ومن دلائل الصدق على أن الرسول ﷺ إنما هو مرسل من عند الله ما يأتى:
أولًا: أنه كان زاهدًا فى الدنيا، فلم يكن يطلب على عمله أجرًا، فقد كان زاهدًا فى المال، وفى كل ما هو مادى، كما كان زاهدًا فى الجاه والمنصب.
[ ٢٠١ ]
أما زهده فى المال، فإن طبيعة حياته تدل على ذلك أبلغ دلالة، فهو لم يفترش الحرير، ولم يلبس الديباج، ولم يتزين بالذهب؛ كان بيته كأبسط بيوت الناس، وكان يمر عليه الشهران، ولا يوقد فى بيته نار؛ قال عروة وهو يسمع خالته عائشة تتحدث بهذا إليه: يا خالتى، ما كان يُعَيِّشُكم؟ قالت: إنما هما الأسودان: التمر والماء.
وذات مرة رأى عمر بن الخطاب الرسول ﷺ نائمًا على حصير بالية، وقد أثر فى جسمه، فبكى، فقال له الرسول: «ما يبكيك؟» فقال: ما بال كسرى وقيصر ينامان على الديباج والحرير، وأنت رسول الله يؤثر فى جنبك الحصير، فقال ﷺ: «يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟!».
ولقد جاءت الغنائم إلى الرسول ﷺ بعد انتصار المسلمين، فرأى نساؤه أن يستمتعن بشىء من هذه الغنائم، وطلبن منه أن يكون لهن نصيب منها، فإذا بالآية الكريمة ترد على سؤال هؤلاء النسوة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
فجمع الرسول ﷺ نساءه، وقال لهن: «هل تردن الله ورسوله والدار الآخرة؟ أم تردن الدنيا وشهواتها؟»
فاختارت كل واحدة منهن الله ورسوله والدار الآخرة، فمدحهن وأنزل فى حقهن:
_________________
(١) سورة الأحزاب - الآية ٢٨، ٢٩.
[ ٢٠٢ ]
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (١).
ولقد توفى رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودى، وقد عاش طول حياته وما شبع من خبز الشعير قط.
أما زهده فى الجاه، فهو يتمثل فى كل حال من أحواله.
أراد الصحابة أن يمتدحوه، ويثنوا عليه، فقال لهم ﷺ: «لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح بن مريم».
وجاءه الوليد بن المغيرة مندوبًا عن المشركين ليفاوضه، وعرض عليه من كل متع الحياة، فكان جوابه أن قرأ عليه افتتاحية سورة حم فصلت.
هذا هو الزهد الذى كان طبيعة من طبائع الرسول ﷺ.
ثانيًا: أنه كان أُمِّيًّا، وأقام هذه الأعمال الكبار وهى أُمّىّ لم يقرأ ولم يكتب، ولم يدخل معهدًا، ولم يتتلمذ على أستاذ؛ ولكنه نجح، وبلغ هذه المرتبة التى لم يبلغها أحد قبله، ولا أحد بعده.
والقرآن يسجل هذه الحقيقة ليجعلها أمارة صدقه ودليل أمانته، يقول الله ﷿:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ*صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ (٢).
_________________
(١) سورة الأحزاب - الآية ٣٢.
(٢) سورة الشورى - الآية ٥٢، ٥٣.
[ ٢٠٣ ]
وما كان الرسول ﷺ يعلم شيئًا من النبوة، ولا ما يتصل بالذات العلية، فجريان هذه الأعمال على يديه، إنما هو دليل الإعجاز؛ لأن المتعلمين الذين ينقطعون للعلم والبحث، ليعجزون أن يصنعوا شيئًا مما فعله الرسول ﷺ.
ولا ريب أن هذا تأييد وتوفيق من الله ﵎، والقرآن يقول:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١).
ولقد كان ذلك معروفًا لدى خصومه، وكان يواجههم به، ولم يستطع أحد منهم أن يشكك فى هذه الحقيقة السافرة، فيقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس: ١٥» قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
ثالثًا: الصدق، فلم يُعلم عن الرسول ﷺ أنه كذب قط قبل البعثة ولا بعدها، ولقد جاءه الوحى، فذهب إلى خديجة، وقال لها: «لقد خشيت على نفسى»، فقالت له: كلا والله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصدق
_________________
(١) سورة العنكبوت - الآية ٤٨.
(٢) سورة يونس - الآية ١٥، ١٦.
[ ٢٠٤ ]
الحديث، وتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتقرى الضيف، وتُكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر.
ولقد عرض الرسول ﷺ لأول عهده بالنبوة الإسلام على أبى بكر ﵁، فصدّقه لأول وهلة، وما توقف عن المسارعة إلى الإيمان به، لأنه كان يعلم صدقه وأمانته، ودخل أعرابى عليه، فنظر إليه فوجد الصدق يحوطه، فقال: والله ما هذا الوجه بوجه كذاب.