منذ أقدم العصور، أخذ الإنسان يفكر فى نفسه، وفى الكون المحيط به، وكانت حرية الإنسان إحدى القضايا التى تناولها عقله، وشغلت حيزًا كبيرًا من تفكيره، ولا تزال هذه القضية إلى يومنا هذا مثار جدل ومناقشة بين المفكرين
[ ٩٩ ]
والفلاسفة، ولا يزال اهتمامهم بها اهتمامًا بالغًا، إذ أنها قضية تتعلق بحياة الإنسان، وتتصل بمصيره، فهو يبحث فيها، ويكد، ويجد فى البحث، علّه يهتدى إلى الحل الصحيح، كى يرسم لنفسه السلوك على ضوء الحل الذى يهتدى إليه.
وبدهى أن الإنسان حينما حال الكشف عن وجه الصواب فى هذه القضية، وأراد البحث فيها، لم يجعل ميدان بحثه الأعمال الخارجة عن إرادته واختياره، ككونه أبيض، أو أسود؛ وككونه وُلد من هذا الوالد، أو ذاك؛ وكنبضات قلبه؛ وتنفسه؛ وجريان الدم فى عروقه .. فإن هذه الأشياء خارجة عن نطاق البحث، لأن الإنسان لا اختيار له فيها، وهى غير خاضعة لإرادته.
وإنما اتجه الإنسان وهو بصدد البحث فى هذه القضية إلى الأعمال الإدارية التى تدخل فى نطاق الإرادة والاختيار، ومدى حريته فى ممارسة هذه الأعمال، مثل خروجه من البيت؛ واتخاذه طعامًا معينًا؛ ولبسه نوعًا من الملابس؛ وتفضيله لونًا من العلم، أو الكتابة؛ وممارسته حرفة من الحرف؛ وزيارته لغيره وهكذا فى كل عمل من الأعمال الاختيارية.
وقد اختلفت الأنظار، وتضاربت الأفكار تضاربًا كادت تضيع معه معالم الحق.
فمن قائل بأن الإنسان مسيّر (١) غير مخيّر، ومجبر على ممارسة نشاطه الاختيارى، وأنه كالريشة فى مهب الريح تتقاذفها ذات اليمن وذات الشمال.
ومن قائل بأن الإنسان مخيّر (٢) غير مسيّر،،انه يمارس أعماله الاختيارية بمحض إرادته ومشيئته.
ومن قائل بأن الإنسان ليس له من أعماله إلا الكسب (٣)، أى أن الله يخلق
_________________
(١) هذا مذهب الجبرية.
(٢) مذهب المعتزلة والإمامية.
(٣) رأى الأشاعرة.
[ ١٠٠ ]
الشىء عند مباشرته، أى أن الله يخلق الشبع عند الأكل، ويخلق المعرفة عند الدراسة، وهكذا .. وليس للعبد إلا الكسب، وبه يصح التكليف والثواب والعقاب والمدح والذم.
والذى نراه فى هذه القضية، ونختاره هو ما قرره الإسلام فيما يلى: