وهذا الإلحاد الذي وقع في كلام ابن عربي صاحب الفتوحات وأمثاله في أصول الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر لم يكن في كلام العلماء والشيوخ المشهورين عند الأمة الذين لهم لسان صدق ولكن هؤلاء أخذوا مذهب الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وأمثاله الذي دخل كثير منها في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وأمثاله فأخرجوها في قالب الإسلام بلسان التصوف والتحقيق كما فعل ابن عربي مع أنه يقدح في توحيد الشيوخ الأكابر كالجنيد وسهل بن عبد الله وأمثالهما ويطعن في قول الجنيد لما سئل عن التوحيد فقال التوحيد أفراد الحدوث عن القدم ويقول لا يميز بين المحدث والقديم إلا من كان ليس واحدا منهما ذكر هذا وأشباهه في كتابه التجليات وله كتاب
[ ١ / ٢٦٥ ]
الإسراء الذي سماه الإسراء إلى المقام الأسري وجعل له إسراء كإسراء النبي ﷺ وحاصل إسرائه من جنس الإسراء الذي فسر به ابن سينا ومن اتبعه كالرازي والهمداني ونحوهم إسراء النبي ﷺ وجعلوه من نوع الكشف العلمي كما فعلوا مثل ذلك في تكليم موسى وجعلوا ما خوطب به كله في نفسه فلهذا ادعى ابن عربي إسراء وهو كله في نفسه وخياله منه المتكلم ومنه المجيب وباب الخيال باب لا يحيط به إلا الله وابن عربي يدعي أن الخيال هو عالم الحقيقة ويعظمه تعظيما بليغا فجعل في خياله يتكلم على المشايخ وتوحيدهم بكلام يقدح في توحيدهم ويدعي أنه علمهم التوحيد في ذلك الإسراء وهذا كله من جنس قرآن مسيلمة بل شر منه وهو كلام مخلوق اختلقه في نفسه والجنيد ﵀ تكلم بكلام الأئمة العارفين فإن كثيرا من الصوفية وقعوا في نوع من الحلول والإتحاد كما ذكر ذلك أبو نعيم في الحلية وكما ذكره القشيري في رسالته فبين الجنيد أن التوحيد لا يكون إلا بأن يميز بين القديم والمحدث
[ ١ / ٢٦٦ ]
كما قالوا لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وهكذا قال سائر الأئمة كأحمد بن حنبل وإسحق ابن راهويه وعثمان بن سعيد والبخاري وغيرهم حتى قال محمد بن إسحق ابن خزيمة الملقب بإمام الأئمة من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كما ذكر ذلك عنه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وصاحبه الملقب بشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني وغيرهما
والشيوخ الأكابر الذين ذكرهم أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية وأبو القاسم القشيري في الرسالة كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل الحديث كالفضيل بن عياض والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي وغيرهم وكلامهم موجود في السنة وصنفوا فيها الكتب لكن بعض المتأخرين منهم كان على طريقة بعض أهل الكلام في بعض فروع العقائد ولم يكن فيهم أحد على مذهب الفلاسفة وإنما ظهر التفلسف في المتصوفة المتأخرين فصارت المتصوفة تارة على طريقة صوفية أهل الحديث وهم خيارهم وأعلامهم وتارة على اعتقاد صوفية وتارة على اعتقاد صوفية أهل الكلام فهؤلاء دونهم وتارة على اعتقاد صوفية الفلاسفة كهؤلاء الملاحدة
ولهذا ذكر ابن عربي في أول الفتوحات ثلاث عقائد عقيدة مختصرة من إرشاد أبي المعالي بحججها الكلامية
[ ١ / ٢٦٧ ]
