فَإِن قلت بِمَ صَحَّ لديك صُدُور هَذِه الْمقَالة عَنْهُم حَتَّى ترَتّب عَلَيْهَا مَا ذكرت
[ ٤٠ ]
قلت قد أَسْفر الصُّبْح لذِي عينين هَذَا أَمر لَا يشك فِيهِ من لَهُ أدنى إِلْمَام بكتب الْقَوْم هَذِه الفتوحات والفصوص لِابْنِ عَرَبِيّ قد اشتهرا فِي الأقطار اشتهار النَّهَار وهما عِنْد من نظر بِعَين الْإِنْصَاف مشحونان بِهَذِهِ الْمقَالة وتشييدها وتوضيحها وَالِاسْتِدْلَال لَهَا حَتَّى كَأَنَّهُمَا لم يؤلفا لغَرَض من الْأَغْرَاض سوى هَذَا الْغَرَض وَهَذَا الْإِنْسَان الْكَامِل لعبد الْكَرِيم الجيلي اتِّحَاد مَحْض وَهَذِه تائية ابْن الفارض وخمرياته وَهَذِه كتب سَائِر أهل هَذِه الْمقَالة
(وهبك تَقول هَذَا الصُّبْح ليل أيعمى المبصرون عَن الضياء)
فَإِن قلت أبن لي هَذِه الدعْوَة وَبرهن عَلَيْهَا ببرهان أجلى من هَذَا فَإِن الإحالة على مؤلفاتهم لَا تغنيني
قلت اسْمَع مَا نمليه عَلَيْك من هَذِه الخرافات الكفرية ونستغفر الله
قَالَ ابْن عَرَبِيّ لَا ﵀ فِي خطْبَة فتوحاته المكية مَا لَفظه إِن خَاطب عَبده فَهُوَ المسمع السَّمِيع وَإِن فعل مَا أَمر بِفِعْلِهِ فَهُوَ المطاع الْمُطِيع وَلما خبرتني بِهَذِهِ الْحَقِيقَة أنشدت على علم الطَّرِيقَة للخليقة
[ ٤١ ]
(الرب حق وَالْعَبْد حق يَا لَيْت شعري من الْمُكَلف)
(إِن قلت عبد فَذَاك نفي أَو قلت رب أَنى يُكَلف)
فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُطِيع نَفسه إِذا شَاءَ بخلقه وَينصب نَفسه بِمَا يعين عَلَيْهِ من وَاجِب حَقه فَلَيْسَ إِلَّا الأشباح خَالِيَة على عروشها خاوية وَفِي تَرْجِيع الصدى سر مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ لمن اهْتَدَى
وَمن ذَلِك فِي أول الفتوحات أَيْضا فِي القصيدة الطَّوِيلَة
(قَالُوا لقد ألحقتنا بإلهنا فِي الذَّات والأوصاف والأسماء)
(فَبِأَي معنى نَعْرِف الْحق الَّذِي سواك خلقا فِي دحبى الأحشاء)
(قُلْنَا صدقت وَهل عرفت محققا من موجد الْكَوْن الْأَعَمّ سوائي)
(فَإِذا مدحت فَإِنَّمَا أثني على نَفسِي فنفسي غير ذَات ثنائي)
وَقَوله فِي الْبَاب الْعَاشِر
(أنظر الْحق فِي الْوُجُود ترَاهُ عينه فالبغيض فِيهِ الحبيب)
(لَيْسَ عَيْني سواهُ إِن كنت تَدْرِي فَهُوَ عين الْبعيد وَهُوَ الْقَرِيب)
(إِن رَآنِي بِهِ فَمِنْهُ أرَاهُ أَو دَعَاني إِلَيْهِ فَهُوَ الْمُجيب)
وَقَوله فِي الْبَاب التَّاسِع عشر ومئة فِي ترك التَّوَكُّل
(كَيفَ التَّوَكُّل والأعيان لَيْسَ سوى عين الْمُوكل لَا عين وَلَا أثر)
وَقَوله فِي الْبَاب التَّاسِع وَالْعِشْرين ومئة فِي ترك المراقبة
(لَا تراقب فَلَيْسَ فِي الْكَوْن إِلَّا وَاحِد الْعين فَهُوَ عين الْوُجُود)
(وَتسَمى فِي حَالَة بإله وتكنى فِي حَالَة بالعبيد)
[ ٤٢ ]
وَقَالَ فِي الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ ومئة فِي ترك الْعُبُودِيَّة
(نَحن الْمظَاهر والمعبود ظاهرنا ومظهر الْكَوْن عين الْحق فاعتبروا)
(وَلست أعبده إِلَّا بصورته فَهُوَ الْإِلَه الَّذِي فِي طيه الْبشر)
وَقَالَ أَيْضا
(فَكَانَ عين وجودي عين صورته وَحي صَحِيح فَلَا يدريه إِلَّا هُوَ)
وَقَوله وَقد زعم أَن الْحق تَعَالَى خاطبه بِهَذَا الْمَعْنى
(سبكتك فِي دَاري لإِظْهَار صُورَتي فسبحانكم مجلى وَسُبْحَان سبحانا)
(فَمَا نظرت عَيْنَاك مثلي كَامِلا وَلَا نظرت عَيْنَايَ مثلك إنْسَانا)
(فَلم يبْق فِي الْإِمْكَان أكمل مِنْكُم نصبت على هَذَا من الشَّرْع برهانا)
(فَأَي كَمَال كَانَ لم يَك غَيْركُمْ على كل وَجه كَانَ ذَلِك مَا كَانَا)
(ظَهرت إِلَى خلقي بِصُورَة آدم وقررت هَذَا فِي الشَّرَائِع إِيمَانًا)
(فَلَو كَانَ فِي الْإِمْكَان أكمل مِنْكُم لَكَانَ وجود النَّقْص فِي إِذا كَانَا)
(لِأَنَّك مَخْصُوص بِصُورَة حضرتي وأكمل منا مَا يكون وَقد بانا)
فَهَذِهِ نبذة من نظم المخذول فَإِن كَانَت لَا تغنيك وَلَا أَغْنَاك الله فاسمع مَا هُوَ أوضح من ذَلِك من نثره قَالَ فِي الْبَاب السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ من الفتوحات