الفصل السادس: في أمره ﷺ عند الاختلاف بالتمسك بسنته وسنة خلفائه الراشدين، التي هي منهاج النجاة والهداية، وتحذيره من ارتكاب البدع التي هي سبيل الضلالة والغواية
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء:٥٩) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيل لهُمْ تَعَالوْا إِلى مَا أَنْزَل اللَّهُ وَإِلى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (النساء:٦١) وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية ٦٤) وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:٦٥) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِليْكُمْ نُورًا مُبِينًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِليْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (النساء: ١٧٤-١٧٥) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِليْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ إلى قوله ﴿وَاتَّبِعُوهُ لعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِليْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: من الآية ١) وقال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: من الآية ٦٧) وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولهُ فَقَدْ ضَلَّ
[ ١٣٥ ]
ضَلالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب:٣٦) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب:٤٦) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لتَهْدِي إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (الشورى:٥٣) .
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من رواية ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" زاد ابن ماجة "فقد تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (١) .
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه الكريم، الهادي إلى سبل السلام والصراط المستقيم، واعتصموا به؛ فإنه الحبل المتين، والنور الواضح المبين، والشفاء لما في الصدور، والمخرج من الظلمات إلى النور. فمن ترك العمل ببراهينه وحججه، وعدل عن قيم منهجه، فقد نبذه وراء ظهره، واتخذه نسيا منسيا، وتوغل في غلو كفره، وسوف يلقون غيا.
﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ أي: تمسكوا بسنته المضيئة النوار، وخذوا بطريقته الوضيئة المنارة السمحة الرافعة للأغلال والآصار، فمن لزمها فاز بالرضوان والسلامة، في دار النعيم والمقامة، ومن أخطأها فقد باء بالخسران والندامة.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، ورواه أيضا أحمد ٤/١٢٦-١٢٧، وابن ماجة (٤٣) و(٤٤) قال الترمذي: حسن صحيح.
[ ١٣٦ ]
وقد قرن الله تعالى في كتابه طاعته بطاعة نبيه المصطفى، وكفى بذلك لجنابه شرفا، وبين في كثير من الآيات أن من أطاع رسوله فقد أطاعه، ومن عصى أمره فقد عصى الله وأضاعه. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله" (١) .
وقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ المراد بهم أمراء المسلمين في عهد الرسول (ﷺ وكذلك بعده؛ لأن السبب وإن كان خاصا فالحكم عام قطعا.
فقد روى البخاري عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس، إذ بعثه النبي ﷺ في سرية (٢) . وروى الإمام أحمد بسنده عن علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال: أليس قد أمركم رسول الله أن تطيعوني قالوا: بلى قال: فأجمعوا لي حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: قد عزمت عليكم لتدخلنها قال شاب: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها قال: فرجعوا إلى النبي ﷺ فقال لهم: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف". وقد خرجاه أيضا في الصحيحين (٣) . وقد دلت الآية على وجوب طاعة الأمراء في زمن النبي ﷺ وبعده، ويندرج في ذلك القضاة وأمراء السرايا. وفي الحديث: "من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني" (٤) .
_________________
(١) رواه البخاري (٧١٣٧) ومسلم (١٨٣٥) .
(٢) رواه البخاري (٤٥٨٤) ومسلم (١٨٤٣) .
(٣) رواه البخاري (٢٧٢٦) ومسلم (١٨٤٠) .
(٤) رواه البخاري (٧١٣٧) ومسلم (١٨٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٣٧ ]
وصرحت الأحاديث على أن وجوب طاعتهم في غير المعصية.
فقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ أي: وأطيعوا أولي الأمر فيما أمروكم به من طاعة الله تعالى لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (١) . وعن أبي هريرة أن النبي - قال: "سيلي عليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم" (٢) .
وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من رأى من أمير شيئا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية" (٣) .
وقيل: المراد ب ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ أهل الفقه والدين، روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء والحسن وأبو العالية قال الحافظ ابن كثير: "والظاهر أنها عامة في كل من ولي أمرا كالأمراء والعلماء، قال الله تعالى: ﴿لوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ (المائدة: من الآية ٦٣) وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلمُونَ﴾ (الأنبياء: ٧) وقوله:
_________________
(١) رواه البخاري (٦٧٢٥) ومسلم (١٨٣٩) من حديث ابن عمر ﵁.
(٢) رواه الدارقطني (٢/٥٥) وابن جرير في تفسيره (٨/٥٠٢) والحديث فيه عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، قال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات.
(٣) رواه البخاري (٦١٤٦) ومسلم (١٨٤٩) .
[ ١٣٨ ]
﴿ِِِِِِِِِِفَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: من الآية ٥٩)، قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله" (١)
أمر الله تعالى عباده المؤمنين إذا اختلفوا في فرع أو أصل من أصول الدين أمر إلزام وإيجاب أن يرجعوا في ذلك الأمر الكتاب وسنة الرسول الكاشفة لكثيف الحجاب، الجالية دياجر الشك والارتياب، المسفرة بضياء الحق والصواب، فبهما يكون فصل الخطاب. فما شهد له بالصحة فهو الحق الذي هم فيه مختلفون وماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون. ويشهد لذلك قوله: ﴿وَمَا اخْتَلفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلى اللَّهِ﴾ (الشورى: من الآية ١٠) أي: فما حكم به من كتاب الله وسنة الرسول هو فصل التنازع، فلا يجوز عنه العدول، فمن لم يرض بهما حكما عند النزاع، فهو كافر مباح الدم والمال بالإجماع. ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ . فإن الإيمان يوجب ذلك. وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهم في فصل النزاع في فروع الدين وأصوله. ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: أحسن مآلا ومآبا، أو أحسن جزاء وثوابا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيل لهُمْ تَعَالوْا إِلى مَا أَنْزَل اللَّهُ﴾ (النساء:٦١) سبب نزول هذه الآية والتي قبلها، أن منافقا ويهوديا تخاصما، واليهودي يريد النبي، والمنافق يريد كعب بن الأشرف، ثم تراضيا عمر بن الخطاب، فلما استقرأ حالهما قتل المنافق، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله. وقيل: نزلت في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/٣٠٣-٣٠٤) .
[ ١٣٩ ]
أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. والآية كما قال ابن كثير أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل (١) .
وقوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (النساء: من الآية ٦١) أي يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك، ويقولون ما ذكر الله عنهم ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَليْهِ آبَاءَنَا﴾ (البقرة: من الآية ١٧٠) وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (النور: من الآية ٥١) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية ٦٤) أي: فرضت طاعته على من أرسلتهم إليهم، وأوجبت ذلك عليهم، ولكن لا يطيع أحد إلا بإذني، وبتوفيقي ومشيئتي.
وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: من الآية ٦٥) أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي تنشرح به الصدور، ويجب له في الظاهر والباطن الانقياد، والرضا بما حكم والتسليم وعدم الحرج والانتقاد. فيتلقى بالقبول من غير ممانعة، ولا مدافعة ولا منازعة. ويشهد لهذا ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". (٢)
وسبب نزول هذه الآية كما رواه البخاري عن عروة قال: خاصم الزبير
_________________
(١) انظر: تفسير القران العظيم (٢/٣٠٤-٤٠٥) .
(٢) تقدم تخريجه ص٧٧.
[ ١٤٠ ]
رجلا من الأنصار في شراج (١) من الحرة فقال النبي ﷺ: "اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك" فقال الأنصاري: إن كان ابن عمتك، فتلون وجه النبي ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى ترجع إلى الجدار ثم أرسل الماء إلى جارك" (٢) الحديث.
وقد نزلت في الزبير وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء، فقضى النبي أن يسقي الأعلى ثم الأسفل. (٣)
وهذه الآية أيضا كما ترى صريحة الدلالة على أن من لم يرض بتحكيم سنته فإنه كافر يستوجب القتل؛ لأن من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى﴾ (النساء: من الآية ١١٥) أي: ومن سلك غير الطريقة التي أوضحها الرسول، والشريعة التي كل ما سواه غير مقبول، من بعد ما اتضح له الهدى، وتبين له الضلال والردى، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون المخالفة لإجماع الأمة؛ لأنه كالنص القاطع؛ لأن الله تعالى قد عصمها أن تجتمع على ضلالة، فلا يظهر على أهل الحق أهل الجهالة، ولا يكون الحق مهجورا في جميع الأمصار والأعصار. ومن قال غير هذا فهو مخالف لما صح في الأحاديث والأخبار، وتواترت به الآثار، بل زايغ عن سبيل نبيه المختار. قوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي نجعله واليا لما تولى من الضلال والآصار،
_________________
(١) الشراج هو مسيل الماء والحرة: موضع معروف بالمدينة.
(٢) رواه البخاري (٢٢٣١) ومسلم (٢٣٥٧) .
(٣) وهذا قول سعيد بن المسيب كما رواه ابن أبي حاتم، قال ابن كثير في تفسيره ٢/٣٠٨: "هذا مرسل ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري".
