أولها: السلام والدعاء له، وقد سلم جوازه وأنه شرعي.
والقسم الثاني: التبرك به والدعاء عنده للزائر، وقال:وهذا القسم يظهر من فحوى كلام ابن تيمية أنه يلحقه بالقسم الثالث، ولا دليل له على ذلك، بل نحن نقطع ببطلان كلامه فيه، وأن المعلوم من الدين وسير السلف الصالحين التبرك ببعض الموتى من الصالحين، فكيف بالأنبياء والمرسلين، ومن أدعى أن قبور الأنبياء وغيرهم من أموات المسلمين سواء فقد أتى أمرًا عظيمًا نقطع ببطلانه وخطئه فيه، وفيه حظ لرتبة النبي ﷺ إلى درجة من سواه من المؤمنين وذلك كفر بيقين.
_________________
(١) أخرجه البخاري ٦/٢٨٣ وأخرجه أيضًا في كتاب الحج الباب رقم ٤٣ وفي الجهاد باب رق ١٩٣ وباب رقم ١/وباب رقم ٢٧ ومسلم ٢/٩٨٦ و٣/١٤٨٦ وأبو داود رقم ٢٤٨٠ والترمذي ٤/١٤٨ - ١٤٩ رقم ١٥٩٠ والنسائي ٧/١٤٧ رقم ٤١٧٠ والدارمي ٢/٢٣٩ وأحمد في مسنده رقم ١٩٩١، ٢٣٩٦، ٢٨٩٨ طبعة أحمد شاكر، جميعًا من حديث ابن عباس. وأخرجه مسلم ٣/١٤٨٨ من حديث عائشة ﵂.
[ ٣٣٣ ]
فإن من حط رتبة النبي ﷺ عما يجب له فقد كفر، فإن قال: إن هذا ليس يحط، ولكنه منع من التعظيم فوق ما يجب له، قلت هذا جهل وسوء أدب، وقد تقدم في أول الباب الخامس الكلام في ذلك ونحن نقطع بأن النبي ﷺ يستحق التعظيم أكثر من هذا المقدار في حياته وبعد موته، ولا يرتاب في ذلك من في قلبه شيء من الإيمان، هذا كله كلام المعترض.
فانظر إلى ما تضمنه من الغلو والجهل والتكفير بمجرد الهودى وقلة العلم، أفلا يستحي من هذا مبلغ علمه أن يرمي أتباع الرسول وحزبه وأولياءه برأيه اذلي يشهد به عليه كلامه، لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا.
الوجه الخامس: أن يقال لهذا المعترض وأشباهه من عباد القبور: أتوجبون كل تعظيم للرسول ﷺ أو نوعًا خاصًا من التعظيم؟ فإن أوجبتم كل تعظيم لزمكم أن توجبوا السجود لقبره وتقبيله واستلامه والطواف به، لأنه من تعظيمه، وقد أنكر ﷺ على من عظمه بما لم يأذن به كتعظيم من سجد له، وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (١)، ومعلوم أن مطرية أنما قصد تعظيمه وقال ﷺ لمن قال له يا محمد، يا سيدنا وابن سيدنا وخيرنا،وأبن خيرنا: «عليكم بقولكم ولا تستهوينكم الشيكان أنا محمد بن عبد الله ورسوله» والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿ (٢)، فمن عظمه بما لا يحب فإنما أتى بضد التعظيم، وهذا نفس ما حرمه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ونهى عنه وحذر منه.
وأيضًا فإن الحلف به تعظيم له، فقولوا: يجب على الحالف أن يحلف به، لأنه تعظيم له وتعظيمه واجب، وكذلك تسبيحه وتكبيره والتوكل عليه والذبح باسمه،كل هذا تعظيم له، معلوم أن إيجاب هذا مثل إيجاب الحج إليه بالزيارة على م استطاع إليه سبيلًا، ولا فرق بينهما، وإن قلتم إنما نوجب نوعًا خاصًا من التعظيم طولبتم بضابط هذا النوع وحده، والفرق بينه وبين التعظيم الذي لا يجب ولا يجوز، وبيان أن الزيارة من هذا النوع الواجب، وإلا كنتم متناقضين موجبين في الدين ما لم يوجبه الله وشارعين شرعًا لم يأذن به الله.
