_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٢٧٤ ]
والثاني أنه يقتضي التسوية في كراهية اللفظ بين قوله زرت القبر وقوله وزرت النبي ﷺ وجواب القاضي يقتضي الفرق بينهما.
قلت: هذا الذي قال أبو عمران المالكي لم يتابع عليه، بل هو متضمن للغلو والكلام بغير حجة، ولم يذهب أحد من أهل العلم المتقدمين منهم والمتأخرين إلى القول بوجوب الزيارة، وإنما كره مالك والله أعلم إطلاق هذا اللفظ لأنه لم يثبت عنده فيه حديث، ولم يصح فيه عنده خبر بخصوص، وقد ذكرنا الأحاديث المروية في ذلك وبينا عللها وسبب ضعفها وعدم ثبوتها، ولأن هذا اللفظ قد صار يستعمل في عرف كثير من الناس في الزيارة الشرعية، ولأن زيارة قبره لا يتمكن منها أحد كما يتمكن من الزيارة المعروفة عند قبر غيره.
قال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم (١) بعد أن ذكر قول مالك وما تأوله القاضي عياض به قلت: غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ زرنا في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على استعمال لفظ زيارة القبور في الزيارة البدعية الشركية، لا في الزيارة الشرعية، ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئًا لا أهل الصحاح، ولا أهل السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره.
وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره، وأجل حديث روي في ذلك حديث رواه الدارقطني (٢) وهو ضعيف باتفاق أهل العلم، بل الأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله «من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة» و«من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن حج ولم يزرني فقد جفاني» (٣) ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة وموضوعة، ولكن النبي ﷺ رخص في زيارة القبور مطلقًا بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (٤) وفي الصحيح عنه أنه قال: «استأذنت ربي في أن استغفر لأمي، فلم يأذن
_________________
(١) ٢/٧٦٣ - ٧٦٤ التي حققها الدكتور العقل.
(٢) قال النووي في المجموع ٨/٤٨١ وهذا باطل ليس هو مرويًا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يعرف في كتاب صحيح ولا ضعيف بل وضعه بعض الفجرة أهـ وقد تقدم هذا.
(٣) انظر المقاصد الحسنة ص٤٢٧-٤٢٨ وكشف الخفاء ٢/٣٤٦، ٣٤٧،٣٤٨ والفوائد المجموعة ١١٧-١١٨.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٢٧٥ ]
لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» (١) فهذه زيارة لأجل تذكرة الآخرة.
ولهذا تجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك،وكان النبي ﷺ يحرج إلى البقيع فيسلم على موتى المسلمين ويدعو لهم، فهذه زيارة مختصة بالمسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة تختص بالمؤمنين.
وقال أيضًا في أثناء كلامه في بعض مصنفاته المتأخرة (٢): وذلك أن لفظ زيارة قبره ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره، فإن قبر غيره يوصل إليه ويجلس عنده ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة ويدعه.
وأما هو ﷺ فلا سبيل لأحد أن يصل إلا إلى مسجده لا يدخل أحد بيته ولا يصل إلى قبره، بل دفنوه في بيته بخلاف غيره، فإنهم دفنوه في الصحراء، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره، لكن كره أن يتخذ مسجدًا فدفن في بيته لئلا يتخذ قبره مسجدًا ولا وثنًا ولا عيدًا، فإن في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح عن عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي صالح عن عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال:قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٤) .
وفي الموطأ وغيره عنه أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥) .
وفي صحيح مسلم عنه أنه قال: قبل أن يموت بخمس: «أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» فلما لعن من يتخذ القبور مساجد تحذيرًا لأمته من ذلك ونهاهم أن يتخذوا قبره عيدًا، دفن في حجرته
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر الرد على الأخنائي ص١٣٦.
(٣) أخرجه البخاري ١/٥٣٢ وأخرجه في مواضع كثيرة ومسلم ١/٣٧٧.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٢٧٦ ]
لئلا يتمكن أحد من ذلك، وكانت عائشة ساكنة فيها، فلم يكن في حياتها يدخل أحد لذلك، إنما يدخلون إليها هي، ولما توفيت لم يبق بها أحد، ثم لم أدخلت في المسجد سدت وبنى الجدار البراني عليها، فما بقي أحد يتمكن من زيارة قبره، كالزيارة المعروفة عند قبر غيره، سواء كان سنية أو بدعية، بل إنما يصل الناس إلى مسجده.
ولم يكن السلف يطلقون على هذا زيارة لقبره، ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة قبر البتة ولم يتكلموا بذلك، وكذلك عامة التابعين لا يعرف هذا في كلامهم فإن هذا المعنى ممتنع عندهم فلا يعبر عن وجوده، وهو قد نهى عن اتخاذ بيته وقبره عيدًا، وسأل الله أن لا يجعله وثنًا، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد بيته وقبره عيدًا، وسأل الله أن لا يجعله وثنًا، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، فقال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١)، ولهذا كره مالك وغيره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ ولو كان السلف ينطقون بهذا لم يكرهه مالك، وقد باشر التابعين بالمدينة،وهم أعلم الناس بمثل ذلك.
ولو كان في هذا حديث معروف عن النبي ﷺ لعرفه هؤلاء، ولم يكره مالك وأمثاله من علماء المدينة الأخبار بلفظ تكلم به النبي ﷺ فقد كان ﵁ يتحرى ألفاظ الرسول في الحديث فيكف يكره النطق بلفظه؟ ولكن طائفة من العلماء سموا هذا زيارة لقبره، وهم لا يخالفون مالكًا ومن معه في المعنى، بل الذي يستحبه أولئك من الصلاة والسلام وطلب الوسيلة ونحو ذلك في مسجده يستحبه هؤلاء، لكن هؤلاء سموا هذه زيارة لقبره وأولئك كرهوا أن يسموا هذه زيارة، وقد ذكرنا كلام الشيخ هذا وأمثاله في هذا المعنى فيما تقدم، والله أعلم.