وإن علينا أن نسير على هدى هذه الصفات، ونستنير بها، ونتخذها مثلنا الأعلى، ونجعلها غايتنا، حتى نصل إلى أقصى درجات السمو النفسى والارتقاء الروحى.
وقد ألف حجة الإسلام الإمام الغزالى ﵀، كتاب (المقصد الأسنى)،
_________________
(١) سورة الأنعام - الآية ١٠٣.
(٢) سورة الشورى - الآية ١١.
(٣) سورة طه - الآية ١١٠.
[ ٧٢ ]
شرح فيه أسماء الله الحسنى، وبين حظ المؤمن من كل اسم، فينبغى الرجوع إليه، ونحن نقتبس من كتاب الدين الإسلامى ما يأتى:
فالله تعالى: رب العالمين .. وهذا مثل أعلى يجب على المؤمن أن يحتذى به، فيحسن تربية نفسه، وذوى قرباه، ويعمل على ما فيه الخير والفلاح.
والله تعالى: رحمن .. ينعم على مخلوقاته، ويظهر لهم حبه، دون أن يؤدوا عملًا يستحقون عليه ذلك، وهذا مثل أعلى يجب على الإنسان التحلى به، فيكون رحيمًا ببنى جنسه، يفعل الخير ابتغاء وجه ربه، لا رغبة فى اجتلاب نفع، أو خشية من مس ضر.
والله تعالى: رحيم .. يجازى الإنسان على عمله، وهذا مثل أعلى أيضًا يوجب على الإنسان أن يقابل الإحسان بالإحسان.
والله تعالى: مالك يوم الدين .. يحاسب الناس على أعمالهم، فيجازى المسىء لا شهوة فى الانتقام، بل بروح التسامح، كما يجب أن يعامل السيد الرحيم مَسوده، والوالد ولده، وهذا مثل أعلى آخر يوجب على الإنسان أن يكون متسامحًا وعفوًا فى معاملاته مع الناس.
هذه الصفات الأربع هى أبرز صفات الله العليا، ومثله العليا، وما يقال عنها يقال عن الصفات الأخرى.
فصفات الحب والرحمة التى هى: الرءوف، الودود، التوّاب، العفو، الشكور، السلام، المؤمن، البار، رفيع الدرجات، الرزاق، الوهاب، الواسع .. كلها صفات يجب على الإنسان اتخاذها نبراسًا للسير على هداها والتحلى بها كما قدمنا.
[ ٧٣ ]
وكذلك صفات العلم التى هى: العليم، الحكيم، السميع، البصير، الشهيد، الرقيب، الباطن .. فإنها صفات يجب على الإنسان أن يتبعها ليبلغ مبلغ العلم والحكمة، وأن الله تعالى جعل الإنسان خليفته فى الأرض، حيث قال:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١).
وميزه عن سائر المخلوقات، فعلمه الأسماء كلها، قال تعالى:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٢).
وفيما يختص بالحكمة، فقد أرسل الله رسولًا للناس، ليعلمهم الحكمة، قال تعالى:
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣).
وقال:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٤).
وقال:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٥).
_________________
(١) سورة البقرة - الآية ٣٠.
(٢) سورة البقرة - الآية ٣١.
(٣) سورة البقرة - الآية ١٥١.
(٤) سورة آل عمران - الآية ١٦٤.
(٥) سورة الجمعة - الآية ٢.
[ ٧٤ ]
وفيما يختص بصفات الله الدالة على قدرته وتدبيره، فقد أمر الملائكة بالسجود للإنسان، وسخر السماوات والأرض لخدمته ومنفعته، ولهذا يجب على الإنسان أن يتخذ من صفات الله تعالى مثلًا أعلى؛ ليكون أهلًا للقيام بما استخلف عليه، وسخر له، ونحن لا نعنى أن الإنسان باتخاذه صفات الله مثلًا عليًا يمكنه أن يبلغ درجة الكمال، وإنما نعنى أن على الإنسان أن يجعل هذه الصفات رائدة فى حياته؛ ليحيا بها حياة طيبة مبارك
[ ٧٥ ]