قال القاضى أبو بكر (٨) ﵁: هذا مذهب ليس عليه أحد من الخلق له حصافة (٩)، بيد أنه لما كان الابتلاء من الله بالوظائف، أمرا تعافه النفوس، وتقف دونه القدرة، وتغلب عليه الراحة، ركنت النفوس الأمارة بالسوء إلى البطالة، وكانت الجبلة مفطورة على الشهوات. وانتقاء (١٠) المختار بعيد عن الخلق، وبينهم وبين كمال النظر حجاب. ركن إلى الدعة، وتعلق بذيل العجز، الأكثر (١١) في الوجود، الأقل في الاعتداد. وهم - وإن كانوا لا يتظاهرون به لغلبة الإسلام - فإنهم يبطنونه، ولم ألق عليه مناظرا في رحلتي إلا
_________________
(١) د: بالإضلال.
(٢) ب: مأتى.
(٣) ب، ج، ز: العشر.
(٤) ج، ز: ترتقي.
(٥) ب: بقاع.
(٦) ب، ج، ز: - الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة. وكتب على هامش ب، ز: ها هنا بياض في الأصل.
(٧) ب، ج، ز: وإذا.
(٨) د: قال أبي.
(٩) د: خصافة.
(١٠) ج، ز: انتفاء.
(١١) د: من.
[ ١٦٩ ]
ابن عمار قاضي (١) الإسكندرية الملقب (٢) بعز الملك، والقاضي حامد بن (٣) نزيل بيت المقدس، المنتسب إلى مذهب أبي حنيفة، والقاضي ابن الكحال (٤) ولكنهم إلى الفلسفة ينتسبون (٥) وعليها يعولون، فأما الانخلاع عن ربقة الفلسفة والشريعة فلم ألمحه بحال.
وأنا أبين بفضل الله وجه الاعتصام من هذه الضلالات، والتفصي (٦) عن مجموع هذه الشبهات، فنقول: إن الله تعالى قد خص هؤلاء بالذكر، وصدهم (٧) بباهر البيان، في أكرم مورد من الكلام فقال: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١] ووجه الدلالة من هذه الآية في هذه السورة (٨) الكريمة بديع مبين في كلامنا حيث وقع بترتيب برهانه وإزاحة إشكاله بإيضاح بيانه، نخبته: أن الله تعالى أخبر أن من أنكر الرسل (٩)، لم يعلم الله حق علمه، وأمرنا (١٠) بالاحتجاج عليهم بنبوة موسى التي صحت (١١) بالمعجزات الظاهرة، والبراهين الباهرة، وهذا القول الذي نصب الله [و٦٣ ب]، تعالى (١٢) بيانه، الدليل عليه، ليس المراد به أحدا من أهل الكتاب، لأنهم مقرون (١٣) بالرسل فوقعت الحجة على منكريهم، برسل الله في أرضه إلى خلقه مذ أوجدهم إلى محمد صلوات الله عليهم
_________________
(١) ابن عمار هو أبو عبد الله محمد بن عمار كما في (أخبار مصر لابن ميسر، الذهي، العبر، ج٣ ص ٣٤١) تعليق محققه (فؤاد سيد) وفي هامش النجوم الزاهرة تعليق الدكتور الشيال أنه جلال الدولة أبو القاسم علي بن أحمد بن عمار ومصدرهما واحد وهو أخبار مصر لابن ميسر الذي لم أتمكن من الاطلاع عليه، وبيدو أنه توفي سنة ٤٨٨ هـ حين ألقي القبض عليه الأفضل شاهنشاه. (النجوم الزاهرة، ج ٥ ص١٤٤).
(٢) د: هوازن. ز: كتب على الهامش هوان.
(٣) ب، ج، ز: بياض بالأصل.
(٤) ج: ابن الكمال.
(٥) د: ولكنه إلى الفلسفة ينتسب هؤلاء. ب، ج، ز: + هؤلاء.
(٦) د: والنفص.
(٧) د: ضمدهم.
(٨) ب: في هذه السورة.
(٩) ب: الرسول.
(١٠) ب، ج، ز: أمر.
(١١) ز: كتب على الهامش: ضمنت.
(١٢) د: - تعالى.
(١٣) د: يقرون.
[ ١٧٠ ]
وسلامه (١)، وخص ذكر موسى لأنه أول الأنبياء ظهور آية ولأنه (٢) معلوم عند عبدة الأوثان من العرب المجاورة لأهل دينه، فإن أقروا به، فهذا مثله، وإن أنكرت العرب ومن وإن دينها موسى كإنكارهم لسائر الرسل، فمن علمكم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم الأصنام؟ فذلك محال أم غيرها فمن؟ وليس إلا الله، والتعليم (٣) لا يكون إلا بواسطة، ولا بد للوسائط أن تترقى (٤) حتى تقف (٥) على معلم غير معلم (٦) فهو الباري، وتعليمه، رسالته. وقوله بعد ذلك: ﴿تبدونها وتخفون كثيرا﴾ [الأنعام: ٩١] بالتاء وبالياء (٧) سهل المرام في التأويل، مع قطعنا (٨) أن اليهود غير مخاطبين في ذلك ولا أريدوا به (٩). والإشارة فيه (١٠) وجوه أقربها الآن أن الذين أنزل عليهم، قد أنكروه مع أنه شرفهم، وكتموه [وغيروه، فلا عجب منكم، الذين لم ينزل عليكم، ولا رأيتموه في أن تنكروه] (١١) وحينئذ يجب الاعتراض (١٢)، لأنهم خرجوا عن النظر إلى التخليط، فأقبل أنت على ربك، وذرهم في خوضهم يلعبون، حتى يأتيهم العذاب بغتة وهم لايشعرون. ونعطف بعد ذلك عنان القول على طريقة أخرى (١٣) شرعية عقلية فنقول: أما مرتبة العقل فغير منكرة في التمييز والتحصيل، ودرك ما أعد له على الجملة والتفصيل، في قول من وحده أو عدده، فأما أن يكون العقل محصلا لجميع المعلومات، فهذه دعوى حمقى، لا يقوم لهم قول على ساق في الدعوى، والإيراد، والتصوير (١٤) فكيف بالتعرض للدليل (١٥)، وكل ذي علم يدعيه، من أي العلوم كان، يعلم [و٦٤ أ] قطعا
_________________
(١) ز: ﷺ. وكتب على الهامش: صح: صلوات الله وسلامه عليهم.
(٢) ب: أو لأنه.
(٣) ب: التعلم.
(٤) د: تترى.
(٥) د: نقف.
(٦) ج: - غير معلم.
(٧) ب، د: والتاء.
(٨) د: + على.
(٩) ب، د: - و.
(١٠) كذا في جميع النسخ.
(١١) ب: سقط ما بين قوسين وكتب على الهامش.
(١٢) ب، ز: كتب على الهامش. الاعراض.
(١٣) د: - أخرى.
(١٤) كذا في جميع النسخ ولعله: "التصدير" في مقابلة الإيراد.
(١٥) ج، ز: + كان.
[ ١٧١ ]
أنه لم يحط العقل به من أوليته حتى كانت العلماء، وهم الأنبياء الذين يطرقون بيانه، ويوضحون قانونه، وخذ علم الهيئة، فليس في العقل (١) استقلال أن يحيط (٢) بمدار الأفلاك وترتيبها، وطلوع الكواكب وغروبها، في مجار (٣) مختلفة منها، وتمييز المنتقل من الثابت، وتفصيل انتقاله، وإن أدرك نفس الانتقال، ويرى ما ذكروه قبل (٤)، كيف كانت كلها دعاوي لا برهان عليها، حتى إن صاحب الهيئة يبرهن، فإذا وقف عليه البرهان، طفر (٥) فقال: رصدت أو رصد (٦) فلان، فبينما نحن معه في برهان عقلي، إذا بنا قد خرجنا معه إلى خبر تكذيبي أو كذبي.
وخذ الطبيعيات وترتيبها في النشوء (٧) وضبط الاستقصات في البدء (٨)، و(٩) كيف خرج منها ما خرج إلى الجسمية، وكيف تحرك على رأيهم من الهيولي إلى الصورة، وكيف تألفت الموجودات. وقد قدمنا عنهم في ذلك دعاوى لا أصل لها، تصلح أن يسامر بها الملوك، لاستجلاب شارد المنام.
وخذ ضبط صحة الحيوانات بقانون، ورده (١٠) بالطب (١١) عند عدول (١٢) الأمزجة عن الاعتدال، وإدراك النبات (١٣) في درجاته، ومنافعه ومضاره، هل يتفق في المعقول أن يدرك ذلك أحد بقضيات العقول؟ أما أنه إذا رتب له قانون، أو ذكر له تمثيل، أو نصب له دليل، أمكن أن يتوصل به إلى ما يقتضيه وضعه.
وخذ النجومي فإنه يقال له: أيها الحاكم على ما يأتي بما يرى من نصبة، ويطلع عليه (١٤) من رتبة، هل علمت ذلك بتجربة استمرت بها العادة
_________________
(١) د: العقول.
(٢) د: تحيط.
(٣) ب، ج، ز: مجاري.
(٤) ب، ج، ز: قيل: وكتب على هامش ز: عله: قبل.
(٥) ج: طفى. أما معنى طفر فهو: وثب في ارتفاع. وطفا: ارتفع.
(٦) د: وجد.
(٧) ب، ج، ز: الشيء.
(٨) ب، ز: البدو، ج: البدن.
(٩) د: - و.
(١٠) ب، ج، ز: وردوه.
(١١) ب: كتب على الهامش: (إلى الطب).
(١٢) د: عذول.
(١٣) د: البنات.
(١٤) ب، ج، ز: إليه.
[ ١٧٢ ]
في وضع النصب، ومقارنة الحوادث لها؟ فهذا باطل من أربعة أوجه:
الأول: أن النصبة (١) كم مرة عادت عليك حتى تثبت (٢) عليها؟ أو قل (٣) طريقا، حتى ترى عليه ما لم تحسب (٤) تحقيقا.
الثاني: أن يقال لهم: كيف تحكمون للعقل بإدراك ما لا يدرك؟ وتسلكونه في [و٦٤ ب] غير مسلك؟.
الثالث: أنهم يزعمون أن النصبة لا تعود على هيئتها إلا بعد ستة وثلاثين ألف عام، فمتى تكررت مرتين أو ثلاثا حتى علم الترتيب عليها في كون الحوادث (٥)؟.
الرابع: أن ترتيب الحوادث على الكواكب، وتعليقها بتأثير (٦) الأفلاك، لا يليق على الجملة بما قدمناه من منعهم عن ذلك، فكيف بترتيب الأفعال كلها على التفصيل عليها مع ما فيها من التعارض والتضاد من عمر أو (٧) كسب؟ والعجب من ترتيبهم الاثني عشر برجا، على اثني عشر بيتا، أسكنوا فيها من الحوادث ما لا يسكن (٨)، ونسبوا إليها ما لا ينسب (٩). [وقد أحكمنا في المتقدم من الكلام وجه قطع الحوادث عن الأفلاك والكواكب، حتى لا يبقى لهم (١٠) متكلم إلا بدعوى، لا برهان عليها] (١١). ومتى تكلمت مع منجم لا تتكلم معه في وضع الأفلاك، لئلا يرجع لك مهندسا، فيقاتلك بغير سلاحك (١٢)، ولكن سلم له الهيئة، ودافعه عن تعليق الأفعال بها، فإنه لا حيلة له في إثباتها.
وأما الذي زعموه من أوضاع الحكماء في السياسات، فإن أصله من
_________________
(١) د: النصبية.
(٢) ب: تبت.
(٣) ج، ز: مك.
(٤) ب، د: تحتسب.
(٥) ب، ج: الحادث. وكتب على الهامش: الحوادث. ز: عكس ذلك.
(٦) ب، ج، ز: بتأثر.
(٧) د: - أ.
(٨) د: يمكن.
(٩) د: ينتسب.
(١٠) ب، ج، ز: - لهم.
(١١) ب، ز: سقط ما بين قوسين.
(١٢) د: سلامه.
[ ١٧٣ ]
الأنبياء، وما أبانته (١) من الشرائع، وحثت عليه من المكارم، وزجرت عنه من الدناءات، بما أوضحت من القوانين، ووضعت من المصالح، ثم درس منها ما درس، وبقي منها ما بقي، فبنوا عليه، وأضافوه إليه، فمنه ما نقلوه على وجهه، ومنه ما أدركوه بما وافق الأغراض، وقام بداعية الانزجار والانتهاض، وجرى في سنن المنى أو (٢) الهوى.
