وذلك مع أن رضاها وعدم رضاها ليس سببًا للإسلام والكفر فإنها ﵂ غضبت على عليّ بن أبي طالب ﵁ ولم يقل أحد بأنه خرج بذلك عن الإسلام.
وقد روى ذلك الشيعة أنفسهم في كتبهم.
فمنها ما رواه ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق في كتابه عن أبي عبد الله (جعفر) - الإمام السادس المعصوم عند القوم - أنه سئل:
"هل تشيع الجنازة بنار ويمشي معها بمجمرة أو قنديل أو غير ذلك مما يضاء به؟
قال: فتغير لون أبي عبد الله "ع" من ذلك واستوى جالسًا ثم قال:
إنه جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت رسول الله (- ﷺ -) فقال لها: أما علمت أن عليًا قد خطب بنت أبي جهل فقالت: حقًا ما تقول؟ فقال: حقًا ما أقول ثلاث مرات فدخلها من الغيرة ما لا تملك نفسها وذلك أن الله ﵎ كتب على النساء غيرة وكتب على الرجال جهادًا وجعل للمحتسبة الصابرة منهن من الأجر ما جعل للمرابط المهاجر في سبيل الله، قال: فاشتد غم فاطمة من ذلك وبقيت متفكرة هي حتى أمست وجاء الليل حملت الحسن على عاتقها الأيمن والحسين على عاتقها الأيسر وأخذت بيد أم كلثوم اليسرى بيدها اليمنى، ثم تحولت إلى حجرة أبيها فجاء عليّ فدخل حجرته فلم ير فاطمة فاشتد لذلك غمه وعظم عليه ولم يعلم القصة ما هي، فاستحى أن يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد يصلي فيه ما شاء الله، ثم جمع شيئًا من كثيب المسجد واتكئ عليه، فلما رأى النبي (- ﷺ -) ما بفاطمة من الحزن أفاض عليها الماء ثم لبس ثوبه ودخل المسجد فلم يزل يصلي بين راكع وساجد، وكلما صلى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحز والغم، وذلك أنه خرج من عندها وهي تتقلب وتتنفس الصعداء فلماء رآها النبي (- ﷺ -) أنها لا يهنيها النوم وليس لها قرار قال لها: قومي يا بنية فقامت، فحمل النبي (- ﷺ -) الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد أم كلثوم فانتهى إلى علي "ع" وهو نائم فوضع النبي (- ﷺ -) رجله على رجل عليّ فغمزه وقال: قم يا أبا تراب! فكم ساكن أزعجته ادع لي أبا بكر من داره، وعمر من مجلسه، وطلحة، فخرج علي فاستخرجهما من منزلهما واجتمعوا عند رسول الله (- ﷺ -) فقال رسول الله (- ﷺ -) يا علي! أما علمت أن فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني (١)، من آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي كان كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي" (علل الشرائع للقمي ص١٨٥، ١٨٦ ط نجف، أيضًا أورد هذه الرواية المجلسي في كتابه "جلاء العيون" الفارسي).
