مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تنالوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا إنا لفي عافية مما فيه الناس وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان قالوا فأتوا عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله ما جاءني إلا السلامة، قالوا: فإنا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا، إليهم: قال فأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي، قالوا نشير عليك أن تبعث رجالًا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام وفرق رجالا سواهم فرجعوا جميعًا قبل عمار فقالوا: أيها الناس ما أنكرنا شيئًا ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم، وقالوا جميعًا: الأمر أمر المسلمين إلا أن أمرائهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم، واستبطأ الناس عمار حتى ظنوا أنه قد اغتيل فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمارًا قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا إليه منهم عبد الله بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر (١) ".
وإتمامًا للفائدة نذكر ما ذكره الطبري من رد فعل عثمان ﵁ على ذلك:
ثم كتب عثمان إلى أهل الأمصار أما بعد فأتى آخذ العمال بموافاتي في كل موسم وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف
_________________
(١) - الطبري ج ٥ ص ٩٨، ٩٩.
[ ٩٦ ]
والنهي عن المنكر فلا يرفع علي شيء ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته وليس لي ولعيالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم وقد رفع إلى أهل المدينة أن أقوامًا يشتمون وآخرون يضربون فيا من ضرب سرًا وشتم سرًا من ادعى شيئًا من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقه حيث كان مني أو من عمالي أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين، فلما قريء في الأمصار أبكى الناس ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتمخض بشر وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه، عبد الله بن عمار ومعاوية وعبد الله بن سعد وأدخل معهم في المشورة سعيدًا وعمرًا فقال: ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقًا عليكم وما يعصب هذا الأبي فقالوا: ألم تبعث ألم نرجع إليك الخبر عن القوم ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلًا وما كنت لتأخذ به أحدًا فيقيمك على شيء وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها ولا الانتهاء إليها، قال: فأشيروا علي؟ فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يصنع في السر فيلقى به غير ذي المعرفة فيخبر به
فيتحدث به في مجالسهم قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم، وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم، قال معاوية: قد وليتني فوليت قومًا لا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان أعلم بناحيتيهما قال: فالرأي؟ قال: حسن الأدب قال: فما ترى يا عمر وقال أرى أنك قد لنت لهم وتراخيت عنهم وزدتهم على ما كان يصنع عمر فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين إن الشدة تنبغي لمن لا يألوا الناس شرا واللين لمن يخلف الناس بالنصح وقد فرشتهما جميعًا اللين، وقام عثمان فحمد الله
[ ٩٧ ]