إن كل ما قيل وذكر في الكتب الشيعية عن مصحف الإمام " علي " ليس أكثر من إضفاء هالة من الغلو على شخصية الإمام " علي " حسب زعم الذين كانوا وراء وضع هذه الأساطير وإثبات أن الإمام " عليًا " إنما هو تالي تلو وأحق بخلافة الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -من غيره ولذلك يحتفظ بمصحف خاص لا يحتفظ به غيره هذا في ظاهر الأمر ولكنهم في الحقيقة أساؤوا إلى الإمام من ناحية أخرى فعرَّفوا الإمام بأنه يخفي أحكامًا إلهية فيها حدوده وحلاله وحرامه وكل ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة ولم يدلي بها إلا لأولاده الذين هم الأئمة والأئمة بدورهم أخفوها عن المسلمين وحتى عن شيعتهم إلى أن اختفت كل تلك العلوم باختفاء الإمام الثاني عشر،
_________________
(١) - تفسير البيان: الإمام الخوئي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ٢٢٢
(٢) - سبأ ٢٨
(٣) - المائدة ٣
[ ١٣٤ ]
وهكذا نرى أن الحب الجارف عندما يتجاوز حده ينتهي إلى الإساءة المطلقة والشيء إذا تجاوز حده انقلب إلى ضده ومن هنا نطلق مرةً أخرى لفكرة التصحيح ولمقارعة الأوهام التي نسجت حول الإمام " علي " وسائر أئمة الشيعة، حقًا لقد وضعوا حول الشمس نجومًا خافتة وزعموا أنها تزيد الشمس إشراقًا وتوهجًا فكان شأنهم شأن أولئك الذين وصفهم الله بقوله:؟ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا (١) ؟ ومع أننا نعتقد أن أغلب الروايات الموضوعة عن الأئمة وضعت بعد الغيبة الكبرى وهو العصر الذي نسميه بعصر الصراع الأول بين الشيعة والتشيع، إلا أن المتتبع المنصف لا يجد بدًا من القول إن في عهد أئمة الشيعة أيضًا وضعت
روايات عنهم كما أن وضع أحاديث عن الرسول الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كان يشغل بال المسلمين بعد عصر الرسالة غير أن الروايات الموضوعة التي كانت تنسب إلى أئمة الشيعة في حال حياتهم لم تكن ذات أبعاد خطيرة بسبب وجودهم بين الناس واستطاعة الناس من الوصول إليهم والسؤال عنها وهذا هو الإمام " الصادق " يروي عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال:؟ إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورًا فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه؟ ويقول " ابن أبي يعفور " أنه سأله الإمام " الصادق " عن اختلاف الحديثين يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به فقال:؟ وإذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدًا من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وإلا فالذي جاءكم به أولى به (٢) ؟ ويروي " ابن أبي عمير " عن الإمام " الصادق " أيضًا أنه قال:؟
_________________
(١) - الكهف ١٠٤
(٢) - الكافي ج١ ص٦٩
[ ١٣٥ ]
من خالف كتب الله وسنة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقد كفر (١) ؟ ويقول الإمام في مكان آخر:؟ كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف (٢) ؟ وهكذا وضع الإمام " الصادق " الطريق للفصل بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة وهكذا الفصل بين الروايات الصحيحة والكاذبة حتى يسد الباب على البدع التي تظهر في الدين وباسم الدين.
وقبل أن أنهي هذا البحث أود أن أشير أيضًا إلى أن بعض علماء الشيعة تحدث في كتبه عن مصحف " فاطمة " مضافًا إلى مصحف " علي " وموقفنا من هذا الرأي هو الرأي نفسه في مصحف " علي " وفيما أسلفناه الكفاية.
_________________
(١) - الكافي ج١ ص٧٠
(٢) - الكافي ج١ ص٦٩
[ ١٣٦ ]