ومن أكاذيبهم المضحكة المبكية أنهم يروون عن جعفر أنه قال:
لما ولد النبي - ﷺ - مكث أيامًا ليس له لبن، فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه، فأنزل الله فيه لبنا، فرضع منه أيامًا حتى وقع أبو طالب على حليمة السعدية فدفعه إليها" (٢).
ومثل ذلك ما ذكروا "لم يرضع الحسين من فاطمة ﵍ ولا من أنثى، كان يؤتى به النبي فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاث" (٣).
وانظر إلى القوم كيف يختلقون القصص، وينسجون الأساطير لتمجيد من يرون تمجيده ولو أنهم لا يجيدون اختلاقها، ولا يحسنون نسجها، فيبين فسادها، ويظهر عوارها وحتى للأطفال والصبيان دون الرجال والعقلاء، لكن أنى للقوم أن يفهموا ويبصروا.
ومن مثل هذه الأكاذيب ما افتروه على باقر بن زين العابدين أنه قال:
قيل لرسول الله - ﷺ -: إنك تلثم فاطمة وتلتزمها وتدنيها منك وتفعل بها ما لا تفعله بأحد من بناتك؟
_________________
(١) "كتاب من لا يحضره الفقيه" باب أحكام التخلي ج١ ص٢٧
(٢) "الأصول من الكافي" كتاب الحجة ج١ ص٤٥٨ ط طهران
(٣) "الأصول من الكافي" ج١ ص٤٦٥
[ ٢٥٢ ]
فقال: إن جبرئيل (ع) أتاني بتفاحة من تفاح الجنة فأكلتها، فتحولت ماء في صلبي، ثم واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فأنا أشتم بها رائحة الجنة" (١).
ولما كانت فاطمة هكذا لا بد أن يكون علي مثلها في ذلك:
فاختلقوا في علي وولادته قصة تشابهها، ولقد أورد الفتال (٢) في كتابه أن أبا طالب "أتي بطبق من فواكه الجنة رطبة ورمان، فتناول أبو طالب منه رمانة ونهض فرحًا من ساعته حتى رجع إلى منزله فأكلها فتحولت ماء في صلبه، فجامع فاطمة بنت أسد فحملت بعلي" (٣).
ومنها أيضًا ما افتراه صدقوهم على جعفر أنه سئل:
"لم لم يبق لرسول (- ﷺ -) ولد؟ قال: لأن الله خلق محمدًا (- ﷺ -) نبيًا وعليًا ﵇ وصيًا فلو كان لرسول الله ولد من بعده لكان أولى برسول الله من أمير المؤمنين فكانت لا تثبت وصية لأمير المؤمنين ﵊" (٤).
وما دام القوم بدؤوا في الاختراعات والافتراءات فلهم أن يبلغوا ذروتها فكذبوا على رسول الله - ﷺ - أنه قال:
إن حلقة باب الجنة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فإذا دقت الحلقة على الصفيحة طنت وقالت: يا علي" (٥).
_________________
(١) "علل الشرائع" ج١ ص١٨٣
(٢) هو محمد بن الحسن بن علي الفتال النيسابوري، الفارسي، قال القمي: الحافظ الواعظ، صاحب كتاب "روضة الواعظين"، كان من علماء المائة السادسة، ومن مشائخ ابن شهر آسوب" (الكنى والألقاب ج٣ ص٩). قال الحلي: متكلم جليل القدر، فقيه، عالم، زاهد، قتله أبو المحاسن عبد الرزاق رئيس نيسابور" (رجال الحلي ص٢٩٥ سنة ٥٠٨)
(٣) "روضة الواعظين" للفتال ج١ ص٨٧ ط قم إيران
(٤) "علل الشرائع" ج١ ص١٣١ ط نجف
(٥) "روضة الواعظين" ج١ ص١١١
[ ٢٥٣ ]
وقام آخر - وهو من أهل هذا العصر - وقال:
لولا سيف ابن ملجم لكان علي بن أبي طالب من الخالدين في الدنيا" (١).
ولما بلغ علي هذا المقام الرفيع لزم أن يكون لشيعته نصيب من مجده وشرفه فافتروا على نبي الله أنه قال لعلي: إن الله حملني ذنوب شيعتك ثم غفرها لي" (٢).
ومن مفترياتهم المضحكة على أهل البيت أنهم كذبوا على أبي عبد الله أنه سئل عن الأرض:
"على أي شيء هي؟ قال: على الحوت، قلت: فالحوت على أي شيء هو؟ قال: على الماء، قلت: فالماء على أي شيء هو؟ قال على الصخرة، قلت: فعلى أي شيء الصخرة؟ قال: على قرن ثور أملس، قلت: فعلى أي شيء الثور؟ قال: على الثرى، قلت فعلى أي شيء الثرى؟ فقال: هيهات عند ذلك ضل علم العلماء" (٣).
ومن مضحكاتهم ما افتروا به على علي بن الحسين الملقب بزين العابدين أنه قال إن لله ملكًا يقال له خرقائيل له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام" (٤).
ونأتي إلى الأخير حيث لو أردنا الإطالة لما يكفيها الكتاب ولا الكتابان ولا الكتب لأن القوم جبلوا على الكذب فأكثروه، وجعلوه في كل مقام ومكان، مناسبًا كان أم غير مناسب، فيذكر ابن بابويه القمي عن أبي الحسن أنه سئل عن الممسوخ فقال:
فأما الفيل فإنه مسخ لأنه كان ملكًا زناء لوطيًا، ومسخ الدب لأنه كان رجلًا ديوثًا، ومسخت الأرنب لأنها كانت امرأة تخون زوجها ولا تغتسل من حيض ولا جنابة، ومسخ الوطواط لأنه كان يسرق تمور الناس، ومسخ السهيل
_________________
(١) "أصل الشيعة وأصولها" ص١١٢ ط بيروت ١٩٦٠
(٢) "البرهان" ج٢ ص٤٤٢ ط قم - إيران
(٣) تفسير القمي ج٢ ص٥٩
(٤) "البرهان" ج٢ ص٣٢٧
[ ٢٥٤ ]
لأنه كان عشارًا باليمين، ومسخت الزهرة لأنها كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت، وأما القردة والخنازير فإنه قوم من بني إسرائيل اعتدوا في السبت، وأما الجري والضب ففرقة من بني إسرائيل، وأما العقرب فإنه كان رجلًا نمامًا، وأما الزنبور فكان لحامًا يسرق في الميزان" (١).
هذا ونختم البحث على شكاوى أئمة القوم من هؤلاء الناس الكذابين وما أكثرهم، ولم يكن واحد من أهل البيت إلا وقد التف حوله أمثال هؤلاء، فافتروا عليه بافتراءات لم يخطر بباله أبدًا، واختلقوا القصص والأساطير، ونسبوها إليهم وما أجرأهم على ذلك، وكتب القوم مليئة من تلك الشكاوى والتألم.
منها ما رواه الكشي عن ابن سنان أنه قال:
قال أبو عبد الله (ع): إنا أهل البيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه عند الناس - ثم عد واحدًا بعد واحد من الكذابين - كان رسول الله أصدق البرية لهجة، وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين (ع) أصدق من برأ الله من بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه من الكذب عبد الله بن سبأ لعنه الله، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي (ع) قد ابتلي بالمختار، ثم ذكر أبو عبد الله الحارث الشامي والبنان فقال: كانا يكذبان على علي بن الحسين (ع) ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيعا والسري وأبا الخطاب ومعمرًا وبشار الأشعري وحمزة اليزيدي وصائب النهدي - أي أصحابه - فقال: لعنهم الله، إنا لا نخلو من كذاب يكذب علينا - كفانا الله مؤنة كل كذاب وأذاقهم الله حر الحديد" (٢).
واشتكى بمثل هذه الشكوى حفيده أبو الحسن الرضا كما نقل عنه أنه قال:
_________________
(١) "علل الشرائع" ص٤٨٥، ٤٨٦
(٢) "رجال الكشي" ص٢٥٧، ٢٥٨ تحت ترجمة أبي الخطاب
[ ٢٥٥ ]
كان بنان يكذب على علي بن الحسين (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان المغيرة بن سعيد يكذب على ابن جعفر (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان محمد بن بشر يكذب على ابن الحسن علي بن موسى الرضا (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان أبو الخطاب يكذب على ابن عبد الله (ع) فأذاقه الله حر الحديد، والذي يكذب على محمد بن الفرات" (١).
ولأجل ذلك قال جعفر بن الباقر: لو قام قائمنا بدأ بكذابي الشيعة فقتلهم (٢).
هذا وما أحسن ما قاله جعفر - وهو صادق في قوله -: لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا ممن ينتحل مودتنا" (٣).
ذلك ما قاله الشيعة وهذا ما قاله أئمتهم، وقانا الله من الكذب والكذابين.
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٢٥٦
(٢) "رجال الكشي" ص٢٥٢
(٣) "رجال الكشي" ص٢٥٩
[ ٢٥٦ ]