إن الله لم يذكر فى القرآن النفس الأمارة بالسوء، ولا النفس اللوامة إلا مرة واحدة، ولكنه ذكر الشيطان وكرر التحذير منه فى صور متنوعة، وما فعل ذلك إلا ليكون الإنسان منه على حذر، كى لا يضل، ولا يشقى؛ ذلك أن عمل الشيطان فى النفس مثل عمل الميكروب فى الجسم، والميكروب ينتهز فرصة ضعف الجسم فيهجم عليه محاولًا القضاء عليه والفتك به، ولا خلاص للجسم من عمل الميكروب إلا إذا كانت له حصانة، وفيه مناعة تبطل عمل الميكروب، وتقضى على ضراوته.
وكذلك الشيطان ينتهز فرصة ضعف النفس ومرضها، فيهجم عليها محاولًا إفسادها.
[ ١٥٣ ]
ولا خلاص منه إلا إذا صحت النفس من أمراضها، التى هى المداخل الحقيقية للشيطان ووسوسته.
وأمراض النفس التى هى مداخل الشيطان هى نقائص الإنسان التى يجب عليه أن يتخلص منها حتى لا يكون للشيطان سبيل عليه، وهذه الأمراض أو هذه النقائص هى - على سبيل المثال لا الحصر (١) -: الضعف، واليأس، والقنوط، والبطر، والفرح، والعجب، والفخر، والظلم، والبغى، والجحود، والكنود، والعجلة، والطيش، والسفه، والبخل، والشح، والحرص، والجدل، والمراء، والشك، والريبة، والجهل، والغفلة، واللدد فى الخصومة، والغرور، والادعاء الكاذب، والهلع، والجزع، والمنع، والتمرد، والعناد، والطغيان، وتجاوز الحدود، وحب المال، والافتتان بالدنيا .. فهذه هى أمراض النفس، وبواسطتها يتدخل الشيطان ليدمر حياة الإنسان، وليزحزحه عن فضائله العليا، ولا سبيل إلى طرده ومعالجة وسوسته وإغرائه إلا إذا عولجت النفس أولًا عن طريق المجاهدة، حتى تبرأ من هذه الأمراض جميعها، وتعود إليها الصحة والعافية، وتكون نفسًا مطمئنة بالحق والخير.
وحينئذ يكون ذكر الله، والاستعاذة به من الشيطان، والتبرى من الحول والقوة، وإسلام الوجه لقيوم السماوات والأرض، مما يقوّى من معنويات الإنسان ويرفع من مستواه الروحى، حتى يصل الإنسان إلى درجة يخاف فيها الشيطان من أن يلقاه فى طريق من الطرق، كما حدث لعمر بن الخطاب ﵁ ..
روى البخارى ومسلم أن رسول الله ﷺ قال لعمر: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا (٢)، إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ».
_________________
(١) يراجع كتابنا عناصر القوة.
(٢) فجًا: طريقًا.
[ ١٥٤ ]
إن سعادة الإنسان لا تتم إلا بكبح جماح النفس، والتغلب على هواها باتباع وحى الله، ومحاربة نزغات الشيطان.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (١).
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *إِلَهِ النَّاسِ *مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *﴾ (٢).