وأما تطهير الأبدان عن الأقذار، فأمر جبلي، لا متعلق فيه، لأن الرسل لم تأت لبيانه، أما أنها حضت عليه، وحثت، وندبت إليه، وألزمت (٣).
وأما تطهير القلوب [و٦٥ أ] عن أوضار الدناءات، فيبعد (٤) أن يصرف (٥) عنها وازع من الذات، فإنها مركبة في الحيوانات فطرة، وفي هيئة (٦) الإنسان جبلة (٧)، وهو مركب على الغضب والشهوة والحرص (٨) والغلبة، وعلى ذلك من العقل رقيب، وبينهما مجاذبات كثيرة، مسلمة منا ومنهم، وإنما يكون التطهير بعمل، هو جلاء القلوب، وبعد الجلاء يكون الحصول بمعاملة أو (٩) مقابلة، ولا نطول معهم في أن كيفية الجلاء تكون (١٠) بتوقيف عن بصير مبصر، بل نقف معهم عن (١١) المقابلة، فنقول: إنها لا تكون بتنبيه حتى جعله بعضهم خاطرًا، وقد لا يخطر (١٢) الخاطر، وإذا وجد قد يضعف (١٣) ولا يتسدد، فلا بد من داع، إن كان له وازع (١٤)، والمجاهدات بين المتعارضات باب عظيم، يفتقر إلى قانون طويل، ليس من بزهم، ولا يقوم به إلا العالم بتفاصيله وقانونه.
_________________
(١) ج: وما أبا بنته.
(٢) ب، ج، ز: - أ.
(٣) أي فنعم.
(٤) ب، ج، ز: فبعيد.
(٥) ب: يصدر. وكتب على الهامش: يصرف. ج، ز: كتب على الهامش: يصدف.
(٦) د: بنية.
(٧) ب، ز: كتب على الهامش: بنية الإنسان جملة.
(٨) ب، د، ز: الفرس. ج: والمرس. وأقترح: الحرص.
(٩) ب، ج، ز: - أ.
(١٠) ب، د: يكون.
(١١) ب، ج، ز: على.
(١٢) د: يحضر.
(١٣) ب: يضف. د: يصيب.
(١٤) د: واع.
[ ١٧٤ ]
فإن قيل قد سطره أفلاطون، وسقراط (١)، والفاضل بقراط (٢)، قلنا: قد رأينا ما سطروا، وطالعنا ما ذكروا، وتحققنا أنهم (٣) قد قصروا، وعدا عليهم ما ائتمروا، ولولا التطويل لسردنا عليكم من خرافاتهم، ما ينبئ عن سخافاتهم، الله م تحقيقا (٤) أن ذلك لمحمول (٥) على المترجم (٦)، ومحسوب في جهله أو قصده إلى التخليط، وهم (٧) قوم أخذوا (٨) كلام الأنبياء وخصوصا محمدا - ﷺ - (٩)، الذي أوتي من جوامع الكلم بأوساطه وأطرافه، وضم له (١٠) من كل جوانبه، فبدلوه وحرفوه، ووضعوه على قوالب أغراضهم، فاستوضعوه، حتى استضعفوه (١١)، وهذا لأن (١٢) مترجم كلامهم من اليونانية إلى العربية، لم يتوله عدل، بل فاسق، بل كافر، إلا (١٣) مستخف مهتوك زائغ، لا سيما وللسعادة عندهم سبيل متخذة (١٤) للأمجاد، لا يدركها إلا الأفراد (١٥)، وعليها من القواطع أسداد، سد ابن سود طريقها (١٦)، وغاب ابن بيض (١٧) عن تحقيقها، ألا ترى أنهم لم يجتمعوا فيها على طاق، ولا قامت لهم فيها دلالة على ساق، فإن تطلعوا إلى ذلك (١٨) مدعين، فقل هاتوا [و٦٥ ب] برهانكم إن كنتم صادقين. ففي كل فصل قدمناه لكم (١٩) أصل في الرد عليهم، يوضح تناقضهم، فلا معنى للتكرار (٢٠).
_________________
(١) فيلسوف يوناني. عاش بين (٤٧٠ - ٣٣٩ ق. م).
(٢) بقراط الحكيم أو الإلهي، توفي سنة ٣٥٧ ق. م. على الراجح.
(٣) ب: - قد.
(٤) ب: تخفيفا. ج: تحقلقا.
(٥) ب: محمول.
(٦) ب: الترحم.
(٧) ب: هو.
(٨) لا يقصد أفلاطون وأرسطو. وإنما يقصد الذين ترجموا وأخذوا بالفلسفة اليونانية بعد ترجمتها.
(٩) د: - ﷺ.
(١٠) ج، ز: له.
(١١) د: استبضعوه.
(١٢) د: وبعد الآن.
(١٣) كذا في جميع النسخ.
(١٤) ب، ج، ز: منجدة.
(١٥) د: أفراد.
(١٦) ج: وطريقها.
(١٧) د: أبيض.
(١٨) د: تطلعوا لذلك.
(١٩) ب: - لكم.
(٢٠) د: لتكراره. ز: في الهامش: في نسخة لتكراره.
[ ١٧٥ ]
وأما قولهم: إن ما يأتي على أيديهم من الأفعال الغريبة لا يوثق به، لوجودنا في الخواص أفعالا غريبة، فلا معنى له فإنا (١) قد حققنا أن (٢) المعجزات لا بد أن تكون خارقة للعادة، خرقا يتجاوز الأوهام المتعلقة بالحيل والخواص، مما يعلم أنها من أفعال العباد خاصة. أو لا نرى (٣) أن إبراء الأكمه، وإحياء الموتى، لا ينال بحيلة، ولا يعد في خاصة؟ وما عرف الباري إلا بأفعاله، التي لا يقدر عليها سواه، فما عرف به المرسل به، يعرف الرسول، وهذه نكتة بديعة، لم أزحم عليها فافهموها واعتبروها تلفوها (٤) كذلك.
وهؤلاء (٥) أرباب الخواص قد جمعوها من وجوهها، وإنما هي أفعال مخصوصة، بوجوه مخصوصة (٦). فإن قيل فقد رويتم أن في الأرض ماء، إذا جعل على الميت حي، فإن قلتم: هذا صحيح، فإن كان أدركه عيسى فهي معجزة، فإن ذلك لا يدرك إلا بتجربة جميع مياه الأرض، ولعل ذلك كان مخصوصا بوقت ومحل. وأيضا فإن خاصة ذلك (٧) العين إحياء الموتى وإبراء الأكمة، وصحة الأبرص، والأجذم، من أين يكون (٨)، والخواص لا تشترك أفعالها؟ هذا ونحن لا نجعل للخاصية (٩) طبيعة في المحل، ولا صفة تقوم به، ولا قوة فيه، وإنما نقول: إن الباري تعالى يخلق عند اقتران بعض الحال ببعض (١٠)، وبعض الأمور ببعض (١١)، ما شاء من الأفعال المعتادة أو الغريبة. هذا وقد اتفق العقلاء على أن الخواص مما لا يدرك بالتجربة، وإنما تنال (١٢) بالعلم الإلهي. وقد يرى الطبيب دواء (١٣) يفعل فعلا لا يناسبه في الذي
_________________
(١) ب: فإنما.
(٢) ب، ج، ز: - أن.
(٣) د: ترى.
(٤) ب، ج، ز: تلقوها.
(٥) ز: كتب على الهامش: وهو أن ليس أرباب.
(٦) د: محصورة.
(٧) كذا في جميع النسخ.
(٨) د: تكون.
(٩) د: الخاصة.
(١٠) د: لبعض.
(١١) د: لبعض.
(١٢) ب: ينال.
(١٣) ب، ج، ز: - دواء.
[ ١٧٦ ]
أدرك من طبيعته، فيقول: يفعل كذا بطبعه، وكذا بخاصية فيه، فيسمى (١) خاصية ما لم يطرد له، على (٢) قياس طبعه (٣). وليس هذا المقدار مما لا [و٦٦ أ] يدخل في (٤) الآيات.
