وكان علي يرى صحة إمامته وخلافته لاجتماع المهاجرين والأنصار عليه، وكان يعد خلافته من الله رضى، ولم يكن لأحد الخيار أن يرد بيعته بعد ذلك، أو ينكر إمامته حاضرًا كان أم غائبًا كما قال في إحدى خطاباته ردًا على معاوية بن أبي سفيان ﵄: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى" (٤).
_________________
(١) "كتاب الروضة من الكافي" ج٨ ص٣٢٥، ٣٢٦
(٢) هنالك وآنذاك نزلت الآية ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا مبينًا﴾ (السورة التح الآية١٨) وأيضًا ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (الآية١٠)
(٣) "حياة القلوب" ج٢ ص٤٢٤ ط طهران
(٤) "نهج البلاغة" ص٣٦٨ تحقيق صبحي
[ ١٤٨ ]
وكان هو أحد الستة الذين عينهم الفاروق ليختار منهم خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، ولما بايعه عبد الرحمن بن عوف ﵁ بعد ما استشار أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، ورأى بأنهم لا يريدون غير عثمان بن عفان ﵁ بايعه أول من بايعه، ثم تبعه علي بن أبي طالب ﵁:
"فأول من بايع عثمان عبد الرحمن بن عوف ثم علي بن أبي طالب" (١).
ويذكر ذلك على المرتضى ﵁ بقوله: لما قتل (يعني الفاروق) جعلني سادس ستة، فدخلت حيث أدخلني، وكرهت أن أفرق جماعة المسلمين وأشق عصاهم فبايعتم عثمان فبايعته" (٢).
وقال: لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا على خاصة التماسًا لأجر ذلك وفضله" (٣).
وكتب تحته ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي في شرحه أن عبد الرحمن بن عوف قال لعلي:
بايع إذًا وإلا كنت متبعًا غير سبيل المؤمنين .. فقال: لقد علمتم أني أحق بها من غيري .. ثم مد يده فبايع" (٤).
وكان من المخلصين الأوفياء له، مناصحًا: مستشارًا، أو قاضيًا كما كان في خلافة الصديق والفاروق، ولقد بوب محدثو الشيعة ومؤرخوها أبوابًا مستقلة ذكروا فيها أقضيته في خلافة ذي النورين ﵃ أجمعين.
_________________
(١) "طبقات ابن سعد" ج٣ ص٤٢ ط ليدن، أيضًا "البخاري" باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان
(٢) "الأمالي" للطوسي ج٢ الجزء١٨ ص١٢١ ط نجف
(٣) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص١٠٢
(٤) ابن أبي الحديد، أيضًا "ناسخ التواريخ" ج٢ كتاب ٢ ص٤٤٩ ط إيران
[ ١٤٩ ]
ولقد ذكر المفيد في "الإرشاد" تحت عنوان "قضايا علي في زمن إمارة عثمان" ذكر فيها عدة قضايا حكم بها علي ونفذها عثمان ﵁ فيقول:
إن امرأة نكحها شيخ كبير فحملت، فزعم الشيخ أنه لم يصل إليها وأنكر حملها، فالتبس الأمر على عثمان، وسأل المرأة هل افتضك الشيخ؟ وكانت بكرًا قالت: لا، فقال عثمان: أقيموا عليها الحد، فقال له أمير المؤمنين ﵇: إن للمرأة سمين سم للمحيض وسم للبول، فلعل الشيخ كان ينال منها فسال ماؤه في سم المحيض، فحملت منه، فاسأل الرجل عن ذلك؟ فسئل، فقال: قد كنت أنزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض فقال أمير المؤمنين ﵇: الحمل له والولد ولده، ورأى عقوبته على الإنكار فصار عثمان إلى قضائه بذلك وتعجب منه" (١).
وأيضا "إن رجلًا كانت له سرية فأولدها ثم اعتزلها وأنكحها عبدًا له ثم توفي السيد فعتقت بملك ابنها لها وورث ولدها زوجها، ثم توفي الابن فورثت من ولدها زوجها فارتفعا إلى عثمان يختصمان تقول: هذا عبدي ويقول: هي امرأتي، ولست مفرجًا عنها، فقال عثمان: هذه مشكلة وأمير المؤمنين حاضر فقال ﵇: سلوها هل جامعها بعد ميراثها له؟ فقالت: لا، فقال: لو أعلم أنه فعل ذلك لعذبته، اذهبي فإنه عبدك، ليس له عليك سبيل، إن شئت أن تسترقيه أو تعتقيه أو تبيعه فذلك لك" (٢).
وروى الكليني في صحيحه عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:
إن الوليد بن عقبة حين شهد عليه بشرب الخمر قال عثمان لعلي ﵇: اقض بينه وبين هؤلاء الذين زعموا أنه شرب الخمر فأمر علي ﵇ فجلد بسوط له شعبتان أربعين جلدة" (٣).
_________________
(١) "الإرشاد" ص١٢٢، ١١٣ ط مكتبة بصيرتي قم، إيران
(٢) "الإرشاد" ص١١٣
(٣) "الكافي في الفروع" ج٧ ص٢١٥ باب ما يجب فيه الحد من الشراب
[ ١٥٠ ]
وقد ذكر اليعقوبي "إن الوليد لما قدم على عثمان، قال: من يضربه؟ فاحجم الناس لقرابته وكان أخا عثمان لأمه، فقام عليّ فضربه" (١).
ولا يكون هذا الفعل والعمل إلا ممن يقرّ ويصحّح خلافة الخليفة، ويتمثّل أوامر الأمير، ويشارك الحاكم في حكمه، وكان علي بن أبي طالب وأولاده، وبنو هاشم معه، يطاوعون الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ﵁.
ويدل على ذلك قول علي ﵁ لما أراده الناس على البيعة بعد شهادة الإمام المظلوم ذي النورين ﵁، المنقول في أقدس كتب القوم "دعوني والتمسوا غيري وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم" (٢).