصوف، المنشأ والمصدر" لإحسان إلهي ظهير (ص ٢٦٢) وما بعدها.
[ ٦ / ٢٩٩ ]
عن التدبّر.
ومنهم من طال باعه واتّسع اطّلاعه، ولكنّه أخلد إلى ما شاع بين الناس؛ لأنَّه قد رسخ في نفسه قبل اتّساعه، ولأنَّه يرى أنَّ خلافه إن لم يكن خرقًا للإجماع فهو خلاف للمشهور الذي عليه الجمهور، ويخشى أن يكون خلافه لذلك هلاكًا في دينه ودنياه.
أمَّا في دينه فلخشية أن يكون الخلاف انتقاصًا للنَّبيِّ ﵌ وأولياء أمَّته.
وأمَّا في دنياه فلِعِلمه أنَّه إن أظهر خلاف ما شاع ضلَّلوه وكفَّروه وآذوه، وربَّما قتلوه، وأيسر ما يناله أن يصير مبغوضًا ممقوتًا، يعانده الناس في دنياه، فتضيق عليه المسالك.
فأخذ يتأوَّل ويتمحّل ويتكلَّف الطعن في أدلَّة الحِسِّ الصحيحة وتلفيق الشبهات لموافقة ما يخالفها.
ومنهم مَن بان له الحق واتَّضح له السبيل، ولكن لم تطعه نفسه لمعارضة الناس أحوج ما يكون إليهم، والتعرّض لمقتهم وبغضهم وعداوتهم وأذاهم، فطوى على علمه كشحا وضرب عن المصارحة صفحًا، إلَّا إشارات يُسِرُّ بها إلى من يأنس به من تلامذته وأصحابه، ويلوّح بها في بعض كتبه.
وبالجملة فإنَّ الغلو المفرط، كالقول بأنَّه لا يعذر من هذه الأمَّة أحدٌ، وقول بعض المشايخ برفع التكليف عن مريديه = تجد بحمد الله كثيرًا من أهل العلم قد صرَّحوا بإبطاله والتشنيع عليه وعلى قائله، وأشاروا
_________________
(١) وربَّما
[ ٦ / ٣٠٠ ]