إن الإيمان بالتوراة التى نزلت على موسى ﵇، ركن من أركان الإيمان، وقد أخبر الله أن فيها هدى ونورًا وأثنى عليها بقوله:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
إلا أن هذه التوراة التى نزلت على موسى ﵇ غير موجودة بالمرة، كما هو مسلم من الجميع.
أما التوراة المتداولة الآن، فقد قام بكتابتها أكثر من كاتب، وفى أزمان مختلفة، وقد دخلها التحريف، يقول المرحوم الأستاذ الكبير/ محمد فريد وجدى: " ومن أدلة التحريف الحسية، أن التوراة المتداولة لدى النصارى تخالف التوراة المتداولة عند اليهود ".
وقد أثبت القرآن هذا التحريف، ونعى على اليهود التغيير والتبديل الذى أدخلوه على التوراة.
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
_________________
(١) سورة الأنبياء - الآية ٤٨.
(٢) سورة البقرة - الآية ٧٥.
[ ١٦٦ ]
فهم تجرأوا على كتاب الله، فحرفوه ليخفوا ما فيه من الحق، ونسوا قدرًا مما ذكرهم الله به فى التوراة؛ فالذى عندهم من التوراة الصحيحة، هو بعضها فقط.
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (١).
وأول دليل على صحة نقد القرآن للتوراة المتداولة، وأنها ليست كلها هى توراة موسى ﵇، التى جعلها الله نورًا وهدى، ما جاء فى التوراة من وصف الله بما لا يليق بجلاله وكماله، ففى سفر التكوين (٣: ٢٢): " وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفًا بالخير والشر " .. وفيه (٦: ٦): " فحزن الرب أنه عمل الإنسان وتأسف فى قلبه ".
فهل يعقل أن هذا من كلام الله؟! وهل يصح أن ينسب إليه الحزن والأسف على شىء عمله؟!
وكذلك ما جاء فيها مما يمس شرف الأنبياء، ويتنافى مع ما لهم من عصمة ومكانة رفيعة، وخُلُق متين، فقالوا عن إبراهيم ﵇ أنه كذاب، وأن لوطًا ﵇ زنا بابنته، وهارون ﵇ دعا الإسرائيليين إلى عبادة العجل، وداود ﵇ زنا بزوجة أوريا، وسليمان ﵇ عبد الأصنام إرضاء لزوجته.
فهل ثمة دليل على التحريف أقوى من هذا؟! لقد اضطر النقاد من مصلحى اليهود أنفسهم إلى الاعتراف بهذه الحقيقة، وأن التوراة قد حرِّفت، وقد أورد مذهبهم (حاخام باريز أجوليان ويل) فى كتابه (اليهودية).
_________________
(١) سورة النساء - الآية ٤٦.
[ ١٦٧ ]