ما بعث رسول الله ﷺ إلا وقد أيده بالآيات الكونية والمعجزات المخالفة للسنن المعروفة للناس، والخارجة عن مقدور البشر، ليكون إظهارها على يديه مع بشريته دليلًا على أنه مرسل من عند الله.
فعدم حرق النار لإبراهيم ﵇، وناقة صالح ﵇، أو عصا موسى ﵇، وما ظهر على يدى عيسى ﵇ (٢) من العجائب، كلها من هذا القبيل.
_________________
(١) سورة آل عمران - الآية ٣٧.
(٢) كان السحر اشتهر فى عهد موسى - ﵇ -، وكان طب إنكار الروح فى عهد عيسى - ﵇ -، وكانت البلاغة فى عهد محمد ﷺ، فكانت معجزة كل نبى حسب ما اشتهر على عهده، مع ملاحظة أن المعجزة فوق مقدور البشر، فهى أعلى مستوى وأرفع قدرًا.
[ ٢١٥ ]
وكانت الآيات حسية يوم أن كان العقل الإنسانى فى الطور الذى لم يبلغ فيه الرشد بعد، ويوم أن كانت هذه العجائب تبلغ من نفسية الجماهير مبلغًا لا تملك معه إلا الإذعان والتسليم.
فلما بدأ النوع الإنسانى يدخل فى سن الرشد، وبدأت الحياة العقلية تأخذ طريقها إلى الظهور والنماء، لم تعد تلك العجائب هى الأدلة الوحيدة على صدق الرسالة.
ولم يعد من السهل على العقل أن يذعن لمجرد شىء رآه خارجًا عن عرف الحياة.
إنه يريد شيئًا جديدًا يتناسب والطور الذى وصل إليه؛ يريد الإيمان الذى لا تخالطه الشكوك، واليقين الذى يبدد ظلام الشبهات.
وما كان الله ليمد النوع الإنسانى فى طفولته بما يحفظ به حياته الروحية، ثم يدعه بعد أن أخذ سبيله إلى النظر العقلى، والاستقلال الفكرى، دون أن يقيم له من الأدلة ما يتناسب والارتقاء الذى انتهى إليه، فكان أن بعث محمدًا ﷺ، وأيده بالمعجزة العلمية، والحجة العقلية، وهو القرآن الكريم.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١).
وروى البخارى ومسلم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: «ما من الأنبياء نبى إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيته وحيًا أوحاه الله إلىّ، فـ أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»
وهذا القرآن ليس من تأليف أحد، إنما هو وحى الله أنزله على أكمل صورة من صور الوحى.
_________________
(١) سورة الإسراء - الآية ٨٨.
[ ٢١٦ ]
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١).
فالآية تقرر أنواع الوحى الثلاثة:
١ - وحيًا، أى إلقاء المعنى فى القلب، المعبر عنه بالنفث فى الروع؛ وفى الحديث: «إن روح القدس نفث فى رُوعى أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب».
٢ - الكلام من وراء حجاب، وهو أن يسمع الموحى إليه كلام الله، من حيث لا يراه، كما سمع موسى ﵇ النداء من وراء الشجرة.
﴿قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ *فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
٣ - ما يلقيه ملك الوحى المرسل من الله إلى رسوله، فيراه متمثلًا بصورة رجل أو غير متمثل.
روى البخارى عن عائشة ﵂، أن الحارث بن هشام، سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال: «أحيانًا يـ أتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علىّ، فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لى الملك رجلًا، فيكلمنى فـ أعى ما يقول»،
_________________
(١) سورة الشورى - الآية ٥١.
(٢) سورة القصص - الآية ٢٩، ٣٠.
[ ٢١٧ ]
قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا.
وأكمل هذه الأنواع هو إرسال الرسول بالوحى.
وهذه الصورة هى التى نزل بها القرآن الكريم، فقد نزل بواسطة جبريل ﵇.
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١).
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
جاء هذا الوحى ثورة على الباطل فى كل صوره، وعلى الفساد فى جميع مظاهره، فثار على الخرافات التى لوثت العقول، وعلى الانحراف الذى شوه الفطر، كما ثار على العرف الفاسد الذى عطل حرية الفكر واستقلال الإرادة.