الوجه السادس: أن يقال: الصلاة عليه ﷺ كلما خطر بالبال تعظيم له فأوجبوا له
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٣٣٤ ]
هذا التعظيم، وحكموا على من قال: لا يجب بأنه تارك لتعظيمه، بل حكموا على من قال: لا تجب الصلاة عليه كلما ذكر،ولا تجب الصلاة عليه في الصلاة أولا تجب في العمر إلا مرة، أولا تجب أصلًا بأنه تارك للتعظيم، لأن الصلاة عليه تعظيم له بلا ريب، فهل كان أئمة الإسلام وعلماء الأمة نافين لتعظيمه تاركين له بنفيهم الوجوب،أم كانوا أشد تعظيمًا له منكم وأعرف بحقوقه وأحفظ لدينه أن يزاد فيه ما ليس منه.
يوضحه الوجه السابع: إن الذين كرهوا من الفقهاء الصلاة عليه عند الذبح يكونون على قولكم تاركين لتعظيمه، وذلك قادح في إيمانهم، وكذلك من كره، أو حرم الحلف به وقال: لا تعتقد يمين الحالف به يكون على قولكم تاركًا لتعظيمه، لأن الحلف به تعظيم له بلا ريب.
الوجه الثامن: إن القول بعدم وجوب زيارة قبره، أو بعدم استحبابها، أو بعد جواز شد الرحال لا يقدح في تعظيمه بوجه من الوجوه، وهو بمنزلة قول من قال من أئمة الإسلام: لا تجب الصلاة عليه في التشهد الأخير وبمنزلة قول من قال منهم: تكره الصلاة عليه عند الذبح، وبمنزلة قوله من قال: لا تستحب الصلاة عليه في التشهد الأول، ولا عند التشهد في الأذان، بل قول من نفى وجوب الزيارة، أو جواز شد الرحال إلى أولى أن لا يكون منافيًا للتعظيم من قول من نفى وجوب الصلاة عليه، أو استحبابها في بعض المواضع، لأن الصلاة عليه مأمور بها، وقد ضمن للمصلي عليه مرة أن يصلي الله عليه عشرًا، بل الصلاة عليه محض التعظيم له، فنفي وجوبها أو استحبابها في موضع ليس بترك للتعظيم، وليس إنكار وجوب كل من الأمرين قادحًا في تعظيمه، بل ذلك عين تعظيمه يدل عليه.
الوجه التاسع: أن تعظيمه هو موافقته في محبة ما يحب وكراهة ما يكره، والرضا بما يرضى به، ولفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والمبادرة إلى ما رغب فيه والبعد عما جذر منه، وأن لا يتقدم بين يديه ولا يقدم على قول أحد سواه، ولا يعارض ما جاء به بمعقول، ثم يقدم المعقول عليه كما يقوله أئمة هذا المعترض الذين تلقى عنهم أصول دينه، وقدم آرائهم وهو أحسن ظنونهم على كلام الله ورسوله، ثم ينسب ورثة الرسول الموافقين مع أوقاله المخالفين لما خلفها من ترك التعظيم والتنقيص، وأي إخلاف بتعظيمه وأي تنقص فوق من عزل كلام الرسول عن إفادة اليقين، وقدم عليه آراء الرجال وزعم أن العقل يعارض ما جاء به، وأن الواجب تقديم المعقول، وآراء الرجال على قوله.
[ ٣٣٥ ]
الوجه العاشر: أن إيجاب زيارة قبرة، واستحبابها وشد الرحال إليه لأجل تعظيمه يتضمن جعل القبر منسكًا يحج إلي البيت العتيق كما يفعله عباد القبور ولا سيما فإنهم يأتون عنده بنظير ما يأتي به الحاج من الوقوف والدعاء والتضرع، وكثير منهم يطوف بالقبر ويستلمه ويقبله ويتمسح به، فلم يبق عليه من الأعمال المناسك إلا الحلق والنحر ورمي الجمار، فإيجاب الوسيلة إلى هذا المحذور، أو استحبابها من أعظم الأمور منافاة لما شرعه الله ورسوله.
وقد آل الأمر بكثير من الجهال إلى النحر عند قبور من يشدون الرحال إلى قبورهم وحلق رؤوسهم عند قبورهم، وتسمية زيارتها حجًا ومناسك، وصنف فيه بعضهم كتابًا سماه مناسك حج المشاهد وكان سبب هذا هو الغلو الذي يظنه من علمه تعظيماص ولا ريب أن هذا أكره شيء إلى الرسول قصدًا ووسيلة.
الوجه الحادي عشر: أن هذا الذي قصده عباد القبور من التعظيم هو بعينه السبب الذي لأجله حرم رسول الله ﷺ اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها، ولعن فاعل ذلك، ونهى عن الصلاة إليها وحرم اتخاذ قبره عيدًا، ودعا ربه أن لا يجعل قبره وثنًا يعبد ولأجله نهى فضلاء الأمة وساداتها عن ذلك، ولأجله أمر عمر بتعفية قبر دنيال (١) لما ظهر في زمان الصحابة، ولأجله منع مالك من نذر إتيان المدينة، وأراد القبر أن يوفي بنذره ولأجله كره الشافعي أن يعظم قبر مخلوق حتى يجعل مسجدًا كما قال: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا، ولأجله كره مالك أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ، لما يوهم هذا اللفظ من أنه قصد المدينة لأجل زيارة القبر.
ولما فيه من تعظيم القبر الزيارة إليه مع كونه أعظم القبور على الإطلاق وأجلها وأشرف قبر على وجه الأرض، فالفتنة بتعظيمه أقرب من الفتنة بتعظيم غيره من القبور، فحمى مالك رحمه الله تعالى الذريعة حتى في اللفظ، ومنع الناذر من إتيانه، ولو كان إتيانه قربة عنده لأوجب الوفاء به، فإن من أصله أن كل طاعة تجب بالنذر سواء كان من جنسها واجب بالشرع، أو لم يكن.
ولهذا يوجب إتيان مسجد المدينة على من نذر إتيانه وقد منع ناذر القبر من الوفاء بنذره، فلو كان ذلك عنده قربة لألزمه الوفاء به، ومن رد هذا النقل عنه وكذب الناقل فهو من جنس من افترى الكذب وكذب بالحق لما جاءه، فإن ناقله ممن له لسان صدق في
_________________
(١) انظر هذه القصة في فضائل الشام ودمشق للربعي تخريج الشيخ ناصر، ص٥٠.
[ ٣٣٦ ]
الأمة بالعلم والإمامة والصدق والجلالة، وهو القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد أحد الأئمة الأعلام، وكان نظير الشافعي، وإمامًا في سائر العلوم حتى قال المبرد: إسماعيل القاضي أعلم مني بالتصريف، وروى عن يحيى بن أكثم أنه رآه مقبلًا فقال: قد جاءت المدينة، وقد ذكر هذا النقل عن مالك في أشهر كتبه عند أصحابه وأجلها عندهم وهو المبسوط فمن فهو بمنزلة من كذب مالكًا والشافعي وأبا يوسف ونظراءهم.
ومتى وصل الهوى بصاحبه إلى هذا الحد فقد فضح نفسه وكفى خصمه مؤنته،ومن جمع أقوال مالك وأجوبته وضم بعضها إلى بعض، ثم جمعها إلى أقوال السلف وأجوبتهم قطع بمرادهم وعلم نصيحتهم للأمة، وتعظيمهم للرسول وحرصهم على اتباعه وموافقته في تجريد التوحيد وقطع أسباب الشرك، وبهذا جعلهم الله أئمة وجعل لهم لسان صدق في الأمة، وفلو ورد عنهم شيء خلاف هذا لكان من المتشابه الذي يرد إلى المحكم من كلامهم وأصولهم، فكيف ولم يصح عنهم حرف واحد يخالفه.
فتبين أن هذا التعظيم الذي قصده عباد القبور هو الذي كرهه أهل العلم وهو الذي حذر منه رسول الله ﷺ ونهى أمته عنه، ولعن فاعله، وأخبر بشدة غضب الله عليه حيث يقول: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١)،ويقول: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢)، ومعلوم قطعًا أنهم إنما فعلوا ذلك تعظيمًا لهم ولقبورهم، فعلم أن من التعظيم للقبور ما يعلن الله فاعله ويشتد غضبه عليه.
الوجه الثاني عشر: أن هذا الذي يفعله عباد القبور من المقاصد والوسائل ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان، والجوارح وهم أبعد الناس منه، فالتعظيم بالقلب ما يتبع اعتقاد كونه رسولًا من تقديم محبته على نفسه والولد والوالد والناس أجمعين ويصدق هذه المحبة أمران:
أحدهما: تجريد التوحيد، فإنه ﷺ كان أحرص الخلق على تجريده حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، ونهى عن عبادة الله بالتقرب إليه بالنوافل من الصلوات في الأوقات التي يسجد فيها عباد الشمس لها، بل قبل ذلك الوقت بعد أن
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٣٣٧ ]
تصلي الصبح والعصر لئلا يتشبه الموحدون بهم في وقت عبادتهم،ونهى أن يقال:/ ما شاء الله وشاء فلان (١)، ونهى أن يحلف بغير الله، وأخبر أن ذلك شرك (٢) ونهى أن يصلي إلى القبر (٣)، أو يتخذ مسجدًا (٤)، أو عيدًا (٥)، أو يوقد عليه سراج وذم (٦)، من شرك بين اسمه واسم ربه تعالى في لفظ واحد، فقال له: بئس الخطيب أنت (٧)، بل مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحى النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره ﷺ بقوله وفعله وهديه، وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه.
