ويحتمل أن يكون أبو حامد، قد بنى هذا على مذهب الصوفية، في أن العلم من ثمرات العمل، وهو وإن صح كان قلبا للقوس (٥) ركوة (٦)، فليس في أول رتوة (٧)، وإنما يكون ذلك دعوى في النظريات، أو في الزيادة على مقتضى الأدلة، وربما شبهوا (٨) في ذلك بقوله تعالى (٩): ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فأفاد هذا الظاهر أن العلم ثمرة التقوى التي هي أصل الأعمال، وترجمة (١٠) جميعها أو كلها، وأثروا (١١) ذلك عن مالك ﵁ (١٢)، إسكاتا (١٣) لنا، واعتضادا بإمامته (١٤) علينا، من قوله: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه الله في قلب من يشاء، قال القاضي أبو بكر (١٥): وهذا مقطع شريف ليس من غرضهم في شيء [و٥ ب] وإنما له
_________________
(١) ب: ولا.
(٢) ج، ز: أحوال.
(٣) ب، ج، ز: المرسل.
(٤) ج، ز: الفائق.
(٥) ب: قلب القوس، ج، ز: فك القوس.
(٦) ب: - ركوة، ج، ز: رمون. يقال صارت القوس ركوة وهو مثل يضرب في الإدبار وانقلاب حقائق الأشياء.
(٧) الرتوة: الخطوة، والسويعة من الزمان والدعوة. ورتاه: شده، وقواه وجذبه وأرخاه.
(٨) د: شببوا. ويبدو أن صوابه: تشبثوا.
(٩) ب، ج، ز: - تعالى.
(١٠) ب: ومزجه. وعلق على ذلك ابن باديس بقوله: لعل الأصل: ومرجعها.
(١١) د: وأثاروا.
(١٢) د: - ﵁. وهو إمام دار الهجرة توفي سنة ١٧٩ هـ/ ٧٩٥ م.
(١٣) ج، ز: إسكانا.
(١٤) ب، ج، ز: لإمامته، وعلق الشيخ ابن باديس عليه بقوله: لعل الأصل: بإمامته.
(١٥) د: قال أبي.
[ ١٦ ]
حقيقة معلومة، وهي أن العبد إذا واظب الطاعات، ونبذ المعاصي، لم يكن ذلك إلا باستمرار علمه، واستدامه نيته، فإن العمل بالقصد، والقصد يرتبط بالعلم فإنهما أخوان، فإذا دام العمل الصالح، دل على دوام العمل، وإذا علم ولم يعمل، أوشك أن يذهب العلم، ويكون نقصان العمل، علامة على نقصان العلم أو ذهابه.
فإن قيل: وكيف يذهب العلم بذهاب العمل، والعلم أصل، والعمل فرع عليه، والفرع هو الذى يذهب بذهاب الأصل؟ قلت (١): عنه (٢) جوابان، أحدهما: أنا نمثل (٣) لكم ما يحققه، فنقول: إنك ترى الغصن في الشجرة الناضرة ذابلا، فتستدل به على نقصان مادة الأصل، التي كانت تمده (٤) بالري، ولولا نضوب المادة، وهي الأصل من الأصل لما ذوي الغصن (٥)، في الشجرة الناضرة، فكان ذهاب الفرع لذهاب الأصل، وعلامة عليه.
الثاني: وهو التحقيق، أن التقوى والعلم جميعا، من جملة الأعمال، وكلاهما من الأعمال القلبية، وتنفرد التقوى بقسم منها، و(٦) هو من عمل الجوارح، وهي مأخوذة من الوقاية، وهي الحجاب الموضوع، دون المكروه، فإذا اتقيت الله بقلبك أولا كما يجب، كان ذلك تعليما منه لك، بوضع الحجب التي تقيك عذابه، ووقاية العلم به للعذاب، قبل وقاية العمل له للعذاب، فإذا نقص العمل، كان لنقصان العلم ضرورة، ولهذا قال - ﷺ -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٧) أخبر به، أنه لا يقدم على الزنا إلا بعد فوات جزء من العلم وقد بيناه في "قانون التأويل"، و"شرح الصحيحين" (٨)، وورد في (٩) الحديث الصحيح: "تعرض (١٠) الفتن على القلوب، كالحصير (١١)
_________________
(١) ج، د، ز: قلنا.
(٢) د: عن هذا.
(٣) ج: نمثله.
(٤) ب: عنده.
(٥) ج، و: القص.
(٦) د: - و.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه.
(٨) ز: كتب على الهامش: تأليفان لابن العربي.
(٩) ب: - في.
(١٠) ج: بعرض.
(١١) ب: كالحصن.
[ ١٧ ]
عودا عودا، فأي قلب أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء فيصير أسود [و٦ أ] مربادا (١) كالكوز، مجخبا (٢)، لا يعرف معروفا، ولا ينكر إلا ما أشرب من هواه" (٣)، وهذا تنبيه بالغ، ونص فيما أردناه للخصم دافع.