وغضبت عليه أيضًا مرة أخرى حينما رأت رأس عليّ في حجر جارية أهديت له من قبل أخيه، وها هو النص:
يروي القمي والمجلسي عن أبي ذر أنه قال:
كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة، فاهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلما قدمنا المدينة أهداها لعلي (ع) تخدمه، فجعلها علي (ع) في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة ﵇ يومًا فنظرت إلى رأي علي ﵇ في حجر الجارية، فقالت: يا أبا الحسن! فعلتها؟ (٢)، وكانت تراه على الضلالة والبطلان،
_________________
(١) ومن الغرائب أن هذا الحديث لم يرد إلى بخصوص علي ﵁ حسب رواية القوم ولكنهم يحولونها إلى الصديق ﵁، وعلى ذلك قال ابن تيمية رحمة الله عليه: فإن كان هذا وعيدًا لاحقًا بفاعله لزم أن يلحق هذا الوعيد علي بن أبي طالب، وإن لم يكن وعيدًا لاحقًا بفاعله كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من علي (المنتقى للذهبي)
(٢) انظر إلى ركاكة التعبير وسخافة القوم. والبهتان والافتراء على أهل بيت النبوة - ﷺ - من قبل القوم الذين يدّعون محبة أهل البيت وولاءهم، وأهل البيت من مثل هذه السخافات براء] فقال: والله يا بنت محمد! ما فعلت شيئًا، فما الذي تريدين؟ قالت: تأذن لي في المسير إلى منزل أبي رسول الله (- ﷺ -)، فقال لها: قد أذنت لك، فتجلببت بجلبابها، وأرادت النبي (- ﷺ -) " (علل الشرائع ص١٦٣ ط نجف وأيضًا "بحار الأنوار" ص٤٣، ٤٤، باب كيفية معاشرتها مع علي) وغضب عليه مرة ثالثة كما يرويه القوم. "إن فاطمة ﵂ لما طالبت فدك من أبي بكر امتنع أبو بكر أن يعطيها إياها فرجعت فاطمة ﵍ وقد جرعها من الغيظ ما لم يوصف ومرضت، وغضبت على عليّ لامتناعه عن مناصرته ومساعدته إياها وقالت: يا ابن أبي طالب! اشتملت مشيئمة الجنين وقعدت حجرة الظنين بعد ما أهلكت شجعان الدهر وقاتلتهم، والآن غلبت من هؤلاء المخنثين، فهذا هو ابن أبي قحافة يأخذ مني فدك التي وهبها لي أبي جبرًا وظلمًا ويخاصمني ويحاجني، ولا ينصرني أحد فليس لي ناصر ولا معين وليس لي شافع ولا وكيل، ذهبت غاضبة ورجعت حزينة، أدللت نفيس، تأتي الذئاب وتذهب ولا تتحرك، يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا، إنما أشكو إلى أبي وأختصم إلى ربي" ("حق اليقين" للمجلسي بحث فدك ص٢٠٣، ٢٠٤، ومثله في "الاحتجاج" للطبرسي و"الأمالي" ص٢٩٥ ط نجف). وهناك وقائع أخرى ذكرها كل من المجلسي والطوسي والأربلي وغيرهم وقعت بين علي ﵁ وبين فاطمة رضي الله عها - التي سببت إيذاءها ثم غضبها على عليّ. ولا ندري بماذا يجيب عليها القوم، وبماذا يحكم المنصفون منهم؟ فنحن نرضاهم حكمًا ومجيبين، فما هو جوابهم عن علي فهو جوابنا عن الصديق والفاروق ﵃ أجمعين. فإن قالوا إنها رضيت عن عليّ بعدما غضبت عليه فنقول: إنها رضيت أيضًا عن الشيخين بعدما غضبت "فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه" (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج١ ص٥٧ ط بيروت، حق اليقين ص١٨٠ ط طهران، أيضًا شرح النهج لابن ميثم ج٥ ص٥٠٧ ط طهران، و"شرح النهج" للدنبلي ص٣٣١ ط طهران)
[ ٢٠٠ ]
وليس هذا فحسب، بل كل من اعتقد بإمامة أبي بكر وقال بها فإنه أيضًا مات
[ ٢٠١ ]
ميتة جاهلية وكفر وضلالة .. وعمر كذلك" (١).
ويكتب متماديًا في غلوائه وعدائه للرسول في أصحابه:
"إن أبا بكر مرة سئل عن الكلالة فأجاب، ثم قال: إن كان حقًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، ولنعم ما قاله أبو بكر حيث جعل نفسه
_________________
(١) "حق اليقين" للمجلسي ص٢٠٤، ٢٠٥ ط إيران
[ ٢٠٢ ]
قرينًا للشيطان وسيكون قرينه في جهنم أيضًا ويمكن أن يكون مراده من الشيطان عمر" (١).
وبوب هذا اللعين بابًا مستقلًا بعنوان "بيان قليل من البدع والأعمال القبيحة والأفعال الشنيعة التي ارتكبها عمر الخليفة الثاني للسنة" (٢).
ثم يقول: إن المطاعن والمثالب لمنبع الفتن هذا زائدة وكثيرة لا تسعها كتب مبسوطة ومفصلة، فكيف يسعه هذا الكتاب؟ فقد كان شريكًا لأبي بكر في جميع مثالبه ومعايبه، بل كانت خلافته من إحدى جرائمه" (٣).