ثار على هذا كله ثورة عاتية دمرت كل معالم الشر، ومحت كل لون من ألوان الفساد، واستبدل بها الحقائق التى تهدى العقل، وتنير الضمير، وتسمو بالنفس، لتصل إلى أقصى ما قدر لها من الكمال الإنسانى.
ولم تكن هذه الثورة تستهدف مصلحة ذاتية، ولا منفعة وطنية، ولا ترجيح
_________________
(١) سورة الشعراء - الآية ١٩٢ - ١٩٥.
(٢) سورة البقرة - الآية ٩٧.
[ ٢١٨ ]
كفة جماعة حاكمة على كفة جماعة أخرى، ولا إيثار مذهب على مذهب، وإنما كانت لخير العالم كله، ومصلحة الناس جميعًا.
جاء هذا الوحى ليحل المشكلات التى أعضلت الناس قديمًا وحديثًا؛ وليجيب على كل سؤال من هذه الأسئلة:
١ - ما هو الدين؟ وما مبادئه؟
٢ - من هو الله؟ وما صفاته؟
٣ - ما هى الرسالة؟ ومن هم الرسل؟ وما وظائفهم؟
٤ - ما ماهية الحياة بعد الموت؟
٥ - ما هو الخير؟ وما هو الشر؟
٦ - لماذا خلق الإنسان؟ وما مركزه فى الكون؟
٧ - ما علاقة الإنسان بغيره؟ وما علاقة الأمم والشعوب بعضها ببعض؟
٨ - ما علاقة الرجل بالمرأة؟
٩ - ما هى الثروة؟ وما مصدرها؟ وما هى كيفية توزيعها؟
١٠ - ما هى الحياة الطيبة؟ وما السبيل إليها؟
وهكذا يمضى القرآن يضع أمام العقل الإنسانى مئات المسائل التى لا يستغنى عنها فى دور العلم والفلسفة، والتى تعجز جميع العقول الإنسانية عن الإحاطة بعشر معشارها، فضلًا عن الإحاطة بها كلها، والتى يحتاج إليها فى قطع مرحلة هذه الحياة لتكون أعلامًا هادية، تجنبه الضلال فى شئون الدين والانحراف فى تقلبات الدنيا.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (١).
_________________
(١) سورة لقمان - الآية ٢٧.
[ ٢١٩ ]
كل هذه المسائل، جاءت فى أسلوب بلاغى رائع، يملك على المرء حسه، ويستولى على مشاعره، ويوقظ حواس الخير فيه، مع بعده عن الاختلاف، وسلامته من التناقض.
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (١).
إنه لم يعرف لكتاب من الكتب مثل ما لهذا القرآن، من سمو الموضوع، وسحر البيان، وقوة التأثير، مما وجه عناية العلماء إلى الاهتمام بدراسته من حيث ألفاظه، ومعانيه، وعقائده، وآدابه، وأحكامه، وتشريعاته؛ فخلقوا بهذه الدراسة ثروة ضخمة من العلم والأدب، لا تزال ولن تزال المادة الصالحة لقيام حضارة إنسانية ينعم فيها البشر بحياة أفضل وعيش أرغد.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٢).
هذه هى المعجزة التى أيد الله بها نبيه الأمىّ، والتى غير بها نفوسًا، وأحيا قلوبًا، وأنار بصائر، وربى أمة، وكون دولة، فى سِنِى تعد على الأصابع.
إذا كان قلب العصا حية معجزة، فإن تغيير العقول والقلوب أبلغ فى الإعجاز.
وإذا كان إحياء الميت من الخوارق التى أيد الله بها بعض أنبيائه، فإن إحياء أمة أمّية من الجهل والرذيلة، وجعلها مصدر إشعاع وهداية، هو الخارق الذى تتضاءل فى جوانبه جميع المعجزات.
الله أكبر إن دين محمد وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكر الكتب السوالف عنده طلع الصباح فأطفئ القنديلا
_________________
(١) سورة النساء - الآية ٨٢.
(٢) سورة الشورى - الآية ٥٢.
[ ٢٢٠ ]