وقد نزل القرآن بها، وتكلم رسول الله - ﷺ - عليها، وأبلغ رسالة ربه
_________________
(١) المعافري البرقي مولدا محدث ثقة توفي في القيروان سنة ١٥٦ هـ/ ٧٧٢ م.
(٢) شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، بصري توفي سنة ١٦٠ هـ/ ٧٧٦ م.
(٣) أبو إياس المدني البصري لقى ثلاثين صحابيا توفي سنة ١١٣ هـ/ ٧٣١ م.
(٤) ج، ز: تزال.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه مع اختلاف يسير في اللفظ، وبإسناد آخر.
(٦) د: قال أبي.
(٧) د: - ﵁.
(٨) ز: كتب على الهامش: قف على أن العقل والشرع صنوان.
(٩) ب: والحقيقة.
(١٠) ب، ج، ز: العقول.
(١١) د: - هو.
(١٢) ب: تييد. ج، ز: تمييزا.
(١٣) ج، د،: - و.
(١٤) ب: لن.
(١٥) ز: كتب على الهامش: قد واستفد.
[ ١١٢ ]
فيها، فلو كان عند من تقدم من السلف الصالح والطالح، والكريم واللئيم (١)، والمؤمن والكافر، منهم أجمعين من يشك فيها، أو يرى (٢) إشكالها، لما وقف مؤمن في شك، ولا سكت كافر عن طعن (٣)، ولبادر إلى الاعتراض (٤)، مع ما كان في نفسه من عداوة الشرك، بل سلم جميعهم تسليم العالم بها، على حالته من كفر أو إيمان، وما اعترض كافر (٥) على الرسول (٦) إلا في آحاد يسيرة من الألفاظ، لم تكن (٧) من باب الأخبار عن الله، ولو كان عندهم فيها شبهة، أو للملحد بها متعلق، لقام صاحبها يشدو بها، ويشهرها، أو لصاحب طبيعة لقال له (٨): أنت تنسب (٩) الكل إلى الله، وهو قد رد الكل إلى الطبيعة، وأحال على الأسباب والمسببات، وربط الحوادث بحركات الأفلاك، أو لليهودي أو لنصراني [و٤٢ أ] لتبادروا (١٠) من قريب، وتناوشوا (١١) من بعيد، متألبين عليه في كلامه، وقد جاؤوه من الأطراف القاصية، فناظرهم به، أو لصاحب صنم، لثاروا إليه يقولون له: ربك بعين ويد ورجل، وكف، وأصبع، وساعد، وجنب، ويأتي، ويجيء، ويضحك، ويطأ برجله (١٢)، ويمشي، ويهرول، وينزل، ويخاصر (١٣)، ويمل مع من يمل، ويعطي بيدين، وآدم مخلوق على صورته، باطنه بباطنه (١٤)، وظاهره بظاهره (١٥)، فما ينكر من عبادة من تكتنفه الآفات؟ ويأخذ كل واحد (١٦) منهم في طريقه، على مذهبه، ويجادلونه (١٧) بذلك كله، أو يدعيه كل واحد إلى نفسه، ولكنهم علموا (١٨) خلافه لهم أجمعين في المقاصد، ومباينته لهم في الموارد (١٩)، رادا (٢٠) على
_________________
(١) ج، د، ز: - و.
(٢) ج، ن؛ فيرى وصحح في هاش ز: أو يرى.
(٣) د: الاعتراض.
(٤) د: - ولبادر إلى الاعتراض.
(٥) د: كافرهم.
(٦) د: + ﷺ.
(٧) ب، ج، ز: يكن.
(٨) ب، ج، ز: - له.
(٩) د: نسبت.
(١٠) د: لتنادوا. ج: ليتبادروا.
(١١) د: وتاشوا.
(١٢) ج، ز: برجليه.
(١٣) ب، ج، ز: يحاضر.
(١٤) ج، ز: بياطنه.
(١٥) ج، ز: يظاهره.
