الباب الخامس: حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ووحقيقة الإلحاد في صفات الله وأسمائه وأنواع الإلحاد
أ- حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة:
أما حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة فهو حكم يحتاج إلى نوع من التأني والتريث ثم التفصيل، لأنه من الخطورة بمكان إصدار حكم مجمل غير مفصل في مثل هذه القضية، التي هي قضية كفر أو إيمان ولا واسطة بينهما. فأقول مستعينًا بالله تعالى: إن من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة لا يخلو حاله من أحد أمرين:
أ- أن يكون النافي عالمًا بالنص الذي ثبتت به الصفة المنفية كتابًا كان أو سنة، ولا توجد لديه شبهات قد تغر مفهومه في النص كأن يفهم أو يظن -متأثرًا بالشبهة- أن النص الذي ثبتت به الصفة لم يكن باقيًا على ظاهره مثلًا أو غير ذلك من الشبهات الكثيرة التي قد تضلل الإنسان الساذج أو قليل الاطلاع. والتي من أخطرها تأثره بآراء أهل الكلام المذموم التي تفسد القلوب وتغير المفاهيم في الغالب ولو نفى -وحاله ما وصفنا من العلم وعدم وجود الشبهات- معاندًا وجاحدًا لخراب قلبه ومرضه، فهو كافر في هذه الحالة كفرًا ينقله من الملة الإسلامية لتكذيبه كلام الله أو كلام رسوله ﵊، وهو غير معذور لما علمت، وحقيقة الكفر هي ذلك الخراب الذي سبّبّه له العناد والجحود.
ب- أن ينفي في غير هذه الحالة المذكورة آنفًا، كجهله للنص أو عدم علمه المفهوم الصحيح على ما تقدم تفصيله، فأرجو أن يكون معذورًا في هذه الحالة. والخلاف مشهور بين أهل العلم في: هل يعذر الإنسان بجهله
[ ٣٥٣ ]
في أصول الدين أن لا؟ ولشيخ الإسلام ابن تيمية موافق كثيرة تدل على أنه يرى أن المرء يعذر بالجهل مطلقًا دون تفريق بين الأصول والفروع.
١- الموقف الأول: هو ما يدل عليه النص التالي من كلامه ﵀، يقول شيخ الإسلام في كتابه موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، وهو يناقش بعض علماء أهل الكلام في بعض مسائل الصفات: "لكن من لم يكن عارفًا بآثار السلف وحقائق أقوالهم، وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة وحقيقة المعقول الصحيح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك، لا يمكنه أن يقول إلا بمبلغ علمه ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك يهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول ﵊ بحسب إمكانه فهو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاده، ولا يؤاخذه بما أخطأه تحقيقًا لقوله تعالى ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ .
وقال في موضع آخر في الكتاب نفسه: ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد، والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف) إلى آخر كلامه ﵀ وهو يتحدث عن الأشعرية"١ اهـ.
ب- كان ﵀ - ذات مرة- يناقش كبار علماء أهل الكلام ممن
_________________
(١) ١ راجع موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لشيخ الإسلام ابن تيمية ص: ٥٦. تحقيق محمد محي الدين.
[ ٣٥٤ ]
لعبت الفلسفة بعقولهم وغيّرت مفاهيمهم -ونَرْوي (الحوار) بالمعنى لا باللفظ ونوجزه في الآتي:
ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية فطاحل علماء الكلام محاولًا إقناعهم بضرورة الاكتفاء بالأدلة النقلية - في المطالب الإلهية- أو تقديمها على العقل لتكون هي الأساس في هذا الباب والعقل تابع لها، لأن العقل الصريح لا يكاد يخالف النقل الصحيح إذا أحسن المرء التصرف، فلم يمكن إقناعهم، بل أصروا على ضرورة تقديم العقل في زعمهم، ظنًا منهم أن بينهما اختلافًا- وهو ظن الذين لا يفقهون إلا قليلًا.
وفي آخر الحوار قال لهم ذلك العالم البصير: لو كنت أنا مكانكم لحكمت على نفسي بالكفر ولكنكم جهال!!
فعذرهم بجهلهم- وهم يرون أنفسهم أنهم من أعلم الناس، إلاّ أن ذلك العلم لم يخرجهم من عداد الجهال في نظر الإمام ابن تيمية، لأنهم إنما تعلموا وتبحروا في آراء الرجال وفلسفة اليونان، وأما بالنسبة لعلم الكتاب والسنة فهم في حكم الجهال، ولذا عذرهم الإمام ﵀، فيظهر جليًا من هذين الموقفين أنه ممن يعذر الجاهل، والمجتهد، والمخطئ، حتى في باب أصول الدين وبالله التوفيق١.