ثم عقيدة فلسفية كأنها مأخوذة من ابن سينا وأمثاله ثم أشار إلى اعتقاده الباطن الذي أفصح به في فصوص الحكم وهو وحدة الوجود فقال وأما عقيدة خلاصة الخاصة فتأتي مفرقة في الكتاب ولهذا كان هؤلاء كابن سبعين ونحوه يعكسون دين الإسلام فيجعلون أفضل الخلق المحقق عندهم وهو القائل بالوحدة وإذا وصل إلى هذا فلا يضره عندهم أن يكون يهوديا أو نصرانيا بل كان ابن سبعين وابن هود والتلمساني وغيرهم
[ ١ / ٢٦٨ ]
يسوغون للرجل أن يتمسك باليهودية والنصرانية كما يتمسك بالإسلام ويجعلون هذه طرقا إلى الله بمنزلة مذاهب المسلمين ويقولون لمن يختص بهم من النصارى واليهود إذا عرفتم التحقيق لم يضركم بقاؤكم على ملتكم بل يقولون مثل هذا للمشركين عباد الأوثان حتى أن رجلا كبيرا من القضاة كان من غلمان ابن عربي فلما قدم ملك المشركين الترك هولاكو خان المشرك إلى الشام وولاه القضاء وأتى دمشق أخذ يعظم ذلك الملك الذي فعل في الإسلام وأهله ببغداد وحلب وغيرهما من البلاد ما قد شهر بين العباد فقال له بعض من شهده من طلبة الفقهاء ذلك الوقت يا سيدي ليته كان مسلما فبالغ في خصومته مبالغة أخافته وقال أي حاجة بهذا إلى الإسلام وأي شيء يفعل هذا بالإسلام سواء كان مسلما أو غير مسلم ونحو هذا الكلام
[ ١ / ٢٦٩ ]
وهذا كان من آثار مذهب الذين يدعون التحقيق ويجعلون المتحقق الذي يسوغ التدين بدين المسلمين واليهود والنصارى والمشركين هو أفضل الخلق وبعده عندهم على ما ذكره ابن سبعين وأخوانه هو الصوفي يعنون المتصوف على طريقة الفلاسفة ليس هو الصوفي الذي على مذهب أهل الحديث والكتاب والسنة فلفظ الصوفي صار مشتركا فهؤلاء القائلون بالوحدة إذا قالوا الصوفي يريدون به هذا ولهذا كان عندهم أفضل من الفيلسوف لأنه جمع بين النظر والتأله كالسهروردي المقتول وأمثاله وبعده عندهم المتكلم الأشعري فجعلوا الأشعرية دون الفلاسفة وأنقص منهم ومعلوم باتفاق المسلمين أن من هو دون الأشعرية كالمعتزلة والشيعة الذين يوجبون الإسلام ويحرمون ما رواءه فهم خير من الفلاسفة الذين يسوغون التدين بدين المسلمين واليهود والنصارى فكيف بالطوائف المنتسبين إلى مذهب أهل السنة والجماعة كالأشعرية والكرامية والسالمية وغيرهم فإن هؤلاء مع إيجابهم دين الإسلام وتحريمهم ما خالفه يردون على أهل البدع المشهورين بمخالفة السنة والجماعة كالخوارج
[ ١ / ٢٧٠ ]
والشيعة والقدرية والجهمية ولهم في تكفير هؤلاء نزاع وتفصيل فمن جعل الفيلسوف الذي يبيح دين المشركين واليهود والنصارى خيرا من اثنتين وسبعين فرقة فليس بمسلم فكيف بمن جعله خيرا من طوائف أهل الكلام المنتسبين إلى الذب عن السنة والجماعة ثم جعل بعد هؤلاء كلهم الفقيه فمن جعل أئمة المذاهب وأتباعهم كمالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري وإسحق وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والبويطي والمزني وابن سريج وابن القاسم وأشهب وابن وهب وإبراهيم الحربي وأبي داود والأثرم والمروزي والخلال والخرقي وأمثال هؤلاء دون أهل الكلام وأهل الكلام دون الفلاسفة والفلاسفة دون صوفية الفلاسفة وصوفية الفلاسفة دون أهل التحقيق القائلين بالوحدة وهؤلاء أرفع الخلق أليس يكون قد ناقض الرسول في دينه مناقضة ظاهرة لكل أحد فمن كان إلى الرسول أقرب كان عنده أخفض ومن كان عن الرسول أبعد كان عنده أفضل، ولهذا لما وقعت محنة هؤلاء بمصر والشام وأظهروا مذهب الجهمية الذي هو شعارهم في الظاهر وكتموا مذهب الإتحادية الذي هو حقيقة تجهمهم وأضلوا بعض ولاة الأمور حتى يرفعوا إخوانهم ويهينوا من خالفهم وصار كل من كان إلى الإسلام أقرب أقصوه وعزلوه وخفضوه وكل من كان عن الإسلام أبعد رفعوه حتى رفعوا شخصا كان نصرانيا وصيروه بعد الإسلام سبعينيا كان يقال له ابن سعيد الدولة وهو كان شقي دولته وكان مما أنشده:
[ ١ / ٢٧١ ]
تشير إلي في كل البرايا وتخبر بالذي اختار عني
وذلك أنني أنا كل شيء وكل مصادر الأشياء عني
فرفعوا درجته حتى جعلوا لا يصل إلى أحد رزق ولا ولاية إلا بخطه هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا حتى أزال الله كلمتهم عن المسلمين وأذلهم بعد العز وأهلك من أهلك منهم وكشف أسرارهم وهتك أستارهم وهؤلاء يتصلون بالكفار اتصال القرامطة الباطنية بهم لما بين الكفار والمنافقين من معاداة أهل الإيمان ولهذا كانت الباطنية وأتباعهم الرافضة بالشام وغيره مواصلين للكفار معادين لأهل الإيمان وهم من جنس هؤلاء ومن أسباب ضلال هؤلاء أنهم لما رأوا الكمال في العلم والعمل والعلم متقدم على العمل في السلوك وأما العلم النظري فجعلوه هو الغاية بناء على ان كمال النفس في العلم فرأوا الفقه هو العلم العملي فجعلوه أدنى المراتب ثم الكلام بعده لأنه عندهم العلم النظري الذي يليق بالعامة لأن المتكلم يقول أنه ينصر العقيدة الشرعية بالأدلة القطعية والأدلة العقلية فهي عقيدة مبرهنة وهؤلاء يعتقدون أن ما أخبرت به الرسل هو للعامة وأما الحقيقة التي لا يعلمها إلا الخواص فأمر باطن لا يعرف من مفهوم خطاب الرسل فلهذا جعلوا المتكلم بعد الفقيه إلى فوق وجعلوا هذا الاعتقاد على وجهين فالاعتقاد المجرد للعامة والاعتقاد المقرون بحججه للخاصة ثم بعد ذلك المتفلسف لأنه عندهم دخل من النظريات الباطنة التي لم تظهرها الرسل بل أشارت إليها ورمزت وبعد ذلك الصوفي لأنه عندهم جمع بين النظر وبين التأله الباطن فصار العلم له شهودا ثم بعد ذلك المحقق على أصلهم وهو الذي شهد أن الموجود واحد
[ ١ / ٢٧٢ ]
وهو الذي انتهى إلى الغاية ويدعون أن هذا هو لباب ما جاءت به الأنبياء وما كان عليه الفلاسفة القدماء ولهذا يقول ابن سبعين في أول الإجابة إني عزمت على إفشاء سر الحكمة التي رمز إليها هرامس الدهور الأولية وبيان العلم الذي رامت إفادته الهداية النبوية وهو وابن عربي وأمثالهما في ترتيب دعوتهم من جنس ملاحدة الشيعة الباطنية فإن عقيدتهم في الابتداء عقيدة الشيعة ثم ينقلون المستجيب لهم إلى الرفض ثم ينقلونه إلى ترك الأعمال ثم ينقلونه إلى الإنسلاخ من خصوص الإسلام ثم إلى الإنسلاخ من الملل إلى أن يصل إلى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم عندهم فيصير معطلا محضا حتى يقولون ليس بيننا وبين الفلاسفة خلاف إلا في إثبات الوجود يعنون المبدع للعالم فلو تركته الفلاسفة لم يبق بيننا وبينهم خلاف وهذا في الحقيقة هو متنهى دعوة أولئك الملاحدة وقوى ضلالهم أمور منها اعتقادهم أن لما جاءت به الرسل باطنا يناقض ظاهره ومن أسباب ذلك ما حصل لهم من الحيرة والإضطراب في فهم ما جاءت به الرسل ومنها أنهم رأوا الطريق التي سلكها المتكلمون لا تفيد
[ ١ / ٢٧٣ ]
علما بل هي إما سفسطة وجدل بالباطل عند من عرفه وإما جدل يفيد المغالبة عند من لم يعرف حقيقته وذلك أن هؤلاء سلكوا في الكلام طريقة صاحب الإرشاد ونحوه وهي مأخوذعه في الأصل عن المعتزلة نفاة الصفات وعليها بنى هؤلاء وهؤلاء أصل دينهم وجعلوا صحة دين الإسلام موقوفا عليها وذلك أنه موقوف على الإيمان بالرسول والإيمان به موقوف على معرفة المرسل وزعموا أن المرسل لا يعرف إلا بها
[ ١ / ٢٧٤ ]