(١٦) د: أحد.
(١٧) ب، ج، ز: يحالوه.
(١٨) ج، ز: عملوا.
(١٩) د: + وأنه.
(٢٠) د: راد.
[ ١١٣ ]
جميعهم، وأنه لم يأتهم بمبهم، ولا كلمهم بتخليط ولا (١) محال، وأن معجزته ظاهرة، ودليله على صدقه بين، فلجأوا إلى الحرب، والاحتماء بالطعن والضرب، والانحياز إلى دار غير داره، أو تمسك كل واحد ببلاده، والإسلام يعلو ولا يعلى، وكلمة الله لا بد أن تبلغ المنتهى.
فلما درست الملة، ونقصت الشريعة، صارت هذه الطوائف عليه عزين، ما بين مدعين وطاعنين، وملبسين. ومنهم من يأتي بهيئة الناصر، ومذهبه التخذيل، وينتدب هاديا، ومقصده التضليل، والحق قليل. ولم يلف (٢) أحد في كتاب الله، ولا حديث النبي - ﷺ - كلمة (٣) يردها العقل، نعم، ولا يخالفه، في شق الأنملة (٤)، حتى يفتقر إلى التمييز بينهما، والفصل بمحز (٥) اختلافهما، فأبت هذه الطائفة الركيكة إلا أن يكون (٦) يبرز (٧) فيهما (٨) النزاع، وتنزل بزعمها في الفصل بينهما منزلة الانتفاع، في دين (٩) قاصمة، وهدم (١٠) قاعدة قائمة، وليس الأمر كما زعموا، والحمد لله. وسترى ذلك في أثناء الكلام، عيانا، وتتحققه برهانا، إن شاء الله. ومنهم [و٤٢ ب] من حملته القحة، وعظيم التهتك، مع التمكن من الهزء واللعب، على التغلغل في الباطن (١١)، فقالت (١٢): إن نزول القرآن ليس على وضع تأويله (١٣) تنزيله (١٤)، بل وراءه بحار علوم، وكنآيات عن أغراض (١٥)، كما قدمنا عنهم، فيقولون: إن البقرة لها معنى على (١٦) غير ما يظهر (١٧) من التنزيل، وإن العجل
_________________
(١) ب، د: - لا.
(٢) ب، ج، ز: يأت. وكتب على هامش ب، ز: يلق.
(٣) ب، ج، ز: بكلمة.
(٤) ب: إلا بلمة.
(٥) ب، ج، ز: لمجرد.
(٦) ج، ز: تكون.
(٧) ج، ز: تبرز.
(٨) ب، د: بينهما. وكتب على هاش ز: بينهما.
(٩) ب: ذين.
(١٠) ب، ج، ز: وهي.
(١١) د: - على التغلغل في الباطن.
(١٢) ز: كتب على الهامش: قف على مذهب الباطنية في القرآن.
(١٣) ز: كتب فوق (تأويله): خبر مقدم.
(١٤) ز: كتب فوق كلمة (تنزيله): مبتدأ مؤخر. د: بتنزيله.
(١٥) ب: أعراض.
(١٦) ب: - على.
(١٧) ب، ج، ز: ظاهر. وكتب على هامش ز: يظهر.
[ ١١٤ ]
أيضا (١) له معنى أيضا، خلاف تنزيله، إذ لا يصح أن يكون على تنزيله، فإن أحدا من أصحاب موسى، ما كان ليتخذ العجل المصاغ (٢) من الفضة آلها، من دون الله، يخور بحليه وجوهره، إذ لا يخفى ذلك على من له أدق مسكة من نظر، فلذلك (٣) وجب أن يحال (٤) على معنى، يمكن أن يقع فيه الاشتباه، ويحصل معه الإشكال، فيرتبك فيه من يرتبك به.
