وحكمة ذلك: أن تنطلق قوى الإنسان وطاقاته لتعرف هذه السنن، ولتدرك
_________________
(١) سورة يس - الآية ٣٧ - ٤٠.
[ ٩٦ ]
هذه القوانين، وتعمل بمقتضاها فى البناء والتعمير، وفى استخراج كنوز الأرض والانتفاع بما أودع فى الكون من خيرات.
وبذلك يكون الإيمان بالقدر قوة باعثة على النشاط والعمل والإيجابية فى الحياة، كما أن الإيمان بالقدر يربط الإنسان برب هذا الوجود، فيرفع من نفسه إلى معالى الأمور: من الإباء والشجاعة والقوة، من أجل إحقاق الحق، والقيام بالواجب.
والإيمان بالقدر يُرى الإنسان أن كل شىء فى الوجود إنما يسير وفق حكمة عليا، فإذا مسّه الضر فإنه لا يجزع، وإذا صادفه التوفيق والنجاح فإنه لا يفرح ولا يبطر، وإذا برئ الإنسان من الجزع عند الإخفاق والفشل، ومن الفرح والبطر عند التوفيق والنجاح، كان إنسانًا سويًا متزنًا، بالغ منتهى السمو والرفعة، وهذا هو معنى قول الله سبحانه:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١).
هذا ما ينبغى أن نفهمه من القدر؛ وهو مقتضى فهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وفهم أصحابه ﵃ أجمعين.
وقد دخل رسول الله صلى الله علية وسلم يومًا على الإمام علىّ كرم الله وجهه بعد صلاة العشاء، فوجده قد بكر بالنوم، فقال له: «هلا قُمت من الليل؟» فقال: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، إن شاء بسطها، وإن
_________________
(١) سورة الحديد - الآية ٢٢، ٢٣.
[ ٩٧ ]
شاء قبضها .. فغضب رسول الله ﷺ وخرج وهو يضرف على فخذه ويقول: «﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (١)».
وسرق أحد اللصوص، فلما حضر بين يدى عمر ﵁ سأله: «لِمَ سرقت؟ «فقال: قدّر الله ذلك، فقال عمر ﵁: «اضربوه ثلاثين سوطًا، ثم اقطعوا يده «، فقيل له: ولِمَ؟ فقال: «يقطع لسرقته، ويضرب لكذبه على الله «.
إن القدر لا يتخذ سبيلًا إلى التواكل، ولا ذريعة إلى المعاصى، ولا طريقًا إلى القول بالجبر؛ وإنما يجب أن يتخذ سبيلًا إلى تحقيق الغايات الكبرى من جلائل الأعمال .. إن القدر يُدْفَع بالقدر، فيدفع قدر الجوع بقد الأكل، وقدر الظمأ بقدر الرىّ، وقدر المرض بقدر العلاج والصحة، وقدر الكسل بقدر النشاط والعمل.
ويُذكر أن أبا عبيدة بن الجراح قال لعمر بن الخطاب ﵁ حينما فرّ من الطاعون: أتفر من قدر الله؟ قال: «نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله «، أى يفر من قدر المرض والوباء إلى قدر الصحة والعافية .. ثم ضرب له مثلًا بالأرض الجدباء، والأرض الخصبة، وأنه إذا انتقل من الأرض الجدباء إلى الأرض الخصبة لترعى فيها إبله، فإنه ينتقل من قدر إلى قدر.
لقد كان يمكن للرسول وصحابته أن يستكينوا كما يستكين الضعفاء الواهنون، معللين أنفسهم بالفهم المغلوط الذى يتعلل به الفاشلون، ولكنه جاء يكشف عن وجه الصواب فلم يهن، ولم يضعف، واستعان بالقدر على تحقيق رسالته الكبرى، ملتزمًا سنة الله فى نصره لعباده.
فقاوم الفقر بالعمل، وقاوم الجهل بالعلم، وقاوم المرض بالعلاج، وقاوم الكفر والمعاصى بالجهاد، وكان يستعيذ بالله من الهم والحزن، والعجز والكسل.
_________________
(١) سورة الكهف - الآية ٥٤.
[ ٩٨ ]
وما غزواته المظفرة إلا مظهر من مظاهر إرادته العليا التى تجرى حسب مشيئة الله وقدره.
وقد حذر رسول الله صلى الله علية وسلم من أن يفهم فهمًا خاطئًا، ودعا إلى مجاهدة من يرى هذا الفهم الخطأ.
فقد روى عن جابر ﵁ عن النبى صلى الله علية وسلم أنه قال: «يكون فى آخر الزمان قوم يعملون المعاصى، ثم يقولون: الله قدّرها علينا، الرّادّ عليهم يومئذ كالشاهر سيفه فى سبيل الله».
هذا هو القدْر الذى ينبغى أن نعرفه عن القدَر، وما وراء هذه المعرفة عنه فلا يحل لنا البحث فيه ولا التنازع فى شأنه؛ فإن هذا من أسرار الله التى لا تحيط بها العقول، ولا تدركها الأفكار.
فعن أبى هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله صلى الله علية وسلم ونحن نتنازع فى القدر، فغضب حتى احمر وجهه، وقال: «أبهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من قبلكم حين تنازعوا فى هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه».
وفى هذا يقول صلى الله علية وسلم لمن سأله فى مثل هذا: طريق مظلم لا نسلكه، كرر عليه السؤال فقال: بحر عميق لا تمجه، كرر عليه السؤال فقال: سر الله قد خفى عليك فلا تفشه .. فمثل هذا النهى إنما ينصب على السؤال عن نظام الله فى الحياة والموت، وبسط الرزق وضيقه، وهكذا .. لا على الكلام فى القدر نفسه.