و"عمر كان يعرف بأنه كافر ومنافق، وعدو لأهل البيت (عياذًا بالله من هذا المهاتر المهرج الخبيث)، وفي عنقه وزر جميع الشهداء" (٤).
فشركما لخيركم الفداء
وينتهي أخيرًا في السب والشتم والطعن في الفاروق الأعظم بكلمته:
"وأما ما ذكر في الكتب المبسوطة من دنائة نسب عمر وحسبه، وكونه ولد الزنا فلا يسعه هذا المختصر" (٥).
_________________
(١) "حق اليقين" ص٢٠٦ وهل هناك أحد من دعاة التقريب المنخدع من بعض قول القوم، أو الجاهل المخدوع، أو المتجاهل البائع الضمير يتحرك غيرته من هذا الكلام الشنيع والسب القبيح؟ أم لم يبق فيهم ولا رمق من الحمية الإسلامية والنخوة الأصيلة الشرعية، فمن لا يغير لأم المؤمنين بنص القرآن فلا يغير لأمه، ومن لا يغير لأحب الناس إلى الرسول لا يغير لأحب الناس إليه نفسه
(٢) ومن يخبر هذا النابح أالذي يلقبه بخليفة للسنة فقد كان خليفة لعلي بن أبي طالب وأولاده وأعمامه وإخوانه وبني إخوته وأخواته وأسرته كلها، وهو كان واحدًا من وزرائه ومستشاريه وقضاته، كما أعطاه ابنته، وغبطه بأعماله كما مرّ سابقًا بالتفصيل ويذكر المصادر والمراجع
(٣) "حق اليقين" للمجلسي ص٢١٩ ط إيران
(٤) "حق اليقين" للمجلسي ص٢٢٣
(٥) "حق اليقين" للمجلسي ص٢٥٩
[ ٢٠٣ ]
ثم ويقول في ذي النورين ﵁ مثل ما قاله في الصديق والفاروق ﵄:
إن كبار الصحابة اتفقوا على تفسيقه وتكفيره - كذبت يا عدو الله وابن اليهودية والمجوسية - وشهدوا عليه بالكفر .. وكان حذيفة يقول: الحمد لله، لا أشك في كفر عثمان، أما الذي أشك فيه هو هل كان قاتله من الكفار قتل كافرًا، أم كان مؤمنًا قد زاد إيمانه من جميع المؤمنين، وأيضًا إن الذي يعتقد في عثمان بأنه قتل مظلومًا يكون ذنبه أشد من ذنب الذين عبدوا العجل" (١).
"والدليل الناطق على كفر عثمان أن أمير المؤمنين (علي ﵁) كان يبيح قتله، ولم يكن يرى فيه بأسًا" (٢).
و"إن الدليل على أن عثمان كان يعدّه أمير المؤمنين كافرًا أنه تركه ونعشه يأكله الكلاب، وقد ذهبت بإحدى رجليه (انظر العداوة والبغضاء اليهودية كيف تتدفق من الكلمات اللاذعة التي تظهر ما في القلوب من الضغائن ضد حملة الإسلام في قناع حب عليّ وأهله، وعلي وأهله منهم براء) وبقي جسده ثلاثة أيام مرميًا كالكلاب في المزبلة تأكله الكلاب (نعم! كلاب مثلك) ولم
_________________
(١) "حق اليقين" ص٢٧٠
(٢) "حق اليقين ص٢٧١
[ ٢٠٤ ]
يصلّ علي عليه" (١).
هذا ومثل هذا لا تعدّ ولا تحصى، ولا أستطيع حتى وأن أنقلها، ثم وهذا الكلب العقور لا يذكر الصديق والفاروق وذا النورين وحتى أمهات المؤمنين، الصديقة، وحفصة اللاتي هن أمهات لعليّ، وسائر المؤمنين من بني هاشم بنص القرآن، لا يذكرهم المجلسي هذا إلا ويذكرهم ويذكرهن موصوفون وموصوفات باللعن، وقلّ أن يذكرهن خاصة بدون هذه الشتيمة.
وقبل أن ننقل عبارة لتمثيل هذا نسأل جميع من لهم قلوب يفقهون بها من الشيعة، هل يمكن لابن الحلال أن يسبّ ويشتم أمه، ويلعنها؟
فكيف استطاع أن يلعن أم جميع المؤمنين وأهل البيت أيضًا؟
فهل اللاعن علي أم أهل البيت مؤمن ومسلم؟ فعدلًا يا عباد الله.
أو منكر ولاية علي بن أبي طالب كافر؟ وهو منكر المعنى الذي يقرّها الشيعة.
ومنكر أمه وشاتمها، ولاعنها ومكفرها، ماذا تقولون فيه؟
وإليك قصة بديعة لم يكن أن يختلقها إلا مثل المجلسي الأفاك الكذاب الأثيم بعبارته والترجمة، فيقول:
إن العياشي روى بسند معتبر عن الصادق (ع) أن عائشة وحفصة لعنة الله عليهما وعلى أبويهما - يا رباه! إلى متى هؤلاء يأكلون أجساد الأتقياء البررة، وإلى متى تمهلهم من شديد عذابك، وبطشك؟ - قتلتا رسول الله بالسم دبرتاه" (٢).
هذه خرافة واحدة من الكثيرة الكثيرة التي كتب القوم منها مليئة، ولا يخلوا كتاب من كتبهم إلا وفيه ما ذكرناه من شتم صريح وسب قبيح، وتفسيق
_________________
(١) "حق اليقين" للمجلسي ص٢٧٣، ٢٧٤ ط طهران إيران
(٢) "حياة القلوب" للمجلسي ج٢ ص٧٠٠ ط جديد طهران
[ ٢٠٥ ]
باهر وكفر ظاهر للخلفاء الراشدين الثلاثة وأمهات المؤمنين (١) رضوان الله عليهم أجمعين.
اللهم إلا ما كتب نفاقًا وتقية وخداعًا للمسلمين، وإظهار للود والتقرب إليهم،
فلم أر ودهم إلا خداعًا - ولم أر دينهم إلا نفاقًا.
فهذا هو دينهم الذي يدينون به، وهذه هي معتقداتهم التي يعتقدونها، وهذا هو موقفهم تجاه الصديق والفاروق وذي النورين خلفاء النبي الراشدين المهديين، المخالف لكتاب الله، الثقل الأكبر عندهم، والمعارض لتعاليم أهل البيت الثقل الأصغر عندهم، فهم الذين يقال لهم كما يروون في كتبهم.
أما الأكبر فهجرتموه وأعرضتم عنه لقولكم: إنه محرف ومغير فيه، قد نقص منه كثير وحذف منه غير قليل، ولا يوجد النسخة الأصلية منه إلا عند الغائب الذي لم يخرج من ألف عام ولن يخرج أبد الدهر كما أثبتناه بالدلائل التي لا تقبل الشك ولا أحد يستطيع أن يردها في كتابنا "الشيعة والسنة" (٢).
وأما الأصغر فكذبتموه وخالفتموه حيث أنهم يحبون الخلفاء الثلاثة ويمدحونهم وأنتم تبغضونهم وتشتمونهم، وأهل البيت يتولونهم ويتوددون إليهم وأنتم تعادونهم وتبرؤون عنهم، وهم يثنون عليهم وعلى إسلامهم وأنتم تكفّرونهم وتنكرون إسلامهم، وهم يبايعونهم وينوبون عنهم ويعدونهم أئمة حق
_________________
(١) ولقد كذب القمي مفسرهم أن الآية ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ نزلت في عائشة (تفسير القمي ج٢ ص٣١٩) والأكاذيب كهذه والهفوات ما أكثرها
(٢) وقد قال الصدوق أحد الأربعة الذين يقولون عنه بأنه ينكر التحريف من الأولين قاطبة والذي قلنا عنه إن لا ينكره هو أيضًا اللهم إلا تقية، فهو الصدوق يقول وقد صدق ما قلناه عنه آنذاك، يقول: نزلت في علي ﵇ ثمانون آية صفوا في كتاب الله ﷿ ما شركه فيها أحد من هذه الأمة" ("كتاب الخصال" للقمي الملقب بالصدوق ٢ ص٥٩٢). فأين هذه الآيات؟
[ ٢٠٦ ]
وعدل وأنتم تعدّونهم غاصبين، غادرين وخائنين، وهم يزوجونهم بناتهم ويسمون أبنائهم بأسمائهم وأنتم تتهمونهم بتهم لا يتهم بها عامة الناس فضلًا عن الخاصة، وتكرهون أسمائهم والنسبة إليهم، فأنتم في جانب، وأهل البيت في جانب آخر.
وليس هذا فحسب، بل هم ينكرون على من أنكرهم وفضلهم، ويشددون على من يبغضهم ويتكلم عليهم ويطعن فيهم.
موقف أهل البيت من أعداء الخلفاء الراشدين
فلقد روى علم الهدى الشيعي في كتابه "الشافي" في الحديث:
"إن عليًا ﵇ قال في خطبته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. وفى بعض الأخبار أنه ﵇ خطب بذلك بعد ما أنهى عليه أن رجلًا تناول أبا بكر وعمر بالشتيمة، فدعى به وتقدم بعقوبة بعد أن شهدوا عليه بذلك" (١).
هكذا كان حب علي ﵁ لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين أبي بكر الصديق ولعبقري الإسلام ومحسن الملة المجيدة عمر الفاروق ﵄ وأرضاهما عنه، وهذا كان موقفه تجاههما وتجاه المعادي لهما.
وعلى ذلك لما جاءه أبو سفيان ﵁ بعد بيعة أبي بكر الصديق ﵁ واجتماع الناس عليه يحرضه على معرضته حسب روايتهم قال ردًا عليه: ويحك يا أب سفيان هذه من دواهيك وقد اجتمع الناس على أبي بكر، مازلت تبغي الإسلام عوجًا في الجاهلية" (٢).
وأما عثمان فهو الذي أرسل ابنيه للدفاع عنه بعد ما دافع عنه بنفسه المفسدين كما مرّ بيانه تفصيلًا.
_________________
(١) "كتاب الشافي" لعلم الهدى، المطبوع مع التلخيص ص٤٢٨
(٢) "كتاب الشافي" لعلم الهدى، المطبوع مع التلخيص ص٤٢٨
[ ٢٠٧ ]
وابن عمه وتلميذه الذي علمه من علمه "عليّ علّمني، وكان علمه من رسول الله .. وعلم عليّ من النبي، وعلمي من علم عليّ" (١).
يقول في مبغضي الصديق بعد ما يبالغ في مدحه "فغضب الله على من ينقصه ويطعن فيه" (٢).
وفى مبغضي الفاروق بعد الثناء العاطر عليه: وأعقب الله من ينقصه اللعنة إلى يوم الدين" (٣).
وفي مبغضي ذي النورين بعد ما ذكر أوصافه الجميلة وأخلاقه الحميدة: فأعقب الله من يلعنه لعنة اللاعنين" (٤).
وحفيد علي المرتضى ﵁ وسميّه علي بن الحسين - الإمام الرابع المعصوم لدى القوم - على سنة آبائه يحارب من حاربهم، ويعادي من عاداهم، يبغض من قلاهم، ويخرج من يتبرأ منهم ويتكلم فيهم.
فلقد روى الأربلي الشيعي أن نفرًا من أهل العراق قدموا عليه فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃:
"فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: ألا تخبروني أنتم "المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون"؟ قالوا: لا، قال: فأنتم ﴿الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا
_________________
(١) "الأمالي" للطوسي ج١ ص١ ط نجف
(٢) "ناسخ التواريخ" للمرزه محمد تقي لسان الملك الشيعي ج٥ ص١٤٣، "مروج الذهب" ج٣ ص٦٠
(٣) "ناسخ التواريخ ج٣ ص٦٠
(٤) "ناسخ التواريخ" ج٣ ص٦٠
[ ٢٠٨ ]
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا﴾ اخرجوا عني فعل الله بكم" (١).
وزيد ابنه على شاكلته، نعم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم ورحمته، الذي بالغ القوم في مدحه، وخصصوا أبوابًا كثيرة للثناء العاطر عليه في كتبهم، فسلك نفس المسلك الذي خططه أبوه علي بن الحسين وجده علي بن أبي طالب ومن قبلهما محمد رسول الله - ﷺ - القائل: دعوا لي أصحابي" (٢).
ولقد روى الشيعة "وكان أصحاب زيد لما خرج سألوه في أبي بكر وعمر؟ فقال:
ما أقول فيهما إلا الخير، وما سمعته من أهلي فيهما إلا الخير فقالوا: لست بصاحبنا، وتفرقوا عنه ورفضوه، فقال: رفضونا اليوم فسمعوا من ذلك اليوم الرافضة" (٣).
ويضيف المرزة تقي على ذلك:
إن زيدًا منعهم عن الطعن في أصحاب النبي (﵊ ورضوان الله عليهم أجمعين) فلما عرفوا منه بأنه لا يتبرأ عن الشيخين (أبي بكر وعمر) رفضوه وتفرقوا عنه، وبعد ذلك استعمل هذه الكلمة في كل من يغلو في المذهب، ويجوّز الطعن في الأصحاب" (٤).
_________________
(١) "كشف الغمة" للأربلي ج٢ ص٧٨
(٢) "عيون أخبار الرضا" للقمي ج٢ ص٨٧
(٣) "ناسخ التواريخ" ج٣ ص٥٩٠ تحت أقوال زين العابدين، أيضًا "عمدة الطالب" تحت أخبار زيد بن علي
(٤) "ناسخ التواريخ" ج٣ ص٥٩٠ تحت أقوال زين العابدين
[ ٢٠٩ ]
ثم ومحمد الباقر ابن علي بن الحسين - الإمام الخامس عند القوم - أيضًا يقول بقولهم ويرى رأيهم، ولأجل ذلك يثب على من يتنكر لقب الصديق على أبي بكر ﵁ ويشدد عليه النكير بقوله: نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولًا في الدنيا والآخرة" (١).
ثم وهل يعقل من عليّ وأولاده عليهم الرحمة والرضوان بأنه أو أنهم يكفّرون الصديق والفاروق وذا النورين وقد بايعهم وصلى خلفهم، وعاشرهم أحسن المعاشرة، ورافقهم وصاهرهم، ولم يقاتلهم ولم يجادلهم، وهو، وهو لم يكفّر حتى ولا من جادله وقاتله وقتل من رفاقه وصحبه.
وها هو نهج البلاغة مليء من منعه أصحابه من السب والشتم، والتكفير والتفسيق، وحتى ومقاتليه في حرب صفين، وعنوان الخطبة "ومن كلام له ﵇ وقد سمع قومًا من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم صفين".
"إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به" (٢).
وذكر مثل ذلك الدينوري الشيعي وصرح بأن الشاتمين كانوا من الذين قتلوا الإمام المظلوم عثمان ذا النورين ﵁، كما صرح بأنهم لعنوا معاوية وأصحابه، وكان بينهم وبين عليّ سؤال وجواب.
وها هو يذكر القصة بتمامها:
"بلغ عليًا (ع) أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران شتم معاوية ولعن أهل الشام، فأرسل إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما، فأتياه فقالا:
_________________
(١) "كشف الغمة" ج٢ ص١٤٧ ط تبريز إيران
(٢) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي ص٣٢٣
[ ٢١٠ ]
يا أمير المؤمنين! ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟، قال: بلى ورب الكعبة المسدنة! قالوا: فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم؟
قال: كرهت لكم أن تكونوا شتامين، لعانين، ولكن قولوا: اللهم احقن دمائنا ودمائهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم" الخ (١).
وهذا هو علي بن أبي طالب الذي لا يرضى أن يشتم أهل الشام، ومحاربه معاوية بن أبي سفيان، ويمنعهم عن ذلك، هل يتوقع منه أنه يرضى بلعن أهل المدينة، مدينة النبي، وشتم أصحاب النبي ورحمائه وأصهاره؟
ثم ولقد صرح بإسلامهم وإيمانهم مع محاربتهم إياه، ومقالته إياهم بأنهم ليسوا بكفره، مرتدين، خارجين عن الإسلام والدين.
كما رواه جعفر عن أبيه "أن عليًا ﵇ كان يقول لأهل حربه إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنا على حق، ورأوا أنهم على حق" (٢).
ويقول في خطبته أمام أنصاره ومخالفيه:
فلقد كنا مع رسول الله - ﷺ -، وإن القتل ليدور على الآباء والأبناء، والأخوان والقرابات، فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانًا، ومضيًا على الحق، وتسليمًا للأمر، وصبرًا على مضض الجراح. ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبه والتأويل" (٣).
وأصرح من ذلك:
"أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فأنها خير ما تواصى العباد به، وخير عواقب
_________________
(١) "الأخبار الطوال" ص١٦٥ تحت وقعة الصفين ط القاهرة
(٢) "قرب الأسناد" للحمير ص٤٥ ط مكتبة نينوى طهران
(٣) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص١٧٩
[ ٢١١ ]
الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة" (١).
بل وأكثر من ذلك يجعلهم مساوين له في الإيمان بالله والتصديق بالرسول، وأيضًا يعلن براءته من دم عثمان بن عفان ﵁ فيكتب إلى أهل الأمصار يقصّ فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين:
وكان بدأ أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء (٢)، فقلنا: تعالوا الخ (٣).
فانظر إلى علي ﵁ كم كان عادلًا ومنصفًا،
وانظر إلى القوم كم بعدوا عنه وعن الحق في القول والعمل؟
فهذا هو علي رضي الله تعالى عنه وموقفه من أعدى أعداء الناس بالنسبة له.
فكيف يكون موقفه وموقف أهل بيته من أحب الناس إليه وإليهم خلفاء رسول الله - ﷺ - ورفاقه، الذين أحبوا أهل البيت، وأهل البيت بادلوهم الكيل بالكيلين والصاع بالصاعين، وتجاه أمهات المؤمنين اللاتي هن أمهاتهم هم أولًا وأصلًا.
ونختم القول في هذا الباب بأن عليًا وأهل بيته هل كانوا مؤمنين أم لا؟
فإن كانوا مؤمنين ولا شك في ذلك - فهم داخلون في قول الله ﷿:
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٢٤٨
(٢) وما أدري مع هذا كيف اجترأ المجلسي وهو يدعي موالاة أهل البيت واتباع مذهبهم أن يقول: إن أمير المؤمنين عليًا يبيح قتله، ولم يكن يرى منه بأسًا مع قول عليّ هذا؟ ثم وأكثر من ذلك أن "نهج البلاغة" مليء من أقوال إمامه المعصوم الأول الذي يعده بأنه لا يخطئ - من أقواله هو بأنه بريء من قتل عثمان وقتلته، ومن طالع نهج البلاغة أو قرأه يشهد على ذلك، ولكن من للقوم؟ فإن الحسد أكل قلوبهم، وأعمى أبصارهم، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور
(٣) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص٤٤٨
[ ٢١٢ ]
﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ " (١).
فصارت الصديقة الطاهرة أمهم أي أهل البيت جميعًا بنص القرآن وبحكم خالق الكون والمكان وقضائه.
وعلى هذا يمكن أن يتصور رجل يدعي حب أهل بيت ثم ويسبّ أمهم؟
وهل يقال إنه موال لهم ومحب، ومطاوع لهم ومطيع أم غير ذلك؟
وأما الذي ندريه نحن فإن الشريف والكريم يمكن أن يتغاضى أن يسب ويشتم، ولكنه لا يتغاضى عن أن يمس أحد أمه بسوء خاصة.
وهل شاتمون أمّ عليّ وأهله واللاعنون يظنون أنهم يحسنون صنعًا؟
فذلك كان موقف الشيعة من الصحابة عامة والخلفاء الراشدين خاصة، وهذا هو موقف أهل البيت منهم ومن عاداهم مخالفًا تمام المخالفة من موقف قوم ينسبون أنفسهم إليهم كذبًا وزورًا، وخداعًا ونفاقًا.
فالشيعة ليسوا بمحبي أهل البيت ومطاوعين لهم، بل هم معادون لهم ومخالفون، وهذا ما أردنا إثباته في هذا الباب من كتب القوم وعباراتهم هم كي يعرف الحقيقة من لا يعرفه قبل، ويهتدي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية٦
[ ٢١٣ ]