الله سبحانه مالك الملك، يتصرف فيه بمقتضى حكمته ومشيئته، وكل تصرف منه إنما يجرى وفق مشيئته التى وضعها فى الكون، وقوانينه المضطردة فى الوجود.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (١).
وهو سبحانه لا يجب عليه شىء، ولا يتصرف من أجل أحد.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢).
أى أن الله أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يقول فى الناس: إن الله سبحانه مالك الملك الحق، يعطى الملك لمن يشاء، وينزعه ممن يشاء بمقتضى سنن الله فى العطاء والأخذ، ويعز من يشاء بالتوفيق لأسباب العز، ويذل من يشاء بالخذلان.
وإنه سبحانه بيده الأمور كلها خيرها وشرها، فهو يعطى ويمنع، ويعز ويذل وينفع ويضر، لأنه القادرعلى كل شىء .. ومن مظاهر قدرته ما يشاهد فى الكون من إدخال الليل فى النهار، وإدخال النهار فى الليل؛ وإخراج الحى من الميت، وإخراج الميت من الحى؛ وأنه يفيض الرزق على من يشاء بغير حساب ولا رقابة؛ لأن الأمر كله له وحده لا شريك له.
_________________
(١) سورة الرعد - الآية ٨.
(٢) سورة آل عمران - الآية ٢٦، ٢٧.
[ ٩٣ ]
وهو الفاعل المختار.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (١).
فهو يخلق ويختار من خلقه ما يشاء؛ لأنه المتصرف المطلق، وما كان لأحد الاختيار معه.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾ (٢).
فهو سبحانه يتصرف فى ملكه كيفما شاء بمقتضى الحكمة والرحمة.
فإذا مس الإنسان ضر، فلا يكشفه إلا الله، وإذا أراد الله خيرًا له، فلا يستطيع أحد رده عنه.
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣).
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).
فملك السماوات والأرض له وحده؛ وما يبديه الإنسان ويظهره، أو يخفيه ويكنه - من النوايا والإرادات والعزائم والمقاصد - يحاسبه به الله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وهو يغفر لمن يشاء أن يغفر لهم، وقد بين سبحانه من يشاء لهم الغفران فى قوله:
_________________
(١) سورة القصص - الآية ٦٨.
(٢) سورة يونس - الآية ١٠٧.
(٣) سورة فاطر - الآية ٢.
(٤) سورة البقرة - الآية ٢٨٤.
[ ٩٤ ]
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١).
فمغفرة الله لمن رجع إلى الله بالتوبة النصوح، وجدّد إيمانه بالله، وعمل العمل الصالح الذى يذهب بالسيئات، وبلغ منزلة الهداية التى يطمئن فيها القلب بالحق واليقين، كما أن عذابه سبحانه ينزل بالعصاة المستحقين له بمقتضى عدله وجزاء كل بعمله.
والإيمان بهذا، جزء من الإيمان بالله، ويتفرع عنه الإيمان بالقدر.