قرر الإسلام أن الإنسان خلق مزودًا بقوى وملكات واستعدادات، وهذه القوى يمكن أن توجه إلى الخير، كما يمكن أن توجه إلى الشر؛ فهى ليست خيرًا محضًا ولا شرًا محضًا، وإن كانت إرادة الخير فى بعض الناس أقوى، وإرادة الشر فى البعض الآخر أقوى، وبينهما تفاوت لا يعلمه إلا الله .. وفى الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة».
وفى الحديث أيضًا: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا ..».
ويؤيد هذا قول الله عزوجل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (١).
أى أن الله خلق النفس مسوّاة ومُعتدلة قابلة للتقوى والفجور، ومستعدة للخير والشر.
والله سبحانه زود الإنسان بالعقل الذى يميز به بين الحق والباطل فى العقائد، وبين الخير والشر فى الأفعال، وبين الصدق والكذب فى الأقوال.
وأعطاه القدر التى يستطيع بها أن يحق الحق ويبطل الباطل، وأن يأتى الخير ويدع الشر، وأن يقول الصدق ويجانب الكذب، ورسم له منهج الحق
_________________
(١) سورة الشمس - الآية ٧، ٨.
[ ١٠١ ]
والخير والصدق بما أنزل من كتب، وبما أرسل من رسل، ومادام العقل المميز موجودًا والقدرة على الفعل صالحة، والمنهج المرسوم واضحًا، فقد ثبت للإنسان حرية الإرادة، واختيار الفعل.
وعلى الإنسان أن ويجه قواه إلى ما يختاره لنفسه من حق أو باطل، ومن خير أو شر، ومن صدق أو كذب.
وفى القرآن الكريم يقول الله سبحانه:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (١).
أى هديناه وأرشدناه إلى طريق الحق والباطل، والخير والشر، والصدق والكذب، فهو إما يسلك السبيل الأهدى، فيكون شاكرًا، أو الطريق المعوج، فيكون كفورًا.
وفى هذا المعنى أيضًا يقول القرآن الكريم:
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٢)؛ أى الطريقين.
وكل إنسان مسئول عن تهذيب نفسه وإصلاحها، حتى تصل إلى كمالها المقدّر لها، فإن إصلاحها وتزكيتها وتنميتها بالعلم النافع والعمل الصالح، هو سبيل فلاحها وفوزها برضا الله، والقرب من مشاهدة جلاله وجماله، كما أن إهمالها هو السبيل إلى خيبتها وخسرانها.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٣).
﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الإنسان - الآية ٣.
(٢) سورة البلد - الآية ١٠.
(٣) سورة الشمس - الآية ٩، ١٠.
(٤) سورة القيامة - الآية ١٤.
[ ١٠٢ ]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١).
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢).
والآيات التى تقرر حرية الإنسان كثيرة جدًا، منها قول الله عزوجل:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٣).
فأسند العمل الصالح والعمل السىء إلى الإنسان، ولو لم يكن الإنسان حرًا ما أسند إليه الفعل.
وفى موضع آخر من القرآن الكريم يقول الله سبحانه:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٤).
أى أن الشرور التى تعرض للإنسان إنما هى أثر من آثار عمله ونتاج اختياره وتصرفه.
وإن القرآن الكريم ليتحدث عن المفاسد والجرائم التى تحيط بالناس، فيبين أنها ليست من صنع الله، وإنما هى من عمل البشر.
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥).
وهذا الذى يُقرره القرآن الكريم، هو ما يشعر به الإنسان من نفسه، فهو يشعر بأنه يمارس أعماله الإرادية بمحض إرادته واختياره، فهو يفعل منها ما يشاء،
_________________
(١) سورة المدثر - الآية ٣٨.
(٢) سورة الطور - الآية ٢١.
(٣) سورة فصلت - الآية ٤٦.
(٤) سورة الشورى - الآية ٣٠.
(٥) سورة الروم - الآية ٤١.
[ ١٠٣ ]
ويدع منها ما يشاء، وهو إذا فعل منها ما هو نافع استحق المدح، وإذا فعل ما هو ضار استوجب الذم، فلو لم يكن مختارًا لَمَا توجه إليه المدح على فعل ما هو نافع، ولَمَا توجه له الذم على فعل ما هو ضار.
بل لو لم يكن الإنسان مختارًا لَمَا كان ثمّة فرق بين المحسن والمسىء، إذ أن كلًا منهما مُجْبر على ما يفعله؛ ولبطل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إذ لا فائدة لهما، حيث إن الإنسان مسلوب الإرادة؛ ولَمَا كان ثمّة معنى لتكليف الله للعباد، لأن تكليفه إياهم مع سلب اختيارهم هو منتهى الظلم الذى يتنزه الله عنه، ويكون الأمر كما قال القائل:
ألقاه فى اليم مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تَبْتَلّ بالماء
بل لو كان الإنسان مُسيّرًا لضاعت فائدة القوانين، ولبطل الجزاء من الثواب والعقاب.
وقد أراد المشركون أن يَحْتجّوا بمشيئة الله على شركهم؛ وأنه لو لم يشأ أن يكونوا مشركين لَمَا كانوا كذلك، فأبطل الله حجتهم ودَحَضها بقوله:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١).
فالقرآن الكريم يرد على المشركين من وجهين:
_________________
(١) سورة الأنعام - الآية ١٤٨، ١٤٩.
[ ١٠٤ ]
الوجه الأول: أن الله أذاق الكافرين الأول بأسه، وأنزل بهم عقابه، فلو لم يكونوا مختارين للجرائم والمآثم، والكفر والشرك لَمَا عذبهم الله، لأن الله عادل لا يظلم مثقال ذرة.
والوجه الثانى: أنهم زعموا ذلك عن جهل بالله، وجهل بدينه، وأنهم ليس عندهم من علم يمكن أن يستند إليه، ويرجع إليه، وإنما كفرهم هذا تمرد على دينه وافتيات على الحق الذى أنزله على ألسنة الرسل.
وإذا كان الله قد عذب الأمم السابقة على كفرها، وإذا كان المشركون ليس لهم من حجة يحتجون بها، فقد تقرر أن دعوى المشركين دعوى ظنية لا تقوم عليها حجة، ولا ينهض بها دليل.
وبذلك قامت حجة الله البالغة على هؤلاء، ولو شاء الله لأجبرهم على الهداية وإذن فلن يكونوا حينئذ من البشر، لأن البشر فطر على الحرية والاختيار.