هذا وعلي - الإمام المزعوم عند القوم، والمعصوم الأول عندهم - شأنه شأن الآخرين، فلقد أهانوه، وصغروه، واحتقروه، ونسبوه إلى الجبن والذل، واتهموه بالتذلل والمسكنة وقالوا: إن أبا بكر ﵁ لما بويع بالخلافة، وأنكر علي خلافته، وامتنع عن بيعته فقال أبو بكر لقنفذ:
_________________
(١) "حياة القلوب" للمجلسي ص٥٩٣ أيضًا "المناقب" لابن شهر آشوب
(٢) "دائرة المعارف الإسلامية الشيعية" ج١ ص٢٧ ط دار المعارف للمطبوعات بيروت
[ ٢٦٨ ]
ارجع، فإن خرج وإلا فاقتحمو عليه بيته، وإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم النار، فانطلق قنفذ الملعون، فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وثار علي ﵇ إلى سيفه، فسبقوه إليه وكاثروه، فتناول بعض سيوفهم فألقوا في عنقه حبلًا، وحالت بينه وبينهم فاطمة ﵍ عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته لعنه الله، ثم انطلق بعلي ﵇ يعتل عتلًا - أي يجرجر عنيفًا - حتى انتهى به إلى أبي بكر - إلى أن قال - فنادى علي ﵇ قبل أن يبايع والحبل في عنقه: يا ابن أم! إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني" (١).
فهذا هو علي بن أبي طالب في نظر الشيعة، وهكذا يصورونه جبانًا، خائفًا، مذعورًا، ملببًا، وهو الذي اختلقوا فيه القصص، واخترعوا فيه الأساطير، فيه، وفي قوته وشجاعته وطاقته وجرأته وبسالته، وقد مر بيان بعضها سابقًا.
وليس هذا فحسب، بل اتهموه بالجبن والهوان إلى حد قالوا فيه على لسان زوجته ابنة النبي - ﷺ -، فاطمة ﵂ أنها لامته، وغضبت عليه، وطعنته، وشنعت عليه بعد ما طالبت فدك وتشاجرت مع الصديق والفاروق ﵃ أجمعين، ولم يساعدها علي في تلك القضية حسب زعمهم قالت له:
يا ابن أبي طالب! اشتملت مشيمة الجنين، وقعدت حجرة الظنين - إلى آخر ما قالته -" (٢).
"وإن فاطمة ﵍ لامته على قعوده وهو ساكت" (٣).
_________________
(١) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٤ و٨٩
(٢) "الأمالي" للطوسي ص٢٥٩، "حق اليقين" للمجلسي ص٢٠٣، ٢٠٤، "الاحتجاج" للطبرسي
(٣) "أعيان الشيعة" ص٢٦، القسم الأول
[ ٢٦٩ ]
وأكثر من ذلك أنهم قالوا إن عمر بن الخطاب غصب ابنته ولم يستطع أن يمنعه من ذلك، فلقد قال الكليني أن أبا عبد الله قال في تزويج أم كلثوم بنت علي:
إن ذلك فرج غصبناه" (١).
وأيضًا "إن عليًا لم يكن يريد أن يزوج ابنته أم كلثوم من عمر، ولكنه خاف منه، فوكل عمه عباس ليزوجها منه" (٢).
وهذا، والذي رفض قبول الخلافة والإمارة حينما قدمت إليه بقوله: دعوني والتمسوا غيري: يهينونه بالكذب عليه، ويحطون عن مكانته ومقامه، ويصورونه كالعامي الحريص الذي يجري خلف المناصب ويسعى لأجلها مستعملًا في سبيلها كل الوسائل، والوسائل التي تأبى نفوس أبيه شريفة اختيارها وإتيانها، نعم! يجعلونه كصاحب الهوس والهوى والأغراض ليستخدم للحصول عليها حسبه ونسبه وحتى زوجته وأولاده، فانظر إليهم وإهانتهم لسيد أهل البيت ماذا يقولون فيه في كتابهم المهم، المعتمد الموثوق لما بويع أبو بكر، ووصل الخبر إلى مسامع علي، قال: إن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، وسكت عنه يومه ذلك:
"فلما كان الليل حمل على فاطمة ﵍ وأخذ بيدي ابنيه الحسن والحسين ﵉، فلم يدع أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا أتاه في منزله، فناشدهم الله حقه، ودعاهم إلى نصرته، فما استجاب منهم رجل" (٣).