الثاني: تجريد متابعته وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين وفروعه والرضا بحكمه والانقياد له والتسليم والإعراض عمن خالفه وعدم الالتفات إليه حتى يكون وحده الحاكم المتبع المقبول قوله، كما كان ربه تعالى وحده المعبود المألوه المخوف المرجو المستغاث المستعان به المتوكل عليه الذي إليه الرغبة والرهبة، وإليه الوجهة والعمل الذي يؤمل وحده لكشف الشدائد وتفريج الكربات ومغفرة الذنوب، والذي خلق الخلق وحده ورزقهم وحده وأحياهم وحده، وأماتهم وحده ويبعثهم وحده ويغفر ويرحم
_________________
(١) يشير إلى ما أخرجه النسائي ٧/٦ رقم ٣٧٧٣ من حديث قتيله أن يهوديًا أتى النبي صلى الله عليه وعله آله وسلم فقال: «إنكم تندون وإنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة ويقولون ما شاء الله ثم شئت. وإسناده صحيح كما بينه في رسالتي (تمام المنة في تخريج حديثي أفلح وأبيه إن صدق وأما أبيك لتنبأنه)
(٢) يشير إلى حديث ابن عمر ﵁ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من حلف بغير الله فقد أشرك» وهو حديث صحيح. وقد خرجته وجمعت طرقه في تحقيقي على رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية (الواسطة بين الحق والخلق) .
(٣) يشير إلى ما أخرجه مسلم في صحيحه (لا تصلوا إلى القبور ) تخريجه.
(٤) يشير إلى قوله ﵊ (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا ولولا ذلك لأبرز قبره، ﵊، وتقدم تخريجه.
(٥) يشير إلى قوله ﵊ (لا تجعلوا قبري عيدًا) وتقدم تخريجه.
(٦) يشير إلى قوله ﵊ (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها السرج) وتقدم تخريجه.
(٧) الحديث أخرجه مسلم ٢/٥٩٤ من حديث عدي بن حاتم.
[ ٣٣٨ ]
ويهدي ويضل ويسعد ويشقي وحده، وليس لغيره من الأمر شيء، كائنًا من كان بل الأمر كله لله.
وأقرب الخلق إليه وسيلة وأعظمهم عنده جاهًا وأرفعهم لديه ذكرًا وقدرًا وأعمهم عنده شفاعة ليس له من الأمر شيء ولا يعطي أحد شيئًا، ولا يمنع أحد شيئًا، ولا يملك لأحد ضرًا ولا رشدًا، وقد قال الأقرب الخلق إليه وهم ابنته وعمه وعمدته: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عليك من الله شيئًا، يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا عباس عم رسول اله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول اله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئًا» (١) .
فهذا هو التعظيم الحق المطابق لحال المعظم النافع للمعظم في معاشه ومعاده الذي هو لازم إيمانه وملزومه، وأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير، فكما أن المقصر المفرط تارك لتعظيمه، فالغالي المفرط كذلك، وكل منهما شر من الأجر من وجه دون وجه، وأولياءه سلكون بين ذلك قوامًا؛ وأما التعظيم بالجوارح فهو العمل بطاعته والسعي في إظهار دينه وإعلانه كلماته ونصر ما جاء به وجهاد ما خالفه.
وبالجملة:فالتعظيم النافع هو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله وفيه وتحكيمه وجدة والرضا بحكمه، وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله: فما وافقها من قول الرسول قبله وما خالفها رده، أو تأوله أو فوضه،أو أعرض عنه، والله سبحانه يشهد وكفى به شهيدًا وملائكته ورسله وأولياؤه إن عباد القبور وخصوم الموحدين ليسوا كذلك، وهم يشهدون على أنهم بذلك.
وما كان لهم أن ينصروا دينه ورسوله ﷺ شاهدين على أنفسهم بتقديم آراء شيوخهم،وأقوال متبوعهم على قوله، وأنه لا يستفاد من كلامه يقين، وأنه إذاعارضة الرجال قدمت عليه، وكان الحكم ما تحكم به، أفلا يستحي من الله ومن العقلاء من هذا حالة في أصول دينه وفروعه أن يستر بتعظيم القبر ليوهم الجهال أنه معظم لرسوله ناصر له
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٣٣٩ ]
منتصر له ممن ترك تعظيمه وتنقصه، ويأبى الله ذلك ورسوله ﷺ والمؤمنون: «وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون، ولكن أكثرهم لا يعلمون» «وقيل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين وستردون إلى عال الغيب والشهادة فينبكم بما كنتم تعملون» .