ومما يشهد لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله قصة الرجل الإسرائيلي المشهورة وهذا نصها من صحيح البخاري:
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا هشام، أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ قال: "كان رجل يسرف على نفسه٢ فلما حضره الموت قال لبنيه:
_________________
(١) ١ موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول وغيره للإمام ابن تيمية. ٢ ذكر في بعض روايات الحديث أنه كان (نباشا) .
[ ٣٥٥ ]
إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال لها: اجمعي ما فيك منه! ففعلت، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك يا رب فغفر له، وقال غيره: مخافتك يا رب" ١.
وللحديث عدة روايات وهذه الرواية من أجمعها تقريبًا
قال الخطابي تعليقًا على هذا الحديث: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له، وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله.
قال ابن قتيبة: وقد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك، ورده ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا، وإنما قيل: إن معنى قوله: "لئن قدر الله علي" أي ضيق، وهي كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضيق، وأما قوله: "لعَلّي أضّلُ الله" - يعني في رواية أخرى غير التي ذكرناها- فمعناه: لعلي أفوته، يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب، وهو كقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلظ ذلك الآخر فقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" ويكون قوله: "لئن قدر" بتشديد الدال، أي إن قدر عليّ أن يعذبني ليعذبني، أو على أنه كان مثبتًا للصانع وكان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الإيمان.
قال الحافظ ابن حجر: "وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله ما يقول، ولم يقل قاصدًا لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه"٢ اهـ.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٣٣٢. ٢ فتح الباري ٧/٣٣٣. طبعة مصطفى البابي الحلبي.
[ ٣٥٦ ]
قلت: أما ابن الجوزي - مع مكانته العلمية المعروفة- فقد أبعد النعجة وابتعد عن سياق النص فتكلف في تأويل الحديث تأويلًا يشبه تأويل أهل الكلام عفا الله عنه، ولماذا هذا التكلف كله؟ ومعنى الحديث واضح والسياق يدل على أن الرجل مع إيمانه بربه وخشيته، جهل أن الإنسان الذي يفعل به ما فعله أولاده لا يبعث مثل الذي يدفن في الأرض، كما غفل عن قدرة الله الشاملة لجميع الحالات، هذا ما جهله الرجل، وربه الرؤوف الرحيم رحمه وعذره فغفر له، وهذا هو الذي يليق برحمته سبحانه ولطفه بعباده، وقد سبقت رحمته غضبه وغلبته.
وأستحسن أن أذكر هنا قاعدة عند أهل السنة في مسألة قبول عذر من جهل شيئًا من الدين: وهي هكذا: "يعذر الإنسان إذا جهل ما مثله يجهله من المسائل الخفية كمسائل الصفات من حيث تحققها وتحقيقها ومعرفة وجه الصواب فيها"ولا سيما بعد أن طغى علم الكلام، وفرض سلطانه على جمهور المتأخرين فتغير كثير من المفاهيم في مسائل العقيدة، ودخلت بسببه على العقيدة الإسلامية اصطلاحات كثيرة، فشوشت على الناس في عقيدتهم، وما ذكرناه من كلام الإمام ابن تيمية مأخوذ من هذه القاعدة، أو هو عينها، وقد صرح ﵀: أن الفاضل المجتهد الذي يخطئ وهو يريد متابعة الرسول أولى بقبول عذره من الجاهل الذي لم يطلب العلم إذا جهل ما يجهل مثله، أو كما قال ﵀.
وللشيخ سليمان بن سحمان ﵀ تحقيق دقيق في مسألة التكفير، ويرى أن المبادرة بالتكفير والتفسيق والهجر أمر في غاية الخطورة إلا بعد التحقيق ومعرفة تفاصيل ما في المسألة - قلت: بل ومعرفة الزمان والمكان- وينصح الشيخ ﵀ بالتريّث في المسألة، ثم نقل كلام شيخ الإسلام ﵀، حيث يقول شيخ الإسلام: "إن من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون" كما نقل قول الإمام الشافعي ﵀ إذ يقول: "لأن أتكلم في علم يقال لي فيه
[ ٣٥٧ ]
أخطأت١، أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيه كَفَّرْتَ".
