ما تقدم من الصفات كان صفات سلبية، أما الصفات الثبوتية فهى:
* القدرة:
وهو سبحانه قادر لا يعجزه شىء، وصدور هذا الكون ما هو إلا مظهر من مظاهر قدرته وعظمته، وقدرته سبحانه صالحة فى كل وقت لإيجاد كل ممكن وإعدامه ..
والتأمل اليسير فى السماوات والأرض، والليل والنهار، والحياة والموت، وما يجرى من شئون فى كل لحظة، يهدى إلى معرفة القدرة الباهرة؛ يقول سبحانه:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (١).
ويقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
_________________
(١) سورة ق - الآية ٣٨؛ واللغوب: التعب.
(٢) سورة المؤمنون - الآية ٨٠.
[ ٦٥ ]
ويقول:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي (١) سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ (٢) بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا (٣) فَتَرَى الْوَدْقَ (٤) يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا (٥) بَرْقِهِ يَذْهَبُ (٦) بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٧).
* الإرادة (٨):
والله سبحانه مريد: أى أنه يخصص الشىء الممكن ببعض ما يجوز عليه، فيجعله طويلًا أو قصيرًا؛ حسنًا أو قبيحًا؛ عالمًا أو جاهلًا؛ فى هذا المكان، أو فى غيره؛ وهو سبحانه له أن يتصرف فى الكون حسب مشيئته وإرادته وحكمته.
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٩).
_________________
(١) يزجى: يسوق.
(٢) يولف بينه: يجمعه ليتكثف ويتصل بعضه ببعض.
(٣) ركامًا: مجتمعًا يركب بعضه بعضًا.
(٤) الودق: المطر.
(٥) سنا: اللمعان.
(٦) يذهب: يخطف.
(٧) سورة النور - الآية ٤٣ - ٤٥.
(٨) ليس معنى الإرادة هنا: الرغبة أو الميل، وإنما لها معنى خاص.
(٩) سورة النحل - الآية ٤٠.
[ ٦٦ ]
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٣).
﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤).
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (٥).
* العلم:
والله عالم بكل شىء، وقد أحاط بكل شىء علمًا، سواء منها المعلومات الماضية، أو الحاضرة، أو المستقبلة.
وعِلْم الله لم يسبق بجهل، ولا يعتريه نسيان، ولا يتقيد علمه بزمان ولا مكان.
وعلمه بالكليات كعلمه بالجزئيات، وما يبدو فى الكون من نظام وإتقان وإحكام ما هو إلا برهان ساطع على شمول علمه وكمال حكمته:
_________________
(١) سورة القصص - الآية ٦٨.
(٢) سورة آل عمران - الآية ٢٦.
(٣) سورة الشورى - الآية ٤٩، ٥٠.
(٤) سورة المائدة - الآية ٦.
(٥) سورة النساء - الآية ٢٦، ٢٧.
[ ٦٧ ]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢).
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣).
* الحياة:
والله سبحانه هو الحى، والحياة هى الصفة التى تصحح لموصوفها الاتصاف بالقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر، فلو لم يكن حيًا ما ثبتت له هذه الصفات.
وحياة الله حياة كاملة، ليس أكمل منها، لا يكتنه كنههًا، ولا تعلم حقيقتها كسائر صفاته.
ويحاته لا يلحقها عدم، ولا يقضى عليها بالانقضاء والفناء.
_________________
(١) سورة المجادلة - الآية ٧.
(٢) سورة الأنعام - الآية ٥٩.
(٣) سورة يونس - الآية ٦١.
[ ٦٨ ]
والعالم لا يمكن أن يصدر إلا من حى:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ (١).
﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (٣).
* الكلام:
والله سبحانه متكلم، وكلامه ليس بحرف ولا صوت، وقد أثبت الله هذه الصفة لنفسه، وأنه كلم موسى:
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٤).
وقال:
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٥).
وأنه يكلم أنبياءه:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا﴾ (٦).
وأن كلماته لا حصر لها:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٧).
_________________
(١) سورة الفرقان - الآية ٥٨.
(٢) سورة غافر - الآية ٦٥.
(٣) سورة طه - الآية ١١١.
(٤) سورة النساء - الآية ١٦٤.
(٥) سورة الأعراف - الآية ١٤٣.
(٦) سورة الشورى - الآية ٥١.
(٧) سورة الكهف - الآية ١٠٩.
[ ٦٩ ]
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (١).
وهذه الصفة من صفات الله التى أثبتها لنفسه، فنؤمن بها، ولا نبحث عن حقيقتها؛ لأنها كغيرها من الصفات الإلهية التى لا يمكن الوصول إلى العلم بحقائقها.
* السمع والبصر:
والله سبحانه سميع يسمع كل شىء، حتى إنه ليسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء فى الليلة الظلماء، دون أن يشغله سماعه جماعة عن سماعه جماعة آخرين، ودون أن يشتبه عليه لغة، أو يؤثر عليه ضجيج، أو يشوش عليه مشوش، وهو سبحانه لا يسمع بجارحة، ولا بآلة، ولا بأذن، ولا بصماخ.
وقد شكت إحدى النساء زوجها إلى رسول الله صلى الله علية وسلم، وأخذت تجادله؛ فأنزل الله سبحانه:
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢).
وكما أن الله يسمع كل شىء، فهو يرى كل شىء رؤية شاملة تستوعب كل المدركات، ورؤيته سبحانه ليست بحدقة كما يرى غيره.
وقد أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون، وقال لهما:
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ
_________________
(١) سورة لقمان - الآية ٢٧.
(٢) سورة المجادلة - الآية ١.
[ ٧٠ ]
أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١).
وقال:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).