وهبكم قلنا: إنه خاصية (٥)، فهذا (٦) أمر خفي انفرد الله تعالى (٧) به (٨)
لعلمه (٩)، بأن خلقه فيه، وأنزله من داره التي أعده فيها لأوليائه، وقد يجوز أن تكون (١٠) آية النبي (١١) إظهار (١٢) علم الله الخفي (١٣) على يد النبي، فتكون (١٤) آية، ولو كان نظيره خاصية.
وأما قولهم: يحتمل أن يكون ذلك حيلة، فلا بد من خروجه من مرتبة الحيل حتى يصير في حد يفوت طوق (١٥) البشر، وعقلهم، فيخرج بذلك عن حد النظر، وأما السحر، فسل به خبيرا يعلمه يقينا ورآه عيانا، ورأى البلاء (١٦) به. والفتنة فيه، ويدري قصوره عن المعجزات بدرجة أعظم مما بين الأرض والسموات، [ويعلم بطلانه في نفسه شرعا، وإبطاله عملا، كما يعلم بطلان الكفر، في نفسه شرعا، وإبطاله حجة (١٧)].
وقد تبين أنه عند المبطلين أقسام (١٨)، أعلاه التعلق بالكلام، وأدناه الحركات في الأرض، بعضها على بعض في وجه، وبطريق، على إدارتها (١٩) في
_________________
(١) ب: فسمى.
(٢) ج: - على.
(٣) ج، ز: طبيعة.
(٤) ج، ز: تحت. وكتب على هامش ز: في. وعلى هامش ب: تحت.
(٥) د: خاصة.
(٦) ب، ج، ز: فهو: وكتب على هامش ب، ز: فهذا.
(٧) د: - تعالى.
(٨) د: - به.
(٩) د: بعلمه.
(١٠) ب، ج، ز: يكون.
(١١) ب، ج، ز: للنبي.
(١٢) ج: وإظهار.
(١٣) ج: الحقيقي.
(١٤) ج، ز: فيكون.
(١٥) ج: طرق.
(١٦) ج، ز: البلايا.
(١٧) د: سقط ما بين القوسين.
(١٨) ز: - أقسام. وكتب ذلك في الهامش.
(١٩) ب، ج، ز: على نحو إرادتها.
[ ١٧٧ ]
السماء. فيحدث من ذلك (١) فعل غريب، وله بعد ذلك مراتب أحدها النفث في العقد بكلام لا يتحصل، وضع الله جميع ذلك في الأرض فتنة، كما أخبر، وهو الصادق الحكيم (٢).
وأي ذلك (٣) كان، فإن العصمة منه على الخاطر الفاسد، أو الألد المعاند، من ثلاثة أوجه (٤):
الأول: أنه لا بد من ارتفاع المعجزة عن حد ينال بما قلتم.
الثاني: أن السحر يختص بحال دون حال، وبشخص دون شخص، وبزمان دون زمان، والمعجزة عامة.
الثالث: أن الساحر وإن رد الجيش، وخذل الجم الغفير، فليس هذا بغريب، فكم من جيش تفرق بصيحة، وكم كتيبة تبددت بكذبة، وذلك لأن القلوب القلقة يؤثر فيها أدق سبب، والقلوب الثابتة لا تزعزعها الجبال، فأما سحر يهزم يوم بدر قوما لهم العدة والكراع والشبع والظهر، بقوم ليس لهم منعة إلا العري والجوع (٥) والرجلة (٦) والعزلة، لا شكة (٧) ولا شوكة، ويجفل (٨) العدد الكثير يوم الخندق، ويغلب المعاندين، ويقتل المستهزئين (٩)، ويفني الحاسدين [و٦٦ ب]، ويصرف جميع (١٠) قلوب الخلق، ويعم الأقطار، ويدوخ الأرض، ويهدم المالك، فهو الذي يعتمد عليه، ويستند في الحق إليه.
وأما قولهم: إن فيه إشكالات عظيمة من معرفة حقيقة النبوة. فليس
_________________
(١) ب، ج، ز: ذلك من.
(٢) د: الحليم.
(٣) د: قدر.
(٤) د: بياض مكان (من ثلاثة أوجه).
(٥) ب، ج، ز: - الجوع.
(٦) ب، ج، ز: الرحلة.
(٧) الشكة بكسر الشين المعجمة: السلاح.
(٨) ب، ج: يجعل.
(٩) ج، ز: المستهترين.
