ثم من هؤلاء من قال: إذا كان قديما فالقديم لا يكون حروفا وأصواتا لأنها متعاقبة شيئا بعد شيء ولا يكون معاني متعددة لأن وجود ما لا يتناهى من المعاني متعدد وتخصيص قدر دون قدر تحكم قالوا فيكون القديم معنى واحدا هو النهي والأمر والخبر والاستخبار والعبارة عن ذلك المعنى بالعربية قرآن وبالعبرية توراة وبالسريانية إنجيل.
وهذا أصل قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري
[ ٢ / ٥٥ ]
والقلانسي وغيرهما فقال لهم الجمهور هذا القول معلوم الفساد بالضرورة فإنه يلزم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئا واحدا قالوا ونحن نعلم بالاضطرار أن التوراة إذا عربناها لم تكن معانيها معاني القرآن ولا معنى آية الكرسي آية الدين ولا معنى سورة الإخلاص معنى تبت يدا أبي لهب قالوا ولا معنى الخبر هو معنى الأمر بأي شيء فسر المعنى سواء فسر بالعلم أو الإرادة أو بأمر آخر يخالف العلم والإرادة فنحن نعلم أن هذا ليس هو ذا.
وقالوا لهؤلاء: إن جاز أن يكون الخبر هو الأمر والنهي فتكون الحقيقتان شيئا واحدا فجوزوا أن يكون العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة أو تكون الصفات كلها شيئا واحدا.
فلما أوردوا هذا السؤال قال بعضهم هذا سؤال لا جواب لنا عنه كما ذكر ذلك الآمدي وغيره وقال بعضهم هذا يتوجه من جهة العقل ونحن إنما أثبتنا تعدد الصفات بالإجماع لا بالعقل لأن الناس إما مثبت للصفات وإما ناف لها والمثبتون يقولون بتعددها فالقول بإثباتها واتحادها خرق للإجماع وهذه طريقة القاضي أبي بكر وأبي المعالي الجويني وغيرهما وهي طريقة القاضي أبي يعلى في باب الصفات والكلام في الجملة
[ ٢ / ٥٦ ]
ومنهم من طلب أن يفرق بين البابين فذكر ما أنكره هؤلاء وغيرهم عليه فهؤلاء يقولون بقدم الكلام لكن يقولون باتحاد الحقائق المتعددة فهم اتحادية في الصفات.
[ ٢ / ٥٧ ]