بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين وعلى أهل بيته أمهات المؤمنين وآله الغر الميامين وأصحابه البررة المقربين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فإنني بدأت في جمع الكتب عن الإسماعيلية وللإسماعيلية بعد ما فرغت من كتابي (البريلوية - عقائد وتاريخ) واشتغلت في ترتيب وتصفيف ووضعت الخطة وخططت الخطوط والتخطيط للكتابة عنهم وبوبت الأبواب ورتبت الفصول وجاوزت النصف من العمل حتى وصلتني الدعوة من الاخوة المخلصين الغيورين لدين الله وحملته لزيارة أمريكا وإلقاء الخطب والمحاضرات في عديد من ولاياتها في مراكز الطلاب ومجامعهم وأنديتهم ومحافلهم أندية الطهارة ومحافل التقوى في تلك البلاد الكافرة المنحطة في حضيض النجاسة والرذالة كالبساتين الوردية والأشجار الوارفة الظل واليانعة الأثمار في صحراء عطشانة حامية فيحاء والتي هي كمنارة النور في ليلة ظلماء مطيرة حالكة سوداء.
[ ٥ ]
الاخوة العرب المسلمون الذين ذهبوا إلى تلك البقاع لطلب العلم بدءوا يعلمونهم العلم، علم الأخلاق وعلم الآداب وعلم الحضارة والثقافة وعلم الروح علم القرآن وتعاليم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وإنني بعد ما رأيت وبعد ما شاهدت رأيت التحمس لدين الله والعمل به والغيرة لحملته أصحاب رسول الله ﷺ وأسلاف هذه الأمة وشاهدت العفاف والعفة والطهارة والتقوى والمحافظة على الصلوات والخضوع والخشوع فيها التشوق والاستماع إلى الأحاديث الدينية والكلمات العلمية والمحاضرات الإسلامية وبصرت أنديتهم ومحافلهم. أيقنت أن الله سيعلى كلمته ويرفع رايته ويظهر دينه على الأديان كلها، وينشر صيت نبيه واسمه وذكره في تلك البلاد النائية عن بلاد المسلمين المترامية الأطراف بهذا الجيل الميمون المبارك وتيقنت أنهم هم الذين قال فيهم وفي أنديتهم الشاعر العربي القديم
وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم مجالس قد يشفي بأحلامها الجهل
فلبيت دعوتهم وسافرت إليهم وشاركت مؤتمرهم وحاضرت في وسائل عديدة مختلفة والكلام ذو شجون وألوان والحديث ذو جوانب وأطراف وكان من بينه حول اختلاف الأمة وسبب الخلاف ومنشئه ومبناه وحول الفرق التي حدثت ونشأت بين المسلمين وتشتت وتفرقت وذهب بعضها بعيدًا في التفرق والاختلاف كما قرب البعض منها ومن بين الفرق التي ذهبت إلى الشأو البعيد واختلفت مع الأمة اختلافًا جذريًا وفي الأصول والأساس الشيعة فكثر الكلام وكثرت
[ ٦ ]
الأسئلة ثم الأجوبة عليها وكانت كتبي الثلاثة عن
هذه النحلة في متناول الكثيرين من الطلاب والمستمعين والحاضرين في تلك المجالس ولذلك كان البحث جديًا والأسئلة في صميم الموضوع. والرحى كانت تدور على عقائد القوم ومعتقداتهم التي كشفت النقاب عنها وعن تاريخ هذه الطائفة ومنشئها والتطورات التي طرأت عليها والفرق التي تفرعت عنها واقتناع الاخوة بما ذكرته في كتبي من عقائد القوم والاكتفاء بها والاحتياج الشديد إلى معرفة تاريخ القوم ومنشئهم والتغيرات التي وقعت حتى جعلتهم يبعدون كل هذا البعد عن الجماعة والأمة وكان ينتهي الكلام والجلسات على مطالبات وضع الكتاب فوريًا في ذلك الخصوص ليكمل البحث ويتم الموضوع ومادام يكتب الكتاب عن التاريخ والتطورات والمنشأ فلازم أن يشمل الفرق التي انبثقت من التشيع فرجعت من تلك البلاد وأنا مقتنع بقضاء ما طلبوا ومصمم على ما أظهروا الاحتياج إليه فلم أصل إلى بلادي في السادس والعشرين من سبتمبر إلا وقد اشتغلت في هذه الموضوع مؤجلًا كتابتي في الإسماعيلية مع شدة حرصي على إكمالها وإتمامها. ولكن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولكل شيء أجل.
فصرفت فيه جدي وجهدي ولم أعمل شيئًا في هذه المدة كلها ليلها ونهارها إلا البحث والتنقيب والترتيب والتسويد والتبييض في هذا.
اللهم إلا الخطب والمحاضرات في المدن المختلفة في باكستان المجاورة للاهور والبعيدة عنها والتي هي لازمتني ولاحقتني كل حين وكل آن وكل ظرف وكل مكان ولا ولم ولعلي لن أستطيع التخلص عنها رغم تهربي وفراري في الآونة الأخيرة لكثرة ملاحقتها لي وتسلطها علي ومطاردتها إياي ولزومها لي، ولكثرة العناء والأسفار والمشقة وقلة الراحة
[ ٧ ]
والطمأنينة والسكون القلبي والذهني والفكري في سبيلها. فأحمد الله على إنعامه علي بأني استطعت حسب مقدوري وطاقتي وقدر استطاعتي وبضاعتي أن أكمل البحث في هذا ولعله يستفيد منه القارئ ويستمتع به الناظر ويسر به الباحث ويفرح به المؤرخ لأنه قلما كتب عن الشيعة والتشيع بالترتيب التاريخي والتسلسل الزمني بتنقية المطالب والمباحث من الأغراض والأهداف المشبوهة وبتصفيتها من القصص والأساطير ومن النسيج المدسوس المدخول.
كما ندر من نبه على تطور التشيع الأول وتقلب الشيعة الأولى والأسباب والحوادث التي سببت هذا التغيير والتبديل. اللهم إلا بعض الإشارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
فنحن بدأنا الكتاب ببيان بدء التشيع ونشأته وبيان الشيعة الأولى.
ثم عقبنا ذلك الباب بالباب الثاني بينًا في السبئية ومؤسسها عبد الله بن سبأ وأفكاره وعقائده التي أراد ترويجها بين الشيعة الأولى وبينًا مع ذلك الفضائح والقبائح التي ارتكبها هو وأنصاره وأعوانه والمخدوعون به والواقعون في حبائله وبما قاموا من السعي بالفتنة والفساد والأحداث التي حدثت بسبب مؤامراتهم ومخططاتهم.
كما بينا في الباب الثالث اندماج السبئية في صفوف الشيعة وإيقاع بعضهم في شراكهم وفخهم في خلافة علي ومحاربة علي ﵁ أفكار هؤلاء ومحاولته منع شيعته من الركون إليهم وإلى عقائدهم كما يتضمن هذا الباب وقائع حرب الجمل وصفين خالية من الأباطيل
[ ٨ ]
ومتضمنة الحقائق التي طالما خفيت على الكثيرين من الناس وحتى السنة ولعله أول مرة بهذا الوضوح والتفصيل.
ثم ذكرنا في الباب الرابع تطور التشيع الأول وتبديل الشيعة الأولى وتسلط السبئيين على التشيع وغلبتهم على الشيعة ومقاومة الحسن أفكارهم وعقائدهم ثم حدوث بعض فرق الشيعة الأخرى المتطرفة عنهم ثم ذكرنا وقائع شهادة الحسين بالاختصار والنتائج التي نتجت بعد هذه الشهادة وتطور التشيع من الفكر السياسي إلى الفكر الديني وتغير الشيعة من الحزب السياسي إلى الحزب المذهبي.
وفي الباب الخامس ذكرنا ببعض الاختصار وبعض التفصيل أهم فرق الشيعة التي حدثت في مختلف الأيام والعهود وزمن أولاد علي بن أبي طالب العشرة منهم ومعتقداتهم ومختصر عقائدهم.
والجدير بالذكر أننا لم نذكر فرقة منهم لم تذكر في كتب القوم وذكرت في كتب السنة فمدارنا ومعولنا واعتمادنا لم يكن إلا على كتب القوم أنفسهم كي لا يقول قائل: قيل عنا ولم نقله، بل عكس ذلك نقول: قلتم فقلناه.
وأما الباب السادس فخصصناه لذكر الفرقة الإثني عشرية أو الإمامية وهي الفرقة الموجودة حاليًا في العالم الإسلامي بكثرة وهي التي يطلق عيها اسم الشيعة ولا يقصد عند إطلاقه أحد غيرهم ثم ذكرنا في ذلك الباب وجهة نظر الشيعة تجاه إمامهم الثاني عشر أمولود وغائب أو موهوم ومعدوم؟
وضمن ذلك بينا عقيدتهم في الإمامة وشروط الإمام التي تلزمه مع بيان فرق الإثني عشرية التي انبثقت منها مع ادعاء كل واحدة منها كونها من الإثني عشرية أو الإمامية أو الجعفرية.
[ ٩ ]
والباب الأخير خصصناه لبيان الروابط العقائدية التي تربطها بالعقائد السبئية المنقولة من اليهودية والمأخوذة منها وبهذا لقد أوشكنا على الانتهاء من هذا الموضوع حيث تكمل (١) في الكتب التي ألفناها في الشيعة بهذا الكتاب ولعلنا لا نكون مخطئين ولا
مبالغين عندما نقول إن هذه الكتب الأربعة تغني الكثير من الناس في معرفة الشيعة والتشيع ومن كتبهم أنفسهم ومعرفة عقائدهم وتاريخهم وفرقهم وحتى الشيعة أنفسهم يجدون فيها ما يدعوهم إلى التفكير والتعقل والتبصر ودقة النظر لتمييز الحق من الباطل والصواب من الخطاء.
وألفت أنظار القراء والباحثين إلى أننا حاولنا في كتابنا هذا كدأبنا
_________________
(١) هذا حسب ظنا وإلا فكشف الحقائق يحتاج كتب كثيرة لا كما كنا نتوقع سابقًا بأن المختصرين يكفيان لتعريف القوم وبيان حقائقهم وها نحن نتبع الكتاب الأول بعد الكتاب الثاني والثالث بالكتاب الرابع وعند اللحظات الأخيرة وصل إلينا كتاب جديد في اللغة الفارسية باسم (حجت اثنا عشري) من إيران حاول صاحبه الرد علينا في القسم الأخير الكبير من الكتاب ولكنه اختفى تحت الاسم المستعار وبدون الإشارة والنص على شخصيته وهويته خوفًا من الفضيحة وتهربًا من الخجل والندم لما يرى من تخاذله وعجزه عن القيام بالرد العلمي على المطالب التي أوردناها في كتابنا (الشيعة والسنة) المباحث التي طرحناها أمام القاري والباحث من السنة والشيعة. ومن الطرائف أن هذا المبرقع ببرقعه (حقكو - أي القائل بالحق) تحدانا مرات عديدة وقال: إنه سيعطينا جائزة إن خطأناه في رأيه فيما كتب وأثبتنا غلطه وعدم إصابته الصواب ثم ولا يكتب على الكتاب داخله ولا خارجه لا اسمه ولا رسمه، ومن وجله وتخوفه من بطشة الحق أنه لم يستطع ذكر المطبعة التي طبعت هذا الكتاب ولا الإدارة التي نشرته ولا الجهة التي صدرته فهذه هي جرأة القوم وهذه هي حقيقتهم. فهذه الحقيقة الواحدة هي التي تكفي لإحقاق الحق وإزهاق الباطل - والتفريق بين التخاذل والثبات وبين الصدق والكذب. فالحاصل أننا لا ندري أيكون هذا الكتاب هو آخر كتاب في هذا الموضوع أم يجبرنا القوم على مواصلة التعقيب والتنقيب والبحث والتفتيش للاستطلاع والاستكشاف وكشف النقاب عن الحقائق الأخرى الخافية المخفية عن أعين الناس من السنة وحتى الشيعة أنفسهم. وإننا لنرى أيضًا في كل مرة نرجع إلى كتب القوم أنها على قسمين: الكتب التي كتبت فقط للدعاية وكتب متضمنة للعقائد الأصلية والمعتقدات الحقيقية. فالكتب الدعائية كثرت في العصور المتأخرة وما أكثر ما استعمل مصنفوها الكذب والخداع لتغطية الأمور أمام المسلمين السنة فما أحوج السنة إلى معرفة الزور والخداع من الصدق والحق فلكم فكرنا في إصدار كتاب يتضمن نقد هذه الكتب وما ورد فيها من المكر والخداع والنفاق والتعمية بعنوان (بين يدي الكتب) ولكن الكتابة في المواضيع الأخرى تحول بيننا وبين ذلك. ولا ندري ما في مغيبات الأمور والله يعلم الأسرار
[ ١٠ ]
في الكتب الأخرى أن لا نكرر شيئًا أوردناه في كتاب آخر وحتى عند الاحتياج نبحث عن شيء آخر مماثل لذلك الشيء الذي أوردناه فيما سبق تجنبًا للتكرار وزيادة في الفائدة اللهم إلا ما لا بد منه لتشابك المواضيع وترادفها وبذلك صارت هذه الكتب خالية من التكرار المشين ولكل قيمته.
وعلى تلك الأصول والقاعدة لم نذكر ترجمة من نقلنا عنه عبارة أو اقتبسنا من كتابه كلامًا وقد ذكرنا ترجمته في الكتب الثلاثة السابقة واكتفينا بذكر تعريف موجز مناسب للمقام بالرجال اللذين لم ترد تراجمهم قبل ذلك.
وميزة هذا الكتاب أنه يشتمل مع تاريخ التشيع والشيعة وتغيير التشيع الأول وتبدل الشيعة الأولى والفرق التي حدثت ونشأت بهذا الاسم وانقرضت أو بقيت على مطاعن الشيعة على أصحاب رسول الله ﷺ وخاصة عثمان ومعاوية وغيرهما رضوان الله عليهم أجمعين والرد عليها ردًا علميًا ومنطقيًا وإنني لأرجو الله العلي القدير أن ينفع به الخلائق الأحباء والأباعد وأن يتقبله خالصًا لوجهه الكريم ويجعله ذخيرة لي في الدين والدنيا وفي الحياة وبعد الممات وان يحشرني في زمرة أصحاب نبيه العظيم وان يوفقني للدفاع عن حوزة شريعته وكرامة نبيه ﷺ وعظمة أصحابه ورفاقه وتلامذته وأزواجه أمهات المؤمنين وعن أسلاف هذه الأمة وعلمائها ومحسنيها وجعلنا منهم إنه سميع مجيب
وأخيرًا لا يسعني إلا أن أشكر جميع الأخوة والأحياء الذين ساندوني وساهموا في إخراج هذه الكتاب وناصروني في مواصلة الكتاب في مثل هذه المواضيع فبارك الله فيهم ويشكر مساعيهم وتقبل أعمالهم وجزاهم عنا وعن الإسلام خير الجزاء وصلى
الله على رسوله وعلى آله
[ ١١ ]
وصحبه وأصحابه ومن اهتدى بهديهم وسلك مسلكهم إلى يوم الدين.
إحسان إلهي ظهير
٣٠ محرم المحرم ١٤٠٤هـ.
٦ نوفمبر ١٩٨٣م
[ ١٢ ]