(١٠) ج: - جميع. وكتب ذلك على الهامش.
[ ١٧٨ ]
عندكم شيء أبين منه، ولا أقرب منالا (١)، فإن الإنسان من حين يولد، إلى أن ينتهي إلى حد العقل الثاني للتمييز في المرتبة، إنما يتدرج (٢) عندهم في مدارج النبوة، والعقل التمييزي، بالمجاورة (٣)، هو الدرجة (٤) الخامسة أو (٥) السادسة، فإما أن يتمادى فيطلع إليها وإما أن يقع عنها وإما أن يقف حيث وقف به العقل، ولا بد من الترقي عندهم من (٦) مرتبة هذا العقل، وعندنا، فإما عندهم فقوة نفسية، ونور يسمون إلهيا، وليس الإلهي في الحقيقة، إذ ليس لهذا الاسم عندهم معنى يتحقق فيدرك بها جميع العلوم، وتكون هذه الخاصية يعبر بها عن النبوة، مدركا لكل خاصة وعامة حتى يجعله بعضهم أوصولا إلى الله ويجعله (٧) بعضهم اتصالا، حتى يقولوا: إنه جزء من الله أو كالجزء (٨)، ولقد سمعت بعضهم يقول: إنه لنصف (٩) الله، وبعضهم يجعله حلولا من الله فيه، وبعضهم يفر (١٠) عن لفظ الجزء، والبعضية إذ لا تنقسم عندهم تلك الذات، فيعبر (١١) عنه بالاتحاد.
وقد ظهر فساد هذا كله للعقلاء، بما أغنى عن التعب فيه، وتكلمنا نحن عليه في موضعه (١٢) مع (١٣) دناءته (١٤)، وهم يشكلون بها، ويشككون فيها، أو (١٥) يخلطون ويغلطون (١٦)، أو و(١٧) هو الحق يقولون على الله ما لا يعلمون،
_________________
(١) د: مثالا. ز: كتب على الهامش: قلت وللقرافي في كتاب الفروق تقرير مثل هذا أو نحوه فرضي الله عن علماء الأمة أجمعين في مناضلتهم وذبهم عن هذا الدين القويم المتين.
(٢) ج، د، ز: يندرج.
(٣) ز: المحاورة.
(٤) ج، ز: للدرجة.
(٥) ج، ز: - أ.
(٦) د: عن.
(٧) ج، ز: سقط ما بين القوسين.
(٨) ج: - أ.
(٩) ب، ج، ز: نصف.
(١٠) ب: ينفر.
(١١) ج: تكرر: فيعبر.
(١٢) ب: موضع. ص، ز: موضع له.
(١٣) ب، ج، ز: - مع. وكتب في هامش ب، ز: مع.
(١٤) ب: به دعا أنه. وكتب على الهامش: دناءته. ز: دناءاته. وكتب على الهامش: دناءته.
(١٥) ب: - أ.
(١٦) ب، ج، ز: يقنطون.
(١٧) ب ة أومر.
[ ١٧٩ ]
وأما عندنا فأوضح مدلول عليه، وأحق حق يقصد إليه (١).
وأما ما ذكروه من كثرة الاعتراضات عليه، وازدحام الشبه فيه، فالمشرب العذب كثير الزحام، ولولا تخليطكم ما نبس (٢) أحد بما قلتم، ولا رضي أن يتفوه [و٦٧ أ]، بما (٣) تفوهتم، وما (٤) اعترض أحد قط على الرسل، ممن كفر وعاند بما قلتم، وإنما قالوا: هذا سحر، ولا تقبل منك معاندة، أو لا نفهم ما تقول، أو (٥) لو شاء ربك لأرسل غيرك.
وأما حقيقة النبوة فليست من بابتكم (٦)، ولا يقف الأمر هناك معكم، وهي مذكورة في موضعها لأهلها، واختصار معناه أنها عبارة عن قول الله لنبيه: أنت رسول (٧) إلى عبادي فبلغهم (٨) كذا عني. وأما قولهم: إن الله لا يبعث رسولا، فهذا كلام لا يقوله فلسفي، فإنه عندهم (٩) إنما يكون ذلك من قبل نفسه، وإنما يعترض (١٠) بهذا القدرية، الذين حشدