الإيمان بالنفخ في الصور
[ ٢٦٧ ]
المبحث الثالث: الإيمان بالنفخ في الصور
لقد أخبر الله ﷿ في كتابه بثلاث نفخات:
نفخة الفزع في سورة النمل في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ١.
ونفخة الصعق والقيام ذكرهما في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ٢ " ٣.
فالنفخة الأولى هي التي يتغير بها هذا العالم ويفسد نظامه، ويحصل الفزع فيها لشدة ما يقع من هول تلك النفخة.
والنفخة الثانية وهي التي فيها هلاك كل شيء ودماره إلا من استثناه الله كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
وأما النفخة الثالثة فهي التي يبعث الناس فيها من قبورهم ويقومون لرب العالمين٤.
وقد ذكر ابن سعدي هذه النفخات بأنواعها، وذكر معنى الصور ومن الموكل بالنفخ فيه، وما يحدث عقب هذه النفخات من هلاك أو دمار أو فزع أو شدة.
قال في تعريف الصور والنافخ فيه: "وهو قرن عظيم لا يعلم عظمته إلا خالقه ومن اطلعه الله على علمه من خلقه، ينفخ فيه إسرافيل ﵇ أحد الملائكة المقربين وأحد حملة عرش الرحمن"٥.
فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنعم وقد
_________________
(١) ١ سورة النمل/ الآية/ ٨٧. ٢ سورة الزمر/ الآية/ ٦٨. ٣ الفتاوى لابن تيمية /٤/٢٦٠، ٢٦١. وانظر الفتاوى ١٦/٣٥، والنهاية لابن كثير ١/٢٥٣، وعارضة الأحوذي لابن العربي ٥/٢٥٩. ٤ لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/١٦٤. ٥ التفسير ٦/٤٩٣.
[ ٢٦٨ ]
التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ. قال المسلمون: فكيف تقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله ربنا" ١.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال ما الصور؟ فقال قرن ينفخ فيه"٢.
وتحدث ابن سعدي عن النفخات الثلاث في تفسيره.
فقال عن نفخ الفزع عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ٣.
"بسبب النفخ في الصور أفزع الناس وارتاعوا وماج بعضهم ببعض خوفًا مما هو مقدمة له إلا من شاء الله ممن أكرمه الله وثبته وحفظه من الفزع"٤.
وقال عن نفخة الصعق والموت عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ ٥.
"وهي نفخة الصور تأخذهم وهم لاهون عنها لم تخطر على قلوبهم في حال خصومتهم وتشاجرهم فيما بينهم الذي لا يوجد في الغالب إلا وقت الغفلة، وإذا أخذتهم وقت غفلتهم فإنهم لا ينظرون ولا يمهلون"٦.
وقال عن نفخة البعث والنشور:
عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ ٧.
"أي إذا نفخ إسرافيل الصور أعاد الله الأرواح إلى الأجسام ثم حشرهم وجمعهم
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٤/٦٢٠، وقال حديث حسن، وأحمد ٣/٧، وأبو نعيم في الحلية ٥/١٠٥، وصححه الألباني، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٦٦. ٢ أخرجه الترمذي ٤/٦٢٠، وقال حديث حسن، وأبو داود ٤/٢٣٦، والدارمي ٢/٣٢٥، وأحمد ٢/١٩٢، والحاكم ٢/٥٠٦ وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند ١١/٥٨. ٣ سورة النمل/ ٨٧. ٤ التفسير ٥/٦٠٤ بتصرف. ٥ سورة يس/ الآية ٤٩. ٦ التفسير ٦/٣٥٢. ٧ سورة الكهف/ الآية ٩٩.
[ ٢٦٩ ]
لموقف القيامة، الأولين منهم والآخرين والكافرين والمؤمنين ليسألوا ويحاسبوا ويجازوا بأعمالهم"١.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ٢..
"فإذا نفخ في الصور خرجوا من الأجداث والقبور ينسلون إلى ربهم أي: يسرعون للحضور بين يديه لا يتمكنون من التأني والتأخر"٣.
_________________
(١) ١ التفسير /٥/٨٠/. ٢ سورة يس/ آية ٥١. ٣ التفسير ٦/٣٥٢ وانظر أيضًا التفسير ٧/٤٦٠، ٥/١٨٧، ٥/٣٨٠.
[ ٢٧٠ ]