[ ١٤١ ]
ونخلي بينه وبين ما أحبه واختاره ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ندخله ونعذبه في النار ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ للمنافقين والكفار. (١)
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (النساء: من الآية ١٧٤) هذا خطاب من الله لجميع الناس وإخبار بأنهم قد جاءهم برهان، وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِليْكُمْ نُورًا مُبينا﴾ ضياء واضحا، قال غير واحد: هو القران.
والبرهان: قيل إنه الرسول أيضا، ثم بين صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾، فاخبر أنهم في الدنيا في منهاج الاستقامة وطريق السلامة، وفي الآخرة على الصراط المستقيم، المفضي به إلى روضات النعيم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِليْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٨) أي: قل يا محمد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الآية وهذا خطاب للأسود، والحمر، والعربي، والعجمي، وهذا من شرفه أنه خاتم النبيين، وانه مبعوث إلى الناس كافة، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ثم لا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" رواه الإمام أحمد (٢) .
وقوله تعالى: ﴿وماكَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ (الأحزاب: من الآية ٣٦) أي: ما صح له ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ أي: إذا قضى رسول الله وإنما ذكر الله تعالى لتعظيم أمر الرسول، وللإعلام بأن قضاءه الذي يقضي به وحكمه الذي يحكم به أنه قضاء الله تعالى فلا يجوز عنه العدول، لأنه
_________________
(١) هذا استدراك من الناسخ.
(٢) رواه مسلم (١٥٣) واحمد ٢/٣١٧.
[ ١٤٢ ]
لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
وقوله: ﴿أنْ يَكُونَ لهُمُ الْخِيَرة﴾ يعني: أن يختاروا من أمرهم شيئا، بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله ورسوله، والخيرة: (كعنبة) ما يتخير.
وقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ﴾ أي: إلى توحيده وعبادته ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بتيسيره، ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب:٤٦) يستضاء به عن ظلمات الجهالة والردى، وتقتبس من أنوار الهدى. ومن كان برهانا على جميع الخلق كان حقيقا بان يكتفي به عن غيره.
قول العرباض: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة" في رواية أحمد وأبي داود والترمذي "بليغة" وفي رواية: "أن ذلك كان بعد صلاة الصبح"، وكان كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة كالجمعة والأعياد، وقد أمره الله تعالى بذلك فقال: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (النساء: من الآية ٦٣)، وقال: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) ولكنه كان لا يديم وعظهم بل يتخولهم به إحيانا والبلاغة في الموعظة مستحسنة؛ لأنها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها.
والبلاغة: هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع وأوقعها للقلوب، وكان يقصر خطبته ولا يطيلها، بل كان يبلغ ويجيز.
وقوله: "ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب" هذان الوصفان مدح الله تعالى بهما المؤمنين عند سماع الذكر كما قال ﷿: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (لأنفال: من الآية ٢) وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا
[ ١٤٣ ]
ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحج: الآية ٣٤-٣٥) وقال: ﴿أَلمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَل مِنَ الْحَقِّ﴾ (الحديد: من الآية ١٦) وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّل أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزمر: من الآية ٢٣) وكان النبي ﷺ يتغير حاله عند الموعظة كما قال جابر: "كان النبي ﷺ إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه، وعلا صوته، واحمرت عيناه، كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم". خرجه البخاري ومسلم (١)
وقوله: "يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا" يدل على أنه ﷺ قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها، فلذلك فهموا أنها موعظة مودع؛ فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل، وكذلك أمر النبي ﷺ أن يصلي صلاة مودع؛ لأن من استشعر أنه مودع بصلاته أتقنها على أكمل وجهها، ولربما كان قد وقع منه تعريض بالتوديع في تلك الخطبة، كما عرض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال: "لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" (٢) وطفق يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، ولما رجع من حجه إلى المدينة، جمع الناس بماء بين مكة والمدينة يسمى خما، وخطبهم فقال: "يا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب" ثم حض على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته. خرجه مسلم. (٣) (٤) .
_________________
(١) رواه مسلم بمعناه (٨٦٧) ولم أجده عند البخاري.
(٢) رواه مسلم (١٢٩٧) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٣) برقم (٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم.
(٤) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/١١٢) بتصرف.
[ ١٤٤ ]
وقولهم: (فأوصانا) يريدون وصية جامعة كافية، فإنهم لما فهموا أنه مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده، ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها، وسعادة له في الدنيا والآخرة.
وقوله ﷺ: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة" هاتان كلمتان جامعتان للشرف والسيادة، والفوز والسعادة، وبهما تنال الدرجة العالية الطولة في الآخرة والأولى (١) .
أما التقوى فهي أشرف الخصال وأسناها، وأجلها قدرا وأسماها، بل كل مكرمة ناشئة عنها، وكل منقبة فاشية منها، وناهيك بها من خصلة خصها الله تعالى بالوصية، وعم الإيصاء بها الأولين والآخرين من البرية، فقال: ﴿وَلقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا﴾ (النساء: من الآية ١٣١) .
واصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقية من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.
وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله تعالى كقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِليْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (المجادلة: من الآية ٩) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر:١٨)، فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه، فالمعنى: اتقوا سخطه وغضبه، وهو أعظم ما يتقي، وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي. قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (آل عمران: من الآية ٢٨) وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (المدثر: من الآية ٥٦) فهو ﷻ أهل أن يخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عباده، حتى يعبدوه ويطيعوه، لما يستحقه من الإجلال والإكرام
_________________
(١) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/١١٦) .
[ ١٤٥ ]
وصفات الكبرياء والعظمة، وقوة البطش وشدة البأس.
ففي الحديث عن أنس عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن أغفر له" (١) .
وتارة تضاف إلى عقاب الله، وإلى ما كان عقابه وزمانه. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران:١٣١) وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٨١) ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (البقرة: من الآية ٤٨) .
قال معاذ بن جبل: "ينادى يوم القيامة أين المتقون؟ فيقومون في كنف الرحمن لا يحتجب عنهم ولا يستتر، قالوا له: من المتقون قال: قوم ألغوا الشرك وعبادة الأوثان واخلصوا لله بالعبادة" (٢) . فأعظم ما يتقى الشرك؛ لأنه الذنب الذي لا يغفر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: من الآية ٤٨) وحرم الله على من أشرك به في عبادته الجنة كما قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَليْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (المائدة: من الآية ٧٢) .
وفي البخاري عن ابن مسعود عن النبي ﷺ: "من مات وهو يدعوا لله ندا دخل النار" (٣) .
وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار". (٤)
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٣٢٨) وقال: هذا حديث حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي في الحديث قد تفرد بهذا الحديث عن ثابت.
(٢) انظر فيما تقدم: جامع العلوم والحكم (١٣٩٨-٤٠٠) .
(٣) برقم (٤٤٩٧) .
(٤) برقم (٩٣) .
[ ١٤٦ ]
قال ابن عباس: "المتقون الذي يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به".
وقال الحسن: "المتقون اتقوا ما حرم عليهم، وأدوا ما افترض عليهم".
وفي الحديث: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس" (١) . وحديث: "من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" (٢) .
وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٢) قال: "أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر". خرجه الحاكم (٣) وشكره يدخل في جميع فعل الطاعات.
ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته، وسكناته، وكلماته، فيمتثلها، ونواهيه في ذلك كله فيجتنبها، وحقيقتها. اجتناب المناهي وامتثال الأوامر في الباطن والظاهر. (٤)
فبالجملة: هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسوله لأمته.
وكان ﷺ إذا أمر أميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا (٥) .
وفي حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله أوصني قال: "أوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأس الأمر كله". وهو حديث طويل خرجه ابن حبان (٦) .
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجة (٤٢١٥)، وقال الترمذي: حسن غريب مع ان في سنده عبد الله بن يزيد الدمشقي وهو ضعيف.
(٢) رواه البخاري (٥٢) و(٢٠٥١)، ومسلم (١٥٩٩) .
(٣) رواه الحاكم (٥/٢٩٤) .
(٤) انظر: جامع العلوم والحكم (١/٤٠١-٤٠٢) . بتصرف.
(٥) قطعة من حديث مطول رواه مسلم (١٧٣١) من حديث بريدة ﵁.
(٦) رقم (٣٦١) وهو حديث ضعيف. فيه إبراهيم بن يحيى الغساني، قال أبو حاتم: كذاب، وقال الذهبي: متروك.
[ ١٤٧ ]
وحديث معاذ بن جبل: "اتق الله حيث ما كنت".
وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قلت يا رسول الله، أوصني قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنها رأس كل شيء، وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام" وفي رواية: "عليك بتقوى الله، فإنه جماع كل خير" (١) .
وخرج الترمذي عن يزيد بن سلمة أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني سمعت منك حديثا كثيرا فأخاف أن ينسيني أوله آخره، فحدثني بكلمة تكون جماعا قال: "اتق الله فيما تعلم". (٢) .
ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها، ويوصون بها في خطبهم.
والتقوى في السر: هي علامة كمال الإيمان، ولها تأثير عظيم في إلقاء الله تعالى لصاحبها المحبة والثناء في قلوب المؤمنين.
ويدل على ذلك قوله جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (مريم:٩٦) .
وحديث: "إذا أحب الله تعالى عبدا نادى جبريل أني أحب فلانا إلى آخر قوله فيوضع له القبول" (٣) .