وهذا مما فاوضتهم (٥) في أنحائه مرارا، ووجه الرد عليهم بشاهد (٦)، فإن جد (٧) هذا لمعترض لي، والمتكلم معي (٨)، كان يعبد حجرا يأتي به من الطريق، كما قال أبو رجاء العطاردي (٩) في صحيح البخاري قال: (كنا نعبد حجرا (١٠) فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه، وأخذنا الآخر (١١)، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة (١٢) من تراب، ثم جئنا بالشاة (١٣) فحلبنا عليه، ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلعنا (١٤) منصل الأسنة، فلا ندع رمحا فيه جليدة (١٥)، ولا سيما فيه حديدة، إلا نزعناه وألقيناه)، وكان يقول: كنت يوم بعث رسول الله - ﷺ -، غلاما، أرعى الإبل على أهلي، فلما سمعنا بخروجه، فررنا إلى النار، إلى مسيلمة الكذاب، وقد وقف على ذلك بعض الصحابة، فاعتذر بأنها كانت عقولا كادها (١٦) باريها، وليس عبادتهم العجل، وقلبهم له إلاها، بأغرب من قلبكم (١٧) أنتم ما نزل (١٨) قرآنا إلى (١٩) ما تدعونه علما وبيانا.
_________________
(١) ب: - أيضا.
(٢) ب: - المصاغ.
(٣) ب: ولذلك.
(٤) د: + به.
(٥) ج، د، ز: فاوضناهم.
(٦) ب، ج، ز: مشاهد.
(٧) ج، ز: جرا.
(٨) ب، ر، ز: معنا.
(٩) أبو رجاء، عمران بن ملحان العطاردي ويقال له: عمران بن ثيم، الصحيح أنه توفي سنة ١٠٥ هـ/ ٧٢٣ م (العبر، ج١ ص ١٢٩. صفة الصفوة، ج٣ ص١٤٢ - ١٤٣).
(١٠) د: الحجر.
(١١) د: الذي هو خير.
(١٢) د: حتوة.
(١٣) د: الشاء.
(١٤) د: قلنا. وكتب على هامش ز: قلنا.
(١٥) ب، د: حديده.
(١٦) ج: كاديها.
(١٧) ب، ج، ز: قولكم.
(١٨) ب، ج، ز: + الله.
(١٩) ج، ز: إلا
[ ١١٥ ]
ولولا أنكم لا تحتملون ما أذكره عنهم، ولا ينبغي أن يهاج به أهل هذه الأقطار، لأنهم لم يسمعوه، لذكرت لكم من ذلك غريبا، تفنون الدهر منه [و٤٣ أ]، عجبا. وجملته أنهم لا يذكرون في تأويل آي من القرآن، ولا حديث عن الرسول معنى يرده إلى غرضه، إلا قلبته له في معنى آخر، حتى إن من أراد من الباطنية أن يرد جميع القرآن في علي، فترده (١) إلى العباس العباسية وترده (٢) إلى أبي بكر البكرية، وإلى عثمان العثمانية، ومن أراد من الإخوانية (٣) أن يرد الآيات، والآثار إلى أفعال الكواكب وتأتيراتها، وأن ذلك عبارة عنها ردت (٤) له (٥) إلى غير ذلك.
فإن قال المبتدع أو الملحد: قد صح لي غرضي من أن الشرع لا تحصيل فيه، قلنا له: لا يخلو (٦) أن تتشرع به وتقبله، فما تدعي فيه، نبطله عليك، حتى إذا ما انتفيت منه، وقلت: ليس بشيء، رجعت صاغرا بالدليل إلى قيد آخر من النظر يفيدك (٧) بأنه حق، وهكذا هي حقيقة الملة، من أراد أن يدخل فيها داخلة، رد عنها إليها بأدلتها، في غوائب من النظر، كلها قرآنية سنية، حسبما بينها الله في كتابه، لأوليائة، وحاج بها عن نفسه على أعدائه. و(٨) في أثناء هذه العواصم سترون دستور ذلك، وتتبينون، إذا لحظتموه بقلب شاهد، ونظر جاهد، والله أعلم.