ثم قال الشيخ سليمان ﵀: إذا فهمت ذلك وتحققته فاعلم أن الكفر الذي يخرج من الإسلام ويصير به الإنسان كافرًا وهو جحوده بما علم أن الرسول ﵊ جاء به من عند الله عنادًا، من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها من توحيده وحده لا شريك له، وهو مضاد للإيمان من كل وجه، ثم استشهد على ما ذكر بقول الإمام ابن القيم ﵀ إذ يقول في نونيته المعروفة:
فالكفر ليس سوى العناد وردّ جاء الرسول به لقول فلان
إلى أن قال ﵀:
والله ما خوفي من الذنوب فإنها لعَـ ـلَىَ طريق العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب عن تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضًا بآراء الرجال وخرصِها لا كان ذاك بمنة الرحمن٢
الخلاصة:
كل من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة عالمًا بالنص، فاهمًا له، سالمًا من الشبهة مُوثِرًا مألوفه من آراء الرجال وغيرها، مستخفًا بالنص وغير مقدرٍ له، فقد كفر كفرًا ناقلًا عن الملة.
وأما من نفى الصفة وهو على خلاف من وصفناه فهو معذور إن شاء الله لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣، ولقوله تعالى:
_________________
(١) ١ لعل الصواب (خطأت) وإن كان النص ورد بما ذكر في صلب الرسالة في المرجع المشار إليه. ٢ منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع للشيخ سليمان بن سحمان، وهو من كبار علماء الدعوة والإصلاح في أوائل عهد الملك عبد العزيز رحمهما الله، وله مؤلفات في هذا المجال ﵀. ٣ سورة البقرة آية: ٢٨٦.
[ ٣٥٨ ]
﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١، والله أعلم.
وعلى كل حال فإن أهل العلم يفرقون بين التكفير العام، وبين تكفير شخص معين، والتكفير العام يطلق فيقال: كل من ارتكب شيئًا من المكفرات كإنكار الصفات مثلًا فهو كافر ويعتبر هذا قاعدة للتكفير.
أما التكفير المعين فيختلف باختلاف أحوال الأشخاص، وما يقوم بنفوسهم مما يستدل عليه بالقرائن والسياق، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا ضال كافرًا عند أهل السنة، فانطلاقًا من هذه القاعدة نقول: من أنكر صفة ثابتة بالقرآن أو بالسنة فهو كافر، وهذه القاعدة يدخل في عمومها أكثر المنكرين، ولا يدخل فيها بعضهم لأحوال خاصة قد تشفع لهم، ولا يكون كافرًا مع أنه أنكر ما أنكره غيره على ما تقدم من التفصيل.
هذا حكم من نفى نفيًا. وأما حكم من أول آية من آيات الصفات أو حديثًا من أحاديث الصفات فمثله لا يكفر لسببين:
السبب الأول:
أنه لم ينف الصفة نفيًا. وإنما أثبتها ثم أولها تأويلًا، فهو مخطئ في التأويل ولكنه لا يكفر، لأنه يؤمن بالصفة في الجملة.
السبب الثاني:
أنه أول لقصد التنزيه ظنًا منه أنه لا يتم التنزيه إلا بالتأويل، وهو يظن أن هذه هي الطريقة المثلى أو الوحيد في التنزيه. وهذه شبهة تحول دون تكفيره لأنه معذور بالجهل المصحوب بالشبهة، والله أعلم.
وسبق أن قلنا نقلًا عن بعض أهل العلم٢ - إن حقيقة الكفر خراب
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٨٦. ٢ شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه.
[ ٣٥٩ ]
القلب، والمؤول بقصد التنزيه بعيد عن هذا المعنى إن شاء الله.
ب- حقيقة الإلحاد في أسماء الله تعالى، وأنواعه:
تحدثنا فيما تقدم عن علاقة الصفات بالذات، ثم طبيعة علاقات الصفات بعضها ببعض من حيث المعاني. وأخيرًا تحدثنا عن حكم من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وأبنّا الفرق بين حكم من نفى، وحكم من أول، إذًا من المناسب جدًا أن نتناول بالبحث حقيقة الإلحاد في أسماء الله وصفاته وأنواعه التي تشمل نفي الصفات وتعطيلها، كما تشمل تشبيه صفات الله بصفات خلقه.
وقد أنذر الله الذين يلحدون في أسمائه، وأخبر أنه سوف يجازيهم بما كانوا يعملون، وذلك بعد أن حث عباده ليدعوه بأسمائه الحسنى، حيث يقول ﷿: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١.
والإلحاد في اللغة: الميل، ومادته تدل على ذلك (ل ح د) ومن ذلك اللحد، وهو الشق في جانب القبر، لأنه قد مال عن الوسط. ومنه الملحد في الدين، وهو المائل عن الحق إلى الباطل، فالإلحاد في أسماء الله تعالى هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها، عن الحق الثابت لها، يقول الإمام ابن القيم ﵀ ما ملخصه:
فالإلحاد في أسماء الله تعالى أنواع، ثم ذكر منها خمسة أنواع:
أحدها: أن تسمى بعض المعبودات باسم من أسماء الله تعالى، أو يقتبس لها اسم من بعض أسمائه تعالى. كتسميته المشركين بعض أصنامهم
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١٨٠.
[ ٣٦٠ ]
(اللات) أخذًا من (الإله) و(العزى) أخذًا من (العزيز) وتسميتهم الأصنام أحيانًا (آلهة) وهذا إلحاد واضح كما ترى، لأنهم عدلوا بأسمائه تعالى إلى معبواداتهم الباطلة.
ثانيها: تسميته تعالى بما لا يليق به، كتسميته النصارى له (أبا) وإطلاق الفلاسفة عليه (موجبًا بذاته) أو علة فاعلة بالطبع، ونحو ذلك.
ثالثها: وصف الله تعالى بما ينزه عنه سبحانه، كقول اليهود عليهم لعنة الله إنه فقير. وقوله: إنه "استراح" بعد أن خلق خلقه، وقولهم أيضًا: "يد الله مغلولة"، وغير ذلك من الألفاظ التي يطلقها بعض أعداء الله قديمًا وحديثًا.
رابعها: تعطيل أسمائه تعالى عن معانيها (وهي الصفات) وجحد حقائقها. كما فعلت المعتزلة حيث جعلوا أسماء الله ألفاظًا مجردة لا تدل على الصفات، كقوله: سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، إلى آخر الأسماء.
ويعدّ ابن القيم هذا النوع من أقبح أنواع الإلحاد في الأسماء والصفات معًا عقلًا وشرعًا وفطرة، لأنهم نفوا الصفات وهو إلحاد، ثم نفوا معاني الأسماء، وهو نوع آخر من الإلحاد فهم قد جمعوا بين النوعين، مع ما في ذلك من التلاعب بنصوص الصفات كما لا يخفى.
وهذا الإلحاد يقابل إلحاد المشركين الذي سبق أن تحدثنا عنه، لأن أولئك أعطوا آلهتهم أسماء الله وصفاته. وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها. وعطلوها، وكلهم ملحدون في أسمائه وصفاته وإن اختلفت الطرق وتباين نوع الإلحاد. علمًا بأن الجهيمة وأشباههم من النفاة متفاوتون، فالجهمية أشد إلحادًا لأنهم ينفون الأسماء والصفات كما تقدم في غير موضع، وهم الذين نطلق عليهم أحيانًا (الغلاة) وقد تقدم الكلام على غيرهم من
[ ٣٦١ ]
النفاة آنفًا. وهم أولئك الذين ينفون الصفات، ويدّعون إثبات الأسماء. وهو إثبات لا قيمة له، لأن الأسماء عندهم لا تدل على معانيها، بل هي كالأعلام الجامدة، وكذلك الذين يفرقون بين ما جمع الله في كتابه أو فيما أوحى به إلى نبيه حيث يثبتون بعض الصفات ويؤولون يعضها تأويلًا قد يؤدي إلى نفي حقيقة صفة من صفات الله. فهؤلاء ينالهم نصيبهم من الإلحاد وإن لم يبلغوا مبلغ الذين قبلهم من النفاة.
خامسها: تشبيه صفات الله تعالى بصفات خلقه، وهو يقابل إلحاد المعطلة الذي تحدثنا عنه آنفًا: فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم الطرق، -كما يقول الإمام ابن القيم١- وهو أمر واضح فلا تتم السلامة من الإلحاد٢ إلا لمن نهج منهج السلف وعلماء الحديث بأن يصف الله بما وصف به نفسه في كتابه، أو بما وصفه به نبيه ﷺ، لا يعطل ولا يشبه بل هو وسط بين الفريقين، فهذه الوسطية تعتبر صفة لازمة لمن ينهجون منهج السلف ليس في هذا الباب فحسب، بل في جميع الأبواب التي تتفرق فيها الفرق -وهم بين التفريط والإفراط- مثل نصوص الوعد والوعيد، وأفعال العباد وموقفهم من الصحابة ﵃.
ولهذا كله يعتبر منهج السلف الصالح سفينة نوح ﵇ التي لا تُكْتَبُ النجاة والسلامة إلا لركابها، وأما من تخلف عنها فله الغَرَقُ والهلاك ولا محالة.
_________________
(١) ١ راجع بدائع الفوائد للإمام ابن القيم ١/١٦٩. ٢ وكلمة الإلحاد لا تعني دائمًا الكفر، بل قد يكون الإلحاد كفرًا، وقد يكون معصية ومخالفة، ولا يصل إلى درجة الكفر، ومثله الفسق، لأنه قد يكون معصية فقد لأنها خروج في الجملة، ويقد يكون كفرًا، والله أعلم.
[ ٣٦٢ ]