قال أبو الدرداء: "ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله تعالى البغض في قلوب المؤمنين".
_________________
(١) (٣/٨٢) عن حسين بن الوليد القرشي، عن إسماعيل بن عياش، عن الحجاج بن مروان الكلاعي، وعن عقيل بن مدرك السلمي عن أبي سعيد الخدري. وهذا سند صحيح.
(٢) رواه الترمذي (٢٦٨٣) وقال: ليس إسناده بمتصل هو عندي مرسل، سعيد بن عمرو بن أشوع رواية عن يزيد بن سلمة لم يدركه.
(٣) رواه البخاري (٣٠٣٧) ومسلم (٢٦٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٤٨ ]
وقال سليمان التيمي: "إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته". وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرات العمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار، فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله، فإن من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامد الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذاما. (١)
انتهى الكلام على التقوى، ومقامها يستدعي الإطناب لا الاختصار، ولكن لا يليق بهذه الأوراق إلا الاقتصار، ولو تتبعنا ما ورد فيها من الآيات والأخبار، وما ثبت عن السلف الصالح فيها من الآثار، لاستدعى حمله من الأسفار.
وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما قال علي ﵁: "إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر، إن كان فاجرا عبد المؤمن فيه ربه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله" (٢) .
وقال الحسن في الأمراء: "هم يلون من أمورنا خمسا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن والله إن طاعتهم لغيظ وأن فرقتهم لكفر".
وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي أمامة قال: سمعت
_________________
(١) انظر: جامع العلوم والحكم (١/٤١٠-٤١١) بتصرف.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ١٥/٣٢٨ بنحوه.
[ ١٤٩ ]
رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: "اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم" (١) .
وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا، وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا، وسمع وأطاع فله الجنة، أو دخل الجنة" (٢) .
وقوله ﷺ: "وإن تأمر عليكم عبد" وفي رواية "حبشي" هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي ﷺ وهو مما اطلع الله تعالى النبي ﷺ من أمر أمته بعده، وولاية العبيد عليهم، وفي صحيح البخاري عن أنس عن النبي ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن أستعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" (٣) .
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "إن خليلي ﷺ أوصاني أن أسمع وأطيع ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف" (٤) (٥) .
والأحاديث في هذا كثيرة لا تحصى، والآثار لا تعد ولا تستقصى.
_________________
(١) رواه أحمد (٥/٢٥١)، والترمذي (٦١٦) والحاكم (١/٩) والطبراني في الكبير (٧٥٣٥) وقال الترمذي: حسن صحيح وصححه ابن حبان (٤٥٦٣) .
(٢) رواه أحمد ٢/٣٦١/٣٦٢، وذكره الهيثمي في المجمع ١/١٠٣ وقال: فيه بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد عنعن، وذكره أيضا ١٠/١٨٨-١٨٩ وقال: فيه بقية وهو ضعيف.
(٣) رواه البخاري (٧١٤٢) .
(٤) رواه مسلم (٦٤٨) .
(٥) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/١١٨-١١٩) بتصرف.
[ ١٥٠ ]
وقوله ﷺ: "فمن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ".
هذا إخبار منه ﷺ بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي من كان على ما هو عليه وأصحابه. وكذلك في هذا الحديث الأمر عند الاختلاف والافتراق بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده.
والسنة هي: الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة. ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون السنة إلا على ما يشمل ذلك، وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين، والمخالف على خطر عظيم.
وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في طاعة الله تعالى، كما صح عنه أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف" (١) .
وفي المسند عن انس أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله، أرأيت إن كانت علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال: "سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون من السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها" فقلت: يا رسول الله، إن
_________________
(١) رواه البخاري (٤٣٤٠) ومسلم (١٨٤٠) من حديث علي ﵁.
[ ١٥١ ]
أدركتهم كيف أفعل؟ قال: "لا طاعة لمن عصى الله" (١) .
وفي أمره ﷺ باتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عموما دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة كاتباع سنته، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور.
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا بالذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، وتمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه". وفي رواية "تمسكوا بعهد ابن أم عبد واهتدوا بهدي عمار" (٢) .
فنص ﷺ في آخر عمره على من يقتدي به من بعده، والخلفاء الراشدون الذين أمر الاقتداء بهم هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فإن حديث سفينة عن النبي ﷺ: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا". (٣)
_________________
(١) المؤلف﵀- خلط بين حديثين، وذلك من جراء النقل ولعلها زلة قلم منه ﵀- أو من الناسخ، فالحديث الأول وهو حديث أنس أن معاذ قوله: "فما تأمرهم في أمرهم؟ قال رسول الله ﷺ: "لا طاعة لمن لم يطع الله ﷿" وهذا الحديث رواه أحمد ٣/٢١٣. والحديث الثاني: وهو ما أخرجه ابن ماجة (٢٨٦٥) من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "سيلي أموركم " الحديث وقد رواه أحمد وابنه عبد الله ١/٣٩٩-٤٠٠، والطبراني في الكبير (١٠٣٦١) وهو حديث صحيح.
(٢) رواه أحمد (٥/٣٨٢-٣٩٩-٤٠٠) والترمذي (٣٦٦٣)، وابن ماجة (٩٧) وصححه ابن حبان (٦٩٠٢) .
(٣) رواه أحمد (٥/٢٢٠-٢٢١) وأبو داود (٤٦٣٧) وقد صحح الحديث الإمام احمد ﵀ كما نقله الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/١٢٢) .
[ ١٥٢ ]
قال مالك ﵀: "قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، قوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها، فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا" (١) .
وقال خلف بن خليفة: "شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله ﷺ وصاحباه، فهو وظيفة دين نأخذ به وننتهي إليه" (٢) .
وقد روى أبو نعيم من حديث عفيف الكندي (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "إنه سيحدث بعدي أشياء فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر".
وكان علي يتبع أحكامه وقضاياه ويقول: "إن عمر كان رشيد الأمر" (٤) .
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدر المنثور ٢/٦٨٦.
(٢) رواه أبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٨.
(٣) الصواب أن الحديث رواه أبو عفيف عن عرزب الكندي كما هو موجود في الإصابة (٤/٤٨٣) وقال ابن حجر في الإصابة: "عزرب براء ثم زاي وزن أحمد الكندي عداده في أهل الشام، ذكره البخاري وابن السكن وغيرهما وقال ابن حبان يقال إن له صحبة، وروى ابن منده من طريق محمد بن شعيب بن سابور عن يوسف بن سعيد عن عبد الملك بن أبي عباس الخذامي أبي عفيف عن عرزب الكندي أن رسول الله ﷺ قال إنه سيحدث بعدي أشياء فأحبها أن تلزموا ما أحدث عمر، قال محمد بن عيب، وأخبرني خلف بن أبي بديل عن أبي عفيف مثله، وقال أبو حاتم الرازي: عبد الملك أبو عفيف مجهول وشيخ لا يعرف) .
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١٢/٣٢.
[ ١٥٣ ]
وروى أشعث عن الشعبي قال: إذا اختلف الناس في شيء، فانظر عمر فخذوا به" (١) . وكذا قال أيوب عنه.
وروي عن ابن مسعود أنه كان يحلف بالله: "إن الصراط المستقيم هو الذين ثبت عليه عمر حتى دخل الجنة" (٢) .
وبكل حال فما جمع عليه عمر الصحابة، فاجتمعوا عليه في عصره فلا شك أنه الحق، ولو خالف فيه بعد ذلك من خالف. وإنما وصف الخلفاء بالراشدين؛ لأنهم عرفوا الحق وقضوا به، والراشد ضد الغاوي، والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه (٣) .
وفي رواية "المهديين" يعني: أن الله تعالى يهديهم للحق، ولا يضلهم عنه، فالأقسام ثلاثة: راشد، وغاو، وضال، فالراشد عرف الحق واتبعه، والغوي: عرف الحق ولم يتبعه، والضال: لم يعرفه بالكلية.
فكل راشد فهو مهتد، وكل مهتد هداية تامة فهو راشد؛ لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق والعمل به أيضا.
وقوله: "عضوا عليها بالنواجذ" كناية عن شدة التمسك بها، والنواجذ: الأضراس.
قوله: "إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة" تحذير للأمة من إتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: "كل بدعة ضلالة".
والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل في الشريعة يدل عليه فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة
_________________
(١) رواه أبونعيم في الحلية ٤/٣٢٠.
(٢) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/١٢٥) .
(٣) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/١٢٣-١٢٥) بتصرف.
[ ١٥٤ ]
لغة، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (١) .
وخرج الترمذي وابن ماجة من حديث كثير بن عبد الله المزني وفيه ضعف عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "من ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا" (٢) .
وخرج الإمام أحمد من رواية غضيف بن الحارث الثمالي قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنها أمثل بدعتكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منها، لان النبي ﷺ قال: "ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة" فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة" (٣) .
فقوله ﷺ: "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٤) . فكل من أحدث شيئا، ونسبه إلى الدين، ولم
_________________
(١) رواه مسلم (٨٦٧) .
(٢) رواه الترمذي (٢٦٧٧)، وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجة (٢٠٩) وهو ضعيف لضعف كثير بن عبد الله كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/١٢٧) .
(٣) رواه أحمد (٤/١٠٥) والمروزي في السنة (٩٧)، وذكره الهيثمي في المجمع (١/١٨٨) وقال: وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو منكر الحديث. قلت: هو صعيف عندهم، وقال الدارقطني: متروك، ومع ذلك فقد جود حديثه هذا الحافظ في الفتح (١٣/٢٥٣) .
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١٥٥ ]
يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة (١) .
فالمحدثات ضربان:
ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلال.
وما أحدث من الخير مما لا خلاف فيه لواحد مما ذكر فهي محدثة غير مذمومة (٢) .
فمن ذلك: جمع عمر ﵁ الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد (٣) .
ومن ذلك: أذان الجمعة الأول (٤) زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقره علي ﵄، واستمر عمل المسلمين.
ومن ذلك: جمع المصحف في كتاب واحد توقف فيه زيد بن ثابت، ثم وافق أبا بكر وعمر ﵃ على جمعه لما علم انه مصلحة (٥) .
_________________
(١) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/١٢٧-١٢٨) .
(٢) هذا كلام الإمام الشافعي ﵀، انظر جامع العلوم والحكم (٢/١٣١) وقد رواه البيهقي في "مناقب الشافعي" (١/٤٦٨) .
(٣) رواه مالك في الموطأ (١/١١٤)، والبخاري (٢٠١٠) .
(٤) رواه البخاري (٩١٢) عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما؛ فلما كان عثمان رضي الله تعالى عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء.
(٥) انظر: البخاري (٤٩٨٦) والترمذي (٣١٠٣) .
[ ١٥٦ ]
ومن ذلك: جمع عثمان الأمة على مصحف واحد، وإعدام ما سواه مما يخالفه خشية تفرق الأمة، فاستحسنه علي وأكثر الصحابة، وكان ذلك عين المصلحة.
وكذلك قتال ما نعي الزكاة: توقف فيه عمر وغيره، حتى بين لهم أبو بكر ﵁ أصله الذي يرجع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك.
ومن ذلك: كتابة الحديث نهى عنه عمر وطائفة من الصحابة، ورخص فيه الأكثرون، واستدلوا بأحاديث من السنة.
وكذلك: تفسير الحديث والقرآن.
وفي هذه الأزمان التي بعد العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم من ذلك كله، ليتميز به ما كان من العلم موجودا في زمانهم، وما حدث من ذلك بعدهم، فيعلم بذلك السنة من البدعة.
وقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول. (١) وابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين.
وروى ابن مهدي عن مالك قال: "لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان" (٢) .
وكأن مالكا يشير بالأهواء إلى ما حدث في التفرق في أصول
_________________
(١) رواه المروزي في "السنة" (٨٠) بإسناد صحيح كما قال ابن رجب في جامع العلوم (٢/١٣٢) .
(٢) نقله الحافظ في الفتح ١٣/٢٥٣ جازما بثبوته عنه. وفسره بقوله: يعني بدع الخوارج والروافض والقدرية.
[ ١٥٧ ]
الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة وغيرهم من الفرق الضالة، وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال الله تعالى من قضائه وقدره، فكذب بذلك من كذب، وزعم انه نزه الله بذلك من الظلم.
وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته مما سكت عنه النبي ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
فقوم نفروا كثيرا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوه تنزيها لله تعالى عما تقتضي العقول تنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيل على الله تعالى.
وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيا وإثباتا درج صدر الأمة على السكوت عنها.
ومما حدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين: الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي، ورد كثير مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته للرأي والأقيسة العقلية.
ومما حدث بعد ذلك: الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف، وزعم أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال، وأنها حجاب، أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام، وربما انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يعلم قطعا مخالفته للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: من الآية ٢١٣) . (١)
_________________
(١) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/١٣١-١٣٣) بتصرف.
[ ١٥٨ ]
خاتمة في الكلام على شيء من بدع الضلالة التي أحدثها أهل الأهواء والسفه والجهالة، وعمت البلوى بها في سائر الأقطار، على توالي الأعوام والأعصار، فهي في عامة البلدان، محكمة الدعائم والأركان، منشورة فيها لها الأعلام، مشهورة بين الخاص والعام، غلب على أهلها الهوى فمالوا إليها، واستجالهم الشيطان فحملهم عليها، وزين لهم أنها الوسيلة إلى رب الأرباب، والقربة التي تنجي من العذاب، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: من الآية ٢٦) .
فمن ذلك: ما بني في كل بلد من القباب، والمشاهد التي لا ينكر وجودها أحد، ولا تكاد تحصى بحساب ولا عدد، ورفع القبور التي فيها وتغطيتها بالتوابيت المتخذة من الأخشاب، ونشر غالي اللباس عليها وغالي الثياب، وتخليقها في كثير من الأيام والليالي بأنواع الأطياب، وغلقها بالأقفال والأبواب، واتخاذ السدنة لها والنواب، وقصدهم بفعل هذه البدع الرجسية الذميمة، وتعظيمهم لعظائم هؤلاء الموتى الرميمة، وإيقاع الإجلال لهم، والخوف منهم، والرغبة فيهم، والتوقير في قلوب العباد، حتى استمالوها واستحوذوا عليها، وكانوا لها عبادا، واعتقدوا فيها جلب النفع ودفع الضر ونيل المدد والإمداد، وحصول السعادة والإسعاد وصيروهم من دون الله أندادا، والغاية من هذه الأمور التي هي الكفر والشرك والإلحاد، والتوصل لإلى الدنيا والاصطياد بهذه الحبائل التي لا تزال كل يوم لهم تصطاد، وقد أدركوا بهذا السؤال والمراد، ونالوا كثيرا من الأموال بسبب ما أظهروه من الاعتقاد، ولم يبالوا بما وقعوا فيه من الطرد والإبعاد، عن جناب من تقدس بوحدانيته، وتنزه في
[ ١٥٩ ]
صمدانيته، عن الشريك والمثيل والأنداد والأضداد، فويل لهم ثم ويل لهم يوم يقوم الأشهاد.
واعلم أن ما ذكرته من هذه الأحوال والأمور، التي لا يفعلها إلا كل ظالم كفور، من تعظيم أصحاب القبور، ووقوع الخوف في القلوب منها والمهابة، ولهذا لا تهاب الكعبة المشرفة، ويهاب الميت فلا يطأ أحد بسوء أعتابه، ولا تنتهك حتى في الظلمة حماه ولا جنابه. كلها مضادة للصراط المستقيم، ومنابذة لأوضاع الشرع القويم، هاتكة جناب الحنفية السمحاء وحماها، ومغيرة رسومها بعد ما شادها الرسول وحماها، عادلة عن منهاجها الأقوم، وصراطها الواضح الأعظم، مائلة إلى الملة المظلمة المنهاج، ونائلة أربابها هلاك الأبد في تلك الفجاج، البينة الانحراف عن الدين القيم والبالغة في الاعوجاج، فمن تدبر كتاب الله المبين، وتأمل كلام رسوله الأمين، وتحقق أن ما ذكرته يزيد على أفعال المشركين، ويشهد لذلك أن قريشا وغيرهم مخلصون لله في الشدائد، وهؤلاء يدعون الأنداد إذا حل بهم الكرب العظيم الزائد.
فقد صح أمره ﷺ بإزالة المعبدات والأوثان، وطمس التماثيل وهدم القبور المشرفة البنيان، وفعل ذلك أصحابه اتباعا لهديه فيما فتحوه من البلدان، إذا لا يجوز بقاء مراسم الشرك في مكان، بل تجب المبادرة إلى إزالتها على أهل الإيمان وهذا مسجد الضرار، وقطع عمر ﵁ الشجرة التي بويع النبي ﷺ تحتها لما أخبر أن أناسا ينتابونها (١)، وأمر ﷺ أن يعموا قبر دانيال لما فتحوا تستر فوجدوه في بيت الهرمزان على
_________________
(١) رواه ابن وضاح في معجمه (١٠١) .
[ ١٦٠ ]
سرير، وعند رأسه صحف (١)، فأين قوله ﷺ لعلي بن أبي طالب: "لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٢) " من حال أصحاب هذه البدع التي زادت في غلوها وإشرافها، فرأوا دين الله في رفع القبور وإشرافها.
وفي الحديث عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يعقد عليه. رواه مسلم (٣) . وروى عقبة بن عامر قال: "لا تجعل على القبر من التراب أكثر مما خرج منه" (٤) .
ومن ذلك: دعاؤهم أصحاب هذه القبور، والالتجاء إليهم في كل شدة ومكروه ومحذور، والإخلاص لهم في الشدات، ورفع الكف لهم في الدعوات، وسؤالهم منهم جميع الحاجات، وكشف المضرات، وتفريح الكربات، والاستغاثة بهم في النوازل والمهمات.
ويحكى عن بعض هؤلاء أنه إذا دعا أربابه يقول متبجحا إنهم أسرع إجابة، وإنهم ينجحون له قصده وطلابه، فتعسا لكل مشرك ما أفظع جوابه؛ وتبا له ما أشنع خطابه!
وبعضهم يحكى عنه أنه يقول: استغثت بفلان فأغاث، وعجل لي ما
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٧/١٧٠-١٧١) بتصرف وقد ذكرها أيضا بسياق أتم في (٢٧٠/٢٧) وقال (رواه يونس بن بكر في زيادات مغازي ابن اسحاق) عن أبي خلدة خالد بن دينار حدثنا أبو العالية قال ) ثم ذكر الخبر.
(٢) رواه مسلم (٩٦٩) .
(٣) برقم (٩٧٠) .
(٤) انظر: كشاف القناع ١/٦١١ وقد نقله من ابن القيم في إغاثة اللهفان، ونسبه ابن القيم إلى الإمام أحمد، ولم أجده في المسند.
[ ١٦١ ]
سألته من غير إبطاء ولا ارتياب، فمن كانت هذه حاله، وهذه عبادته وأفعاله، وشاهده ما فصح به مقاله، فقد نبذ الدين الحق من غير مبالاة ولا اكتراث، ولكنه قد أخذ هذا من ملة آبائه بطريقة الميراث، فصار من جملة المتمسكين بالضلال والوراث.
وبعض هؤلاء يقول: قبر الشيخ فلان ترياق مجرب، وسائله لا يرد ولا يخيب، وغالب هؤلاء استدرجهم الشيطان بشرك التقليد، وحسن لهم أن آباءهم وأجدادهم على الدين الرشيد، والصراط المسلوك الحميد، وإنهم باتخاذ الوسائط توسطوا غارب الرأي السديد. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (سبأ:٤٩) ولهذا كان جواب أسلافهم لمن جاءهم بالتوحيد من الرسل وأتباعهم الموحدين ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لهَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء:٥٣) ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء:٧٤) ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: من الآية ٢٢) .
قال الله تعالى مبينا ضلالهم وضلال من هم مقلدون، وبآثارهم هم مقتدون: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّين فَهُمْ عَلى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (الصافات:٧٠) .
ومن شرح الله صدره للإسلام ورأى ما يفعله عند القبور والمشاهد أكثر الأنام، يعلم بالقطع واليقين، أن هذه الأمور مضادة للدين، بل هي في الحقيقة هدم لأصله الراسخ ودين محدث للدين القيم ناسخ. ﴿أَمْ لهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الشورى:٢١) .
وقال ﷻ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ
[ ١٦٢ ]
كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأحقاف:٤) .
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة: الإلزام بعدم ما يدل على ألوهية من عبد من دونه فلا يستحق العبادة، وهذا الإلزام بطريق العقل المتضمن له قوله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ .
وتضمنت أيضا: الإلزام بعدم ما يقتضي ألوهيتهم بطريق النقل كما هو صريح ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ فإذا كان القرآن المجيد ناطقا بالتوحيد، ولم يشرع الله تعالى لنبينا إلا ما شرعه لجميع الرسل، وهو إقامة الدين كله لله والمراد بذلك أن يوحد ﷻ في العبادة، فلا يشرك معه خلق من خلقه.
قال تعالى: ﴿شَرَعَ لكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (الشورى: من الآية ١٣) إلى قوله ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: من الآية ١٣) .
وقال تعالى: ﴿وَلقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَليْهِ الضَّلالةُ﴾ (النحل: من الآية ٣٦) والآيات المحكمات كثيرة لا تحصى.
فإذا علم هذا بالبرهان الذي دلت عليه محكمات القرآن، وتحقق القلب والجنان أن الله تعالى لم يأذن لإنس وجان، أن يصرفوا شيئا من أنواع العبادة التي هي محض حقه إلى رسول أو ملك أو صالح أو أحد من جميع خلقه.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦) ومن صرف شيئا منها إلى أحد فقد كفر بربه وجحد، وأن الرسل إنما أرسلوا بجميع ذلك، وإزالة آثار تلك المسالك، وأن الدماء والأموال إنما استبيحت بعد الامتناع عن هذه الحال، والإقلاع عن الشرك والضلال،
[ ١٦٣ ]
فحينئذ يتجه لنا سؤال، وهو أن يبحث ويقال لكل مشرك ضال (١): ما تقول في الدعاء هل عبادة أم لا؟ وإذا ثبت عندك أنه عبادة، هل تكفر من دعا غير الله أم لا؟ وإذا تقرر أنه دعاء، وأنه يكفر من دعا أحدا غير الله، فيقال له: ما تقول في الاستغاثة هل هي نوع من الدعاء أم لا؟ فإن قال إنها نوع منه، فيقال: ما بالكم تفعلونها وتستغيثون بالأموات والعظام الرفات، وتسألونهم الحوائج، وترون هذا منهجا من أحسن المناهج.
وإن باهت وقال: ليست من الدعاء في حال، قيل: هذا محال، ولا يجول في بال، ولا يقوله إلا معتوه في عقله خبال، ولكن بين لنا ما فيها، وما حقيقتها التي تدعيها، فإن لكل قول حقيقة، وكل سالك في طريق يعرف طريقه؟! فهناك يقف حماره في العقبة، ولا يتم له ما طلبه، وحينئذ يلجئه الفلج والإلزام، ويلجمه الخصام باللجام، وينكص على عقبه من فرط الإحجام، ودحوض حجته عند الخصام.
فيقول إذ ذلك: لسنا ندعوهم، ولا بهم نستغيث، وإنما نحن نطلب منهم الشفاعة إلى الله فهو المغيث، فنقول هذه دعوى تقرب من الصدق، فلا نأبنها بالتكذيب، ولكنها متضمنة لشرك التقريب، وهذه بعينها هي دعوى الجاهلية الأولى، وهي مساوية لها في الشرك بالطريق الأولى، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ
_________________
(١) ما سيذكره المؤلف من حوار وشبهات لهؤلاء المشركين استفادها من كتاب الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ كشف الشبهات، ولذا من أراد التوسع في فهم هذا الحوار ومعرفة تلك الشبه والتوسع فيها فليراجع ما كتبه أهل العلم شرحا وإيضاحا على كشف الشبهات.
[ ١٦٤ ]
وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس:١٨) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: من الآية ٣) .
قال أكثر المفسرين: كانت الكفار إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض يقولون الله كما حكاه الله تعالى عنهم فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام، ﴿قالوا مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: لأجل طلب شفاعتهم عند الله تعالى وهذا كفر منهم.
قال الحافظ ابن كثير: " قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم: ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وذلك أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا. فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به" انتهى (١) .
فإن قيل: إن الكفار إنما كانوا يعتقدون القربة ويرجونها، ويطلبون الشفاعة ويسألونها، من أصنام ينحتونها، ونحن إنما نتقرب إليه بأكرم الخلق عليه؟! (٢) .
فالجواب أن يقال: ما ذكرتم ممنوع، وبنص القرآن معارض مدفوع، فعقيدتهم المذكورة، وطلبتهم المشهورة، ليست على أصنام مقصورة، ولا في أوثانهم محصورة، بل عموا الملائكة والرسل والأنبياء والصالحين،
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٤/٤٦.
(٢) انظر: كشف الشبهات ص ٦٢ تحقيق عبد الله القحطاني.
[ ١٦٥ ]
والأصنام والجن والشياطين.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة: من الآية ١١٦) وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (التوبة: من الآية ٣١) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (الإسراء: من الآية ٥٧) وقال ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: من الآية ١٩٤) فقد ظهر من صريح هذه الآيات ما ذكرناه من التعميم والمساواة، مع أنا لو فرضنا الأمر وقدرناه على خلاف الواقع، وقلنا إنما طلبوا ذلك من الأصنام فهل يكون هذا دافعا (١) للنص القاطع، والبرهان الساطع، فقد ساوى بين الملائكة والبشر والجن والأصنام، في هذا الاعتقاد والحكم الشارع ولم يفرق بين عباد الشياطين والجن والأشجار والأصنام، وبين عباد الملائكة والأنبياء والرسل الكرام، وسائر الصالحين من الأنام، بل قاتلهم ﷺ واستباح الدماء والموال، وأذاقهم الله تعالى أعظم الوبال، ولم يزل على تلك الحال حتى أنقذ الله تعالى من أنقذه منهم من الضلال، ومن سبقت له السعادة في المآل. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون:١١٧) وقال ﷾: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (لأنفال: من الآية ٣٩) وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (التوبة: من الآية ٥) .
فإن قيل: ما ذكرتم من الكفر بطلب هذه الشفاعة ظاهر في غير خاصة
_________________
(١) في المخطوط "دافع" والصواب ما أثبت.
[ ١٦٦ ]
الله من عباده ومسلم من غير نزاع، وأما خاصته وخيرته من عباده، فالكلام معكم فيه من وجهين:
إما أن تمنعوا شفاعتهم، وتنفوا ما أثبت الله تعالى ونبيه لهم من الشفاعة، فهذا كفر بواح.
وإما أن تثبتوها كما أثبتها الله تعالى ونبيه ﷺ لهم بطريق التفضل، وتعتقدون أنهم يشفعون ويشفعون، فكيف يكون سؤالها وطلبها منهم كفرا مبيحا للدم والمال؟! (١) .
فنقول في الجواب عن هذا: اعلم أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، والقرآن العظيم هو الصراط المستقيم، الذي لا يؤمه إلا الأتقى، ولا يعدل عن نوره إلا الأشقى، فمن التمس الهدي من غيره ضل، ومن أضاع منه نصيبه زل، ونحن نثبت ما أثبته القرآن، وننفي من الشفاعة ما نفى، ولا ندين الله إلا بذلك، وكفى به شرفا، ومن ابتغى وراء ذلك فقد جاء إدا وسرفا.
وتحقيق الجواب عن هذه الشبهة والارتياب: أن الذي ندين الله به، ونعتقد أن الله تعالى في الآخرة يتفضل على خاصته من عباده، وخيرته من خلقه بالشفاعة، بعد إذنه لهم فيمن يشفعون له، وبعد رضاه أعمال المشفوع لهم وأقوالهم، وإنه لا يرضى ﷾ إلا التوحيد، فهذه الشفاعة المقيدة بهذه القيود الثلاثة، يكفر منكرها، ويحرمها كل جاحد كنود؟!.. وأجلها وأعظمها شفاعة نبينا في فصل القضاء، وهي المقام المحمود، فهي في الحقيقة لله تعالى، فإذا أراد رحمة عبده شفع إلى نفسه، فأذن لمن شاء أن يشفع فيه وقد دل على
_________________
(١) انظر: كشف الشبهات ص ٦٧ وما بعده.
[ ١٦٧ ]
هذه الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة:
قال ﷻ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (الزمر: من الآية ٤٤) وقال تعالى: ﴿مَا لكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ (السجدة: من الآية ٤) .
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٥٥) وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لهُ قَوْلًا﴾ (طه:١٠٩) وقال تعالى: ﴿يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (لنجم: من الآية ٢٦) والآيات كثيرة.
وفي الصحيحين عنه في حديث الشفاعة قال: "إني آتي تحت العرش، فأخر لله ساجدا، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع، واشفع تشفع، قال: فيحد لي حدا ثم أدخلهم الجنة ثم أعود" (١) فذكر أربع مرات.
وضد هذه الشفاعة الشفاعة الشركية التي أثبتها المشركون ونفاها الله تعالى: فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة: من الآية ٤٨) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة: من الآية ٢٥٤) .
وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" (٢) .
وروى الترمذي عن عوف بن مالك قال: قال رسول اله ﷺ: "آتاني آت من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة
_________________
(١) رواه البخاري (٤٢٠٦) ومسلم (١٩٣) من حديث مالك ﵁.
(٢) رواه البخاري (٩٩) .
[ ١٦٨ ]
فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا" (١) .
فتبين من هذه النصوص أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للمشرك؛ لأن الله تعالى لا يرتضيه ولا يرضى قوله، فلا يأذن لأحد أن يشفع فيه، إذ هي معلقة بأمرين: رضاه عن المشفوع، وإذنه للشافع.
فلا توجد إلا بمجموعهما، وهذه هي التي ننفيها كما نفاها الله تعالى (٢) .
وأما الشفاعة المثبتة فهي التي لأهل التوحيد، كما صرح بها القرآن المجيد، وتواترت بها الأحاديث الصحيحة الأسانيد (٣) .
وأما كون الطلب لها والسؤال، كفرا مبيحا للدم والمال، فهذا كلام فيه غاية الإجمال، بل هو من المغالطة في المناظرة والجدال، والذي نجزم به وندين هو ما أفصح به النور المبين، وذلك أن الحكم مختلف باختلاف الحال، في صدور السؤال والمقال:
فما كان في حياته ﵊ فليس إلى منعه من سبيل، لورود النص فيه والدليل، ولا يلزم على ذلك وقوع المحذور، وحاشا أن يقر أحدا على محظور. فقد سأله الشفاعة من أصحابه جماعة (٤) . ولو كان
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٤٤١) وأحمد (٦/٢٣) وابن حبان (٢١١) وصححه.
(٢) انظر: مدارج السالكين (١/٣٤١) .
(٣) انظر: مجموع الفتاوي (١٤/٤١٤) .
(٤) من ذلك قول عكاشة بن محصن ﵁ عندما تكلم النبي ﷺ عن السبعين ألفا يدخلون الجنة بلا حساب قال: ادع الله أن يجعلني منهم. والحديث في البخاري ومسلم، وقول أم سليم: يا رسول الله خادمك أنس ادع له. رواه البخاري، وقول المرأة التي كانت تصرع يا رسول الله أدع الله لي، وآخر المر سألته الدعاء بألا تنكشف عند الصرع فدعا لها رواه البخاري.. انظر: الدر النضيد في إخلاص التوحيد ص (٨٤-٤٥) .
[ ١٦٩ ]
سؤالها في حياته شركا لسد بابه، بل لم تسأل ذلك الصحابة، فلا ريب في جواز ذلك ولا إشكال، وليس للمقال فيه مجال.
وأما بعد موته ﷺ فهو مما لا سبيل إليه، والطرق دونه مسدودة، وما يتشبث به المخالف للصواب من موضوعات الأدلة وضعافها مردودة، لا تقاوم قواطع النصوص ولا تعارض براهين المنع المنصوص، على استواء العموم في ذلك والخصوص.
وحاصل التحقيق في إيضاح هذه الطريق أن نقول:
اعلم أن الشفاعة كالاستغاثة محض حق لله تعالى، لا خلاف فيه بين أهل الحق في ذلك ولا نزاع، ولا عبرة بخلاف أهل الزيغ والابتداع، الذين يحرفون الكلم على خلاف مراد واضعه، ويضعون على وفق أهويتهم لا على وفق مواضعه، بل يبتدعون الأقوال، ويخترعون شبه الضلال. قال الله تعالى: ﴿مَا لكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ (السجدة: من الآية ٤) وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ ليْسَ لهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ (الأنعام: من الآية ٥١) وقال ﷻ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (الزمر: من الآية ٤٤) وغير ذلك من الآيات.
فإذا تقرر أنها من خالص حق رب العالمين، وأنها داخلة في جملة أنواع الدين، الذي قضاه وأمر به وأوجبه لنفسه دون البرية أجمعين. كما قال ﷾ في كتابه المبين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٣) وقال ﷻ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (يوسف: من الآية ٤٠) وقال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّين﴾ (غافر: من الآية ٦٥) وقال ﷾: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّينَ﴾ (البينة: من الآية ٥) امتنع صرفها لغيره، فلا يجوز صرفها لرسول ولا نبي، ولا ملك مقرب
[ ١٧٠ ]
ولا ولي، لأن ذلك من الشرك الجلي، إلا أن الدليل القاطع خص عموم النهي بالأموات لقيام المانع، ودل على أن الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه وكذلك الاستشفاع، كل منهما جائز من غير منازعة ولا دفاع، وأنهما خارجان من عموم الامتناع.
قال الله ﷻ: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: من الآية ١٥) .
وقال تعالى: ﴿وَلوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لهُمُ الرَّسُولُ لوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (النساء: من الآية ٦٤) .
فإن قيل: إذا كانتا من أنواع العبادات، فلم اختص الجواز بالأحياء دون الأموات، والأصل العموم والمساواة؟! (١) .
قلنا: لا نسلم بكون صدور ذلك عبادة، ولا يواطئ لسان أحد في ذلك اعتقاده، حتى يتسنى على ذلك الاعتراض، ويلزم الإيراد والانتقاض.
وغاية ما في ذلك، ونهاية ما هنالك، لسالكي هذه المسالك، التوصل إلى التوسل بما يقدرون عليه، وبالدعاء لا التوسل بالذوات، وهذا مقدور عليه في الحياة دون الممات، ولو كان هذا أمرا محظورا، وحجرا في حال الحياة محجورا، وشركا برب المشارق والمغارب، وكفرا موردا لسوء العواقب، وموقعا في مهواة المعاطب، لعتب ﵊ على سواد من قارب، حين طرق قوله أسماعه، فكن لي شفيعا يوم لا ذو
_________________
(١) انظر: صيانة الإنسان ص (٢١١-٢٣٩-٢٤٥) البروق النجدية ص (٨٢-١٤٠) الضياء الشارق ص (٤٥٣و٥٥٣) .
[ ١٧١ ]
شفاعة (١)، ولمنع ﵊ غيره من الصحب الكرام.
فإن قيل: إن الرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين أحياء في القبور، ونبينا ﷺ له المزية عليهم، فكيف يكون سؤاله شركا محظورا؟ (٢) .
قلنا: هنا ضلت الأفهام، وزلت الأقدام، وصار لها على المحظور إقدام، ودخل هذا الالتباس في قلوب أناس من المشهورين بالعلم والمنطق والذكاء والفهم، فلهجوا بذلك بالأشعار، من غير تأمل ولا إشعار، ولا تدبرا لقول واستبصار، فطفحت الأفهام، عن مدارك الأحكام.
وحاصل الجواب بإيجاز من غير إطناب: أن هذه الحياة المقررة، قد ذكرها الله تعالى في كتابه مكررة، فليس فيها ارتياب ولا إنكار، والفاعل المختار يتصرف كيف يشاء بما تقصر عن الإحاطة به الأفكار، وقدرته جل وعلا لا تحيط به العقول، فلا يسوغ إلا الإيمان بما أخبر به وإتباع النقول، والتمسك بما أنزل إلينا من النور، الذي هو شفاء لما في الصدور، وهو المنزل بالحق حكما للناس، فيما وقع فيه الاختلاف والإلباس، فهذه الحياة التي أخبر بها الله تعالى وحكم، ليست كالحياة التي حكم بفنائها على من برأه من النسم، وأوجده من العدم، وأناط بها تكليف العباد، وافترقوا بسبب ذلك في المعاد، وإنما هي حياة غير معقولة لنا ولا مكيفة، بل هي حياة برزخية نؤمن بها كما أخبر به على أي صفة.
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير (٧/٩٥) ورقمه (٤٦٧٦) وانظر فتح الباري (٧/١٨٢) .
(٢) انظر البروق النجدية ص ٢٩-٣٥، جلاء العينين ص ٤٦٢، التوسل للألباني ص ١٣٧، شرح النونية للهوامش (٢/٤-٢٢) وشرح ابن عيسى للنونية (٢/١٧١) والصواعق المرسلة ص ٨١، دعاوى المناوئين ص ٢٤٦.
[ ١٧٢ ]
ومن المعلوم أن الموت انتقال من دار إلى دار، ومن حال إلى حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار، وأن أرواح الأنبياء والشهداء، والصديقين والسعداء، في الرفيق الأعلى قرارها، ومسرحها رياض الجنات وأنوارها، وروحه الشريفة ﷺ في أعلى مكان، من تلك الجنان، في جوار الرحمن، فتلك الأرواح قد فارقت الأشباح، ولزمت الملأ الأعلى ليس لها عنه من براح ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (الفجر:٢٨) وهذه والله هي العيشة الهنية، غير أن لها اتصالا بأجسامها السفلية، وبهذا الاتصال والتعلق منها بالأجسام يحصل النعيم في الضريح للأبدان، المصرح به في القرآن، ومنه يحصل لنبينا ﵊ رده على من سلم ﵇، فهذه الحياة لها شأن، وللحياة الدنيوية شأن أي شأن، ولو ساوت الحياة البرزخية، حقيقة الحياة الدنيوية، لزم مساواة الحادث للقديم، وتعالى عن ذلك الحي الباقي الوارث الحكيم، والمبين للأمة أحكام التنزيل، هو الذي تلقيت عنه هذه الأحوال كلها على الإجمال والتفصيل، وهو الذي بين شفاعة الأنبياء والمرسلين، والشهداء والملائكة والصالحين، وقد قاتل من تعلق بهؤلاء من المشركين، فهلا فرق في القضية بين طالب الشفاعة من الأصنام وطالبها من صفوة البرية، وما ذكر الله تعالى في كتابه من الآيات، إعلاما لنبيه ﷺ بحصول حقيقة الممات، بخطاب التخصيص له والتعميم لسائر البريات، وإخباره عن نفسه بذلك، وأنه بشر لا بد من سلوكه في هذه المسالك، وطلب فاطمة ﵂ الميراث (١)، واختلاف أصحابه
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩٢٦) ومسلم (١٧٥٩) .
[ ١٧٣ ]
في دفنه بعد تحققهم الموت (١)، وفي قتال أهل الردة (٢)، وغير ذلك دليل على ما ذكرنا، فإذا كان أصحابه أعلم الأنام، بمدارك الأحكام، فكيف يسوغ منهم هذا الاختلاف، وهو حي في قبره كحياته بين أظهرهم؟.
ولما وقع التنازع في بيعة أبي بكر ﵁، هلا رجعوا في ذلك إليه، وعرضوا ذلك كله عليه، ولم عدلوا إلى الاستشفاع بعده بدعاء عمه العباس (٣) وتركوا سيد الناس؟ وما ذاك إلا لما أتوا من العلم، ومنحوا من الفهم، ورزقوا من الإتباع، وترك الأهواء والابتداع ﵃ أجمعين.
هذا ما ظهر لي في تحقيق هذه المسألة وتقريرها، وكشف أسرارها وتحريرها، فعض عليها بالنواجذ والأنياب، فإنك قد لا تجده مسطرا في كتاب.
ومن ذلك: تقبيل هؤلاء القبور والطواف بها، والتمسح ببنائها، وأخذ تربتها وأكلها، ونقلها للتبرك، وإيقاد النار والمسرج فيها، وشد الرحيل إليها، وإلقاء الخرق عليها وكل هذا من الأوضاع الجاهلية، التي غيروا بها الحنفية، ووضعوها للات والعزى، ورموا بها نصرا وعزا، حتى ظهر عليهم ﷺ فلم يبق منهم ركزا، فمن اعتصم بكتاب الله وتمسك بسنة
_________________
(١) رواه ابن ماجة (١٦٢٨) وأبو يعلى في مسنده (١/٣١) ورقمه (٢٢)، من حديث ابن عباس ﵄: انظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٦٢٢-٦٦٤.
(٢) رواه البخاري (١٣٣٥) ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري (٩٦٤) من حديث أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان إذا قحطوا استسقى العباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا توسلنا إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون".
[ ١٧٤ ]
رسوله ﷺ، يعلم أن هذه الأمور كلها تضاد أمر الله ونهيه، وما جاء به رسوله من عنده، فإن الذي شرعه لنا الرسول، لا يجوز عنه العدول، وما زاد عليه باطل غير مقبول، فزيارة القبور التي أمر بها، وكان يعلم بها أصحابه إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية" (١) . والحكمة فيها: إنما هو تذكرة الآخرة، والإحسان إلى الميت بالدعاء له والترحم والاستغفار. ولذلك شرعت الصلاة للدعاء له والشفاعة فيه، فإذا كان هذا ما شرعه الله لنا على لسان نبيه ﷺ قبل دفنه، فبعد الدفن أولى، ولكن هذا مصداق قوله ﷺ: "إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم٢".
فلهذا بدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، فبدلوا الدعاء للميت بدعائه والشفاعة عند الله بطلب الشفاعة منه، وخصوا تلك القبور والمشاهد بالدعاء والعبادة.
وقد وردت السنة بإبطال ذلك والتغليظ في الوعيد لمن فعله؛ لأن ذلك يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. وإنما حملهم على ذلك الغلو في الصالحين وفرط محبتهم، وهذا هو الذين تغيرت به الحنفية من قديم الدهر وحديثه، وهو السبب في كفر بني آدم كما حكى الله تعالى عن قوم نوح قال تعالى: ﴿قَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا
_________________
(١) رواه مسلم (٢٤٩) بنحوه عن أبي هريرة ﵁، ورواه احمد (٦/١٨٠) من حديث عائشة ﵂. ٢ رواه أحمد (٥/٢١٨) والترمذي (٢١٨) وقال: حسن صحيح وصححه ابن حبان (٦٧٠٢) .
[ ١٧٥ ]
يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح:٢٣) فإن هؤلاء أسماء رجال صالحين ماتوا، فعكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم، قال ﷺ: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (١) وقال ﵊: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله". أخرجه البخاري ومسلم عن عمر ﵁ (٢)، وروى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٣)، فإذا كان هذا قبر سيد ولد آدم، ولحده أفضل من السماء والأرض، والنبي دعا ربه أن لا يجعله وثنا بسبب العبادة، فقد صرح أن من عبده أو دعاه أو عبد الله عنده، فقد صيره وثنا، فما بالك بغيره؟! وهذا فيه من التهديد البليغ والزجر الشديد ما ليس وراءه مزيد. وفي السنن عن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليه المساجد والسرج" (٤) .
_________________
(١) رواه أحمد (١/١٥-٣٤٧) والنسائي (٥/٢٦٨) وابن ماجة (٣٠٢٩) من حديث الفضل بن عباس ﵄. قال شيخ الإسلام في الاقتضاء (١/٢٨٦): (إسناده صحيح على شرط مسلم) .
(٢) رواه البخاري (٣٢٦١) ولم أجده عند مسلم.
(٣) رواه مالك (٨٥) في الموطأ مرسلا عن عطاء، ولكن يشهد له ما رواه أحمد (٢/٢٤٦) من طريق حمزة ابن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وهذا الإسناد حسن والله أعلم.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٢٠) والنسائي (٢٠٤٣) وأبو داود (٣٢٣٦) وغيرهم قال أبو عيسى، حديث ابن عباس حديث حسن أبو صالح هذا مولى أم هانئ بنت أبي طالب واسمه باذان ويقال باذام أيضا. والحديث فيه ضعف. انظر: السلسلة الضعيفة (١/٣٩٥) .
[ ١٧٦ ]
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود مرفوعا: "إن من شرار أمتي من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" (١) .
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال: وهو كذلك "لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" (٢) . وقد صرح النبي ﷺ بالنهي من ذلك.
فروى مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وأن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" (٣) .
فنهى ﵊ في مرض موته، ونهى وهو في السياق عن اتخاذ القبور مساجد.
ومعلوم أن كل من كان يعبد فيه أو يدعى فيه، فقد جعل مسجدا، وهذا تحذير منه لأمته عن مشابهتهم اليهود والنصارى في ذلك، فتدركهم اللعنة؛ لأن اللعنة ليست خاصة باليهود والنصارى، بل من اتخذ القبور مساجد، وخصها بنوع من أنواع العبادة، فهو ملعون ولو لم يبني عليها مسجدا ولكن تشابهت قلوبهم ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورا﴾
_________________
(١) رواه أحمد (١/٤٠٥) وابن حبان (٦٨٤٧) وصححه، وأبو يعلى (٩/٢١٦) ورقمه (٥٣١٦) .
(٢) رواه البخاري (٤٢٥) ومسلم (٥٣١) .
(٣) مسلم (٥٣٢) .
[ ١٧٧ ]
(الإسراء: من الآية ٩٩) .
ومن ذلك: صرفهم النذور إلى الأموات في القبور، وقد ثبت بالدليل القاطع أنه نوع من العبادة كما نص عليه الشارع وأنه حق لله تعالى، لا يصلح لغيره، فما يفعل عندها من التقرب بالعبادة والدعاء والنسك كله بدع شركية، وشرعة جاهلية، مخالفة لدين الإسلام، مشابهة لأفعال عبدة الأوثان والأصنام ولو كان قصد الناذر التقرب إلى الله بذلك، لم يجز فعله هنالك؛ لأن التقرب إلى الله بذبح نسك في مكان يذبح فيه للنصب شرك.
ويدل على ذلك ما في سنن أبي داود عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل أن يذبح إبلا ببوانه، فسأل النبي ﷺ فقال: " هل فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا. قال رسول الله: "أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك بن آدم" (١) .
وروى الضياء في المختارة عن علي بن الحسين ﵃ أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعوا، فنهاه وقال: ألا أحدثكم بحديث سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني أينما كنتم" (٢) .
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٣١٣) وقد صححه الحافظ في التلخيص الحبير (٤/١٨٠) .
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/١٨٦) وإسماعيل القاضي (٢٠) وابن أبي شيبة في مسنده كما في المطالب العالية (١/٣٧٢) .
[ ١٧٨ ]
تبلغني حيثما كنتم" (١) .
فهذا أمره ﷺ ونهيه الذي أمرنا به وعدم مخالفته.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية ٧) .
وقال ﷺ: "كل أم تي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" رواه البخاري (٢) .
وهذا هديه وشرعه في زيارة القبور، وهدي السلف والخلف ﵃ أجمعين، الذين اقتبسوا من مشكاة أنواره، واقتدوا في جميع أقوالهم وأفعالهم بآثاره، ولقد وقعت بهم الحوادث، ودهمتهم الخطوب الكوارث، وألمت بهم مدلهمات النوائب، وحلت بهم غياهب المصائب، وأمطرت عليهم بالبلايا سحائب، ودرجت عليهم من الشدائد غياهب، من مقتل عثمان ﵁، ثم ما بعده من الفتن، وما حل بأهل المدينة في وقعة الحرة من المحن، واستباحة الدماء والأموال والفروج، ومع ذلك لم يكن لهم عن هديه ﷺ خروج، ولا إلى سنن الجاهلية عدول وعروج، فلم ينقل عن أحد منهم أنه التجأ إلى رسول الله ﷺ أو استغاث به، أو دعاه واستنصر به، وإنما ذلك لعلمهم أنه نهى عن ذلك وحذر، وتوعد عليه ونذر، بين لهم وأخبر أنه من الشرك الأكبر. قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٠٤٢) وأحمد (٢/٣٦٧) وقال ابن تيمية في الاقتضاء ص (٣٢١): (إسناده حسن ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه صاحب مالك فيه لين لا يقدح بحديثه) وصححه النووي في الأذكار ص (٩٣)، وحسنه ابن عبد الهادي كما في قرة عيون الموحدين ص (١١٨) .
(٢) رواه البخاري (٦٨٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٧٩ ]
بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَليْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (الزمر: من الآية ٣٨) . وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (يونس:١٠٦) وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ (يونس: من الآية ٤٩﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن:١٨) وقوله في حديث (إنذاره عشيرته*): "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا؟ أغني عنك من الله شيئا" (١) .
فمن أنار الله تعالى قلبه بأنوار الإيمان، وشرح صدره لقبول الحق والعرفان، اتضح له واستبان، ما وقع من الناس في الأزمان، عن القبور من العبادة والنسك وإيقاد النيران، وعند الأشجار والأحجار في سائر البلدان، ومن شاهد ما يفعل عن قبره الشريف، وما يفعل عند قبر كل صالح كالرفاعي (٢)، وأحمد البدوي بمصر (٣)، وعبد القادر (٤) ومعروف
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٢٠٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) هو أحمد بن علي بن أبي الحسين الرفاعي الحسيني، موسس الطريقة الرفاعية، ولد في العراق سنة ١٢هـ بعد موت أبيه، فرباه خاله، وتفقه بواسط وتصوف، فانظم إليه خلق كثير لهم في اعتقاد مبالغ فيه، توفي بقرية أم عبيدة (بين واسط والبصرة) سنة ٥٧٨؟. انظر سير أعلام النبلاء (٧٧٩٢١) وفيه مولده سنة ٥٠٠هـ، والعلام ١/١٧٤، ومعجم المؤلفين.
(٣) هو أحمد بن علي الحسيني البدوي، صوفي ولد بفاس، وطاف البلاد، وعظم شأنه في مصر، وانتسب إلى جمهور كبير. توفي سنة ٦٧٥هـ ودفن في طنطا. انظر: معجم المؤلفين ١/٣١٤.
(٤) هو عبد القادر بم موسى بن عبد الله الكيلاني أو الجيلاني، صوفي تنسب إليه الطريقة القادرية، ولد بكيلان سنة ٤٧٠هـ ودخل بغداد، فسمع الحديث وتفقه، توفي سنة ٥٦١هـ. انظر: طبقات الأولياء ص ٢٤٦، شذرات الذهب ٤/١٩٨، معجم المؤلفين.
[ ١٨٠ ]
الكرخي (١)، وفي المشهد الذي يدعى أنه قبر علي وليس كذلك (٢)، وما يفعل في البصرة وعند الزبير ببغداد، وما يفعل عند قبر ابن عباس والمحجوب (٣) وأبي طالب، وما كان يفعل في مشاهد الأحساء قبل هذه الأيام، وبلدان فارس وعمان، ومشاهد اليمن وكل بلاد إلا ما شاء الله تعالى، علم أن هذا فسخ لدين الحق والهدى، ونسخ لبروده المحكمة السدى، ورفع لقواعد الشرك والضلال والردى، وذلك لطول العهد بلوامع الشريعة الغراء وبعد المدى وتيقن أن هذا مصداق قوله ﵊: "بدأ الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس" (٤) وفي آخر: "الذين يصلحون ما أفسد الناس" (٥) .
وقد وقع ما أخبر به ﷺ ووعد، وتطاول على غربة الإسلام المد، فلا يمضي قرن إلا خلفه من هم أسوء من الأولين حالا، وأعظم فتنة وأقبح أفعالا، والموفق فيه من رزقه الله تعالى فيه إخلاص الدين، وإسلام وجهه وإحسان عمله لرب العالمين، وعرج فيه على معراج التسليم والصبر، إلى منهاج الاحتساب للأجر.
_________________
(١) معروف بن فيروز الكرخي أبو محفوظ، ولد من أبوين نصرانيين، وكان من موالي علي الرضا بن موسى الكاظم، ومنه أخذ العهد ثم صار بوابا لموسى. توفي سنة ٢٠٠هـ. انظر القشيرية ص ٤٢٧، طبقات الأولياء ص ٤٩٣.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٢٧/٤٤٧ و٤٩٣.
(٣) وبحثت عن ترجمة له، فلم اعثر على شيء.
(٤) رواه أحمد (٤/٧٣) والطبراني في المعجم الكبير ١٧/١٦ ورقمه ١١.
(٥) رواه الترمذي (٢٦٣٠) وقال: حسن صحيح.
[ ١٨١ ]
فقد صح عمن له غاية الشرف ونهاية الفخر: "يأتي على الناس زمان المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر" (١) .
وورد عنه ﷺ أنه قال: "يأتي على الناس زمان للعامل فيه أجر خمسين منكم" (٢) . فلأجل غربة الإسلام والدين، وإتباع سنن الغاوين والمشركين، وخسوف بدر الحق وكسوف شمسه، وتغيير الصراط المستقيم وطمسه، يكفر من قام يدعو إلى التوحيد، ويرمي بالخروج من ملة الإسلام من غير ترديد، ويحكم عليه بالبدع والتضليل، من غير برهان ولا دليل ﴿وَمَا اخْتَلفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (آل عمران: من الآية ١٩) .
ولكن الله وفق من شاء من الخلق لما اختلف فيه من الحق، فأرشد إلى الخير والهدى، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ويخذل من يشاء بعدله القويم، وقضائه السوي الحكيم، ويستحب العمى على الهدى والجحيم على النعيم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة:٣٢) ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلمُونَ﴾ (الروم:٦) .
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٢٦٠) من حديث أنس بن مالك ﵁. وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه وعمر بن شاكر قد روى عنه غير واحد من أهل العلم.
(٢) رواه الترمذي (٣٠٥٨) وقال: هذا حديث حسن غريب. وأبو داود (٤٣٤١) وابن ماجة (٤٠٤١) وابن حبان (٣٨٥) من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁. انظر كتاب "صفة الغرباء" ص ١٩٨.
[ ١٨٢ ]