وقد قال المغنية: الشيعة من أحب عليًا وتابعه أو من أحبه ووالاه (١).
وكتب محمد الحسين آل كاشف الغطاء "إن هذا الاسم (أي الشيعة) غلب على أتباع علي وولده (٢) ومن يواليهم حتى صار اسمًا خاصًا بهم" (٣).
فهؤلاء هم الشيعة وأولئك هم أهل البيت.
وقد بالغ القوم في موالاة علي وأولاده، وحبهم ومدحهم مبالغة جاوزوا الحدود، وأسسوا عليها ديانتهم ومذهبهم حتى صار مذهبًا مستقلًا ودينًا منفصلًا عن الدين الذي جاء به محمد الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، واخترعوا روايات كاذبة، واختلقوا أحاديث موضوعة، وقالوا: أن لا دين إلا لموالى علي، وآله، ومحبيهم، إظهارًا شغوفهم بهم، ومودتهم فيهم، واحترامهم لهم ومتابعتهم إياهم، وتعلقهم بهم، ونسبتهم إليهم - كذبًا وزورًا - كما رووا حديثًا في كافيهم (٤).
عن بريد بن معاوية أنه قال: كنت عند أبي جعفر ﵇ في فسطاط بمنى، فنظر إلى زياد الأسود منقلع الرجل فرثى له فقال له: ما لرجليك هكذا؟ قال: جئت على بكر لي نضو، فكنت أمشى عنه عامة الطريق، فرثى له، وقال
_________________
(١) "الشيعة في الميزان" ص١٧ و١٩
(٢) ويناقض هذا القول وما قبله ما نقله السيد محسن أمين عن الأزهري حيث يقول: الشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي - ﷺ - ويوالونهم. ومن الغرائب أن الأقوال متضاربة جدًا حول معنى الشيعة في كتب القوم أنفسهم ولم يصرح واحد من مؤلفيهم معنى التشيع واضحًا جليًا، ومعنى جامعًا مانعًا، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، ولو لم يبعدنا هذا عن موضوعنا لنقلنا فيه العجائب المتناقضة المتضاربة من القوم أنفسهم
(٣) "أصل الشيعة وأصولها" ط بيروت ١٩٦٠م
(٤) الكافي للكليني، يعد من أهم مصادر الأحاديث الشيعية وكتبها، كما أنه أحد الصحاح الأربعة عندهم، ومنزلته عند القوم كمنزلة الصحيح البخاري عند السنة
[ ٢٣ ]
له عند ذلك زياد: إني ألم بالذنوب حتى إذا ظننت أني هلكت ذكرت حبكم فرجوت النجاة، وتجلى عني، فقال أبو جعفر ﵇: وهل الدين إلا الحب وإن رجلًا أتى النبي (- ﷺ -)، فقال: إني لأحب المصلين ولا أصلي، وأحب الصوامين ولا أصوم؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: أنت مع من أحببت، ولك ما اكتسبت، وقال: ما تبغون وما تريدون أما أنها لو كان فرعة من السماء فزع كل قوم إلى مأمنهم، وفزعنا إلى نبينا وفزعتم إلينا (١).
وكما ورد أيضًا في الأصول من الكافي "قال أبو جعفر ﵇ - إمامهم الخامس -: حبنا إيمان، وبغضنا كفر" (٢).
وأيضًا "لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه، ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ويكون سلمًا لنا. فإذا كان سلمًا لنا سلمه الله من شديد الحساب وآمنه من يوم الفزع الأكبر" (٣).
ونقلوا عنه أيضًا في كافيهم الذي قال فيه غائبهم: كاف لشيعتنا (٤).
نقلوا عن أبي حمزة أنه قال: قال لي أبو جعفر ﵇: إنما يعبد الله من يعرف الله فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالًا قلت: جعلت فداك فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله ﷿ وتصديق رسوله - ﷺ - وموالاة علي ﵇ والائتمام به وبأئمة الهدى ﵈ والبراءة إلى الله ﷿ من عدوهم. هكذا يعرف الله ﷿" (٥).
_________________
(١) كتاب الروضة من الكافي لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى ٣١٩هـباب وصية النبي لأمير المؤمنين ج٨ ص٨٠ ط دار الكتب الإسلامية طهران
(٢) الأصول من الكافي كتاب الحجة ج١ ص١٨٨
(٣) الأصول من الكافي ج١ ص١٩٤
(٤) منتهى الآمال ص٢٩٨ والصافي ج١ ص٤ ومستدرك الوسائل ج٣ ص٥٣٢، ٥٣٣ ونهاية الدراية ص٢١٩ وروضات الجنات ص٥٥٣ نقلًا عن معاشر الأصول ص٣١
(٥) الأصول من الكافي ج١ ص١٨٠ كتاب الحجة باب معرفة الإمام والرد عليه
[ ٢٤ ]
ولأن أئمتهم لهم مقام ومنصب لا يقل عن النبوة والرسالة كما قال السيد الخميني زعيم إيران اليوم في كتابه "ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية" ما نصه:-
إن من ضروريات مذهبنا أنه لا ينال أحد المقامات المعنوية الروحية للأئمة حتى ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما روى عندنا بأن الأئمة كانوا أنوارًا تحت ظل العرش قبل تكوين هذا العالم وأنهم قالوا إن لنا مع الله أحوالًا لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهذه المعتقدات من الأسس والأصول التي قام عليها مذهبنا" (١).
وما قاله السيد الخميني ليس بغريب ولا جديد، بل هو عقيدة القوم في أئمتهم، كما رواه ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق في كتابه الذي يعد واحدًا من الصحاح الأربعة للقوم، ينسبه إلى الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه "إن جابر بن عبد الله الأنصاري سأله يومًا، فقال: يا رسول الله هذه حالنا فكيف حالك وحال الأوصياء بعدك في الولادة؟ فسكت رسول الله - ﷺ - مليًا، ثم قال: يا جابر لقد سألت عن أمر جسيم لا يحتمله إلا ذو حظ عظيم، إن الأنبياء والأوصياء مخلوقون من نور عظمه الله جل ثناؤه يودع الله أنوارهم أصلابًا طيبة، وأرحامًا طاهرة، يحفظها بملائكته، ويربيها بحكمته، ويغذوها بعلمه، فأمرهم يجل عن أن يوصف، وأحوالهم تدق أن تعلم، لأنهم نجوم الله في أرضه، وأعلامه في بريته، وخلفاءه على عباده، وأنواره في بلاده، وحججه على خلقه، يا جابر! هذا من مكنون العلم ومخزونه فاكتمه إلا من أهله" (٢).
_________________
(١) "ولايت فقيه در خصوص حكومت إسلامي" النائب الإمام الخميني تحت باب ولايت تكويني من الأصل الفارسي ص٥٨ ط طهران
(٢) من لا يحضره الفقيه ج٤ ص٤١٤ و٤١٥ باب النوادر في أحوال الأنبياء والأوصياء في الولادة
[ ٢٥ ]