وهل هناك إهانة أكبر من هذه أن يقال عن مثل علي ﵁ أنه حمل زوجته ابنة النبي على حمار، وأخذ سبطيه، وذهب إلى أبواب الناس يستعطفهم ويستنصرهم ويستجديهم؟
_________________
(١) "الكافي في الفروع" ج٢ ص١٤١ ط الهند
(٢) "حديقة الشيعة" لمقدس الأردبيلي ص٢٧٧
(٣) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٢، ٨٣
[ ٢٧٠ ]
سبحان الله: ما أشنع الكذب وما أقبحه!
ثم زادوا على ذلك:
"إن عليًا ﵇ لما رأى خذلان الناس إياه، وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وتعظيمهم إياه لزم بيته" (١).
فليلاحظ الكلمات والحروف، ولتكرر النظرة على هذه العبارة القصيرة تنبئ وتخبر الوجوه الأصلية والآراء الحقيقية تجاه علي ﵁ كيف يحقر ويصغر، ويصور مطرودًا مستردًا من قبل الناس أجمعين.
ولقد ذكر محدث القوم ابن بابويه القمي مثل هذه الروايات في كتابه حيث ذكر قصة طويلة أن أنصار علي وأعوانه القليلين كيف ردوا على أبي بكر، وامتنعوا عن قبول خلافته وإمارته، وتكلموا ضده جهرًا وعلنًا على رؤوس الأشهاد، فلما سمع أصحاب أبي بكر بذلك حضروا إليه:
"شاهرين السيوف، وقال قائل منهم: والله! لئن عاد منكم أحد، فتكلم بمثل الذي تكلم به لنملأن أسيافنا منه، فجلسوا - أي أصحاب علي - في منازلهم، ولم يتكلم أحد بعد ذلك" (٢).
هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى أهانوا المرتضى علي بن أبي طالب ﵁ حيث وصفوه بكل قبح في صورته ومزاجه، وأنه كان مفلسًا فقيرًا لا مال له:
"من بيت مفلس أخذ جميع أبنائه الآخرون ليكفوا صاحبه مؤنتهم، ويخففوا عنه ثقلهم" (٣).
ولأجل ذلك رفضت فاطمة الزواج منه لما قدمه إليها أبوها، وهذا هو النص:
"فلما أراد - رسول الله - ﷺ - أن يزوجها عن علي أسر
_________________
(١) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٣
(٢) "كتاب الخصال" للقمي ج٢ ص٤٦٥
(٣) "مقاتل الطالبين" لأبي الفرج ص٢٦
[ ٢٧١ ]
إليها، فقالت: يا رسول الله! أنت أولى بما ترى غير أن نساء قريش تحدثني عنه أنه رجل دحداح البطن، طويل الذراعين ضخم الكراديس، أنزع، عظيم العينين، لمنكبيه مشاشًا كمشاش البعير، ضاحك السن، لا مال له" (١).
ولقد ذكر الأصفهاني عن ابن أبي إسحاق أنه قال:
أدخلني أبي المسجد يوم الجمعة، فرفعني، فرأيت عليًا يخطب على المنبر شيخًا أصلع، ناتئ الجبهة، عريض ما بين المنكبين، له لحية ملأت صدره، في عينه اطرغشاش" (يعني لين في العين) (٢).
وقال في وصف جامع: كان ﵇ أسمر مربوعًا، وهو إلى القصر أقرب، عظيم البطن، دقيق الأصابع، غليظ الذراعين، حمش الساقين، في عينيه لين، عظيم اللحية، أصلع، ناتئ الجبهة" (٣).
وهناك رواية في الكافي أوردها الكليني تبين أن فاطمة ﵂ لم ترض بعلي حتى بعد الزواج، ولم تقبله عن طيب قلبها، والرواية هذه:
"لما زوج رسول الله - ﷺ - عليًا فاطمة ﵉ دخل عليهما وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ فوالله! لو كان في أهلي خير منه ما زوجتكه، وما أنا زوجته، ولكن الله زوجك" (٤).
وذكر الأربلي عن بريدة قال: قال رسول الله - ﷺ -: قم يا بريدة نعود فاطمة، فلما أن دخلنا عليهما أبصرت أباها دمعت عيناها، قال: ما يبكيك يا بنتي؟ قالت: قلة الطعم، وكثرة الهم، وشدة الغم - وفى رواية أخرى قالت: والله! لقد اشتد حزني، واشتدت فاقتي، وطال سقمي" (٥).
_________________
(١) "تفسير القمي" ج٢ ص٣٣٦
(٢) "مقاتل الطالبين" ص٢٧
(٣) "مقاتل الطالبين" ص٢٧
(٤) "الفروع من الكافي"
(٥) "كشف الغمة" ج١ ص١٤٩، ١٥٠
[ ٢٧٢ ]
فهذا هو القوم، وهذا هو دأبهم، وماذا يرجى ويتوقع من الذين يتطاولون على صحبة رسول الله، الصديق والفاروق وذي النورين وغيرهم من الأخيار الأطهار، والذين يجترؤن على رسل الله وأنبيائه وسيد المرسلين، أيحترمون عليًا وأهل بيته؟ كلا! لا يمكن أن يكون كذلك.
وأهانوا عليًا، وسيده رسول الله، وزوجته ﵄ جميعًا في رواية باطلة خرافية، قبيحة وسخيفة، حيث ذكروا:
"كان لرسول الله - ﷺ - لحاف ليس له لحاف غيره، ومعه عائشة، فكان رسول الله (- ﷺ -) ينام بين عليّ وعائشة، ليس عليهم لحاف غيره، فإذا قام رسول الله (- ﷺ -) من الليل حطّ بيده اللحاف من وسطه بينه وبين عائشة" (١).
هل هناك إهانة أكبر من هذه الإهانة؟
نعم! هناك أكبر وأكثر، منها ما رواها القوم أن عليًا أتى رسول الله - ﷺ - وعنده أبو بكر وعمر، فيقول:
فجلست بينه وبين عائشة، فقالت له عائشة: ما وجدت إلا فخذي وفخذ رسول الله - ﷺ - فقال: مه يا عائشة! " (٢).
ومرة أخرى جاء "فلم يجد مكانًا، فأشار رسول الله (- ﷺ -) إليه: ههنا (يعني خلفه) وعائشة قائمة خلفه وعليها كساء، فجاء علي (ع) فقعد بين رسول الله وبين عائشة، فغضبت وقالت: ما وجدت لاستك موضعًا غير حجري، فغضب رسول الله وقال: يا حميراء! لا تؤذيني في أخي" (٣).
_________________
(١) "كتاب سليم بن قيس" ص٢٢١
(٢) "البرهان في تفسير القرآن" ج٤ ص٢٢٥
(٣) "كتاب سليم بن قيس العامري" ص١٧٩
[ ٢٧٣ ]
هذا وكانوا يهينونه ويخذلونه بعد ما تولى الحكم وصار خليفة للمسلمين وأميرًا للمؤمنين فلم يكن يذهب بهم إلى معركة ولا إلى حرب إلا وكانوا يتسللون منها ملتمسين الأعذار، وبدون العذر أيضًا خفية تارة وجهرًا تارة أخرى، وكتب التاريخ مليئة بخذلانهم إياه، وتركهم وحده في جميع المعارك التي خاضها، والحروب التى أججت نيرانها وابتلي بها وعلى ذلك كان يقول:
قاتلكم الله: لقد ملأتم قلبي قيحًا، وشحنتم صدرى غيظًا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسًا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب - إلى أن قال - ولكن لا رأي لمن لا يطاع" (١).
وقال: ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلًا ونهارًا، وسرًا وإعلانًا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت الغارات، وملكت عليكم الأوطان. وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الأنبار، وقد قتل حسان بن حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها، وقلائدها ورعثها، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام. ثم انصرفوا وافرين. ما نال رجلًا منهم كلهم، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرأ مسلمًا مات من بعد هذا أسفًا ما كان به ملومًا، بل كان به عندي جديرًا، فيا عجبًا! عجبًا - والله - يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم عن باطلهم، وتفرقكم عن حقكم! فقبحًا لكم وترحًا، حين صرتم غرضًا يرمى: يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: هذه حمارة القيظ، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٧٠، ٧١
[ ٢٧٤ ]
قلتم: هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فرارًا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر" (١).
فاطمة بنت النبي
وأهانوا ابنة رسول الله - ﷺ - أم الحسن والحسين، زوجة علي، فاطمة الزهراء ﵃ أجمعين، ونسبوا إليها أشياء لم يتصور صدورها من أية امرأة مؤمنة مسلمة، دون أن تصدر من بضعة الرسول وسيدة نساء أهل الجنة، ومنها أنهم قالوا إنها كانت دائمة الغضب على ابن عم الرسول - ﷺ - ﵁، وكانت تعترض عليه وتشكوه إلى أبيه في أشياء كثيرة، صغيرة وتافهة، كما مر بيانها سابقًا، وحتى على أمور الخير كما يروي محدثهم ابن الفتال النيسابوري (٢) أن رسول الله - ﷺ - غرس لعليّ حديقة، فباعها علي، وقسم كل ما أخذ منها إلى فقراء المدينة ومساكينها حتى لم يبقى درهم واحد.
فلما أتى المنزل قالت له فاطمة ﵍: يا ابن عم! بعت الحائط الذى غرسه والدي؟
قال: نعم! بخير منه عاجلًا أو آجلًا، قالت: فأين الثمن؟
قال: دفعته إلى أعين استحييت أن أذلها بذل المسألة، قالت فاطمة: أنا جائعة، وابناي جائعان، ولا شك أنك مثلنا في الجوع، لم يكن منه لنا درهم،
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٧٠، ٧١
(٢) هو محمد بن الحسن الفتال الفارسي النيسابوري "متكلم جليل القدر، فقيه، عالم، زاهد، ورع، قتله أبو المحاسن عبد الرزاق رئيس نيسابور" (رجال الحلي ص٢٥٩ ط إيران). "وكان من شيوخ الشيعة في المائة الخامسة"، وله كتاب" روضة الواعظين" (تأسيس الشيعة ص٣٩٥). و"إنه شيخ جليل من شيوخ الشيعة وأعلام الطائفة، وكان مدرسًا، متكلمًا، فقيهًا، عالمًا، مقرئًا، مفسرًا، متدينًا، زاهدًا من العلماء الأمناء المعتمدين" (نقلًا عن مقدمة الكتاب ص١١ لمحمد مهدي الخراساني ط قم إيران)
[ ٢٧٥ ]
وأخذت بطرف ثوب علي (ع) فقال علي: يا فاطمة! خلني، فقالت: لا والله! أو يحكم بيني وبينك أبي، فهبط جبريل على رسول الله (- ﷺ -) فقال: يا محمد! الله يقرؤك السلام ويقول: اقرأ عليًا مني السلام، وقل لفاطمة: ليس لك أن تضربي على عليّ يديه" (١).
وكذلك ما نسبوا إليها أنها تقدمت إلى أبي بكر وعمر بقضية فدك، "وتشاجرت معهم، وتكلمت في وسط الناس، وصاحت، وجمع لها الناس" (٢).
ومرة "أخذت بتلابيب عمر، فجذبته إليها" (٣).
وأيضًا هددت أبا بكر "لئن لم تكف عن عليّ لأنشرن شعري ولأشقن جيبي" (٤).
وأنها دخلت مع الخلفاء في المعارك حتى وأحرق بيتها وضربت ووجع به جنبها، وكسر ضلعها، وألقت جنينها من بطنها - عياذًا بالله من هذه الخرافات - وماتت في مثل هذه الظروف ونتيجة هذه الصدمات" (٥).
هذا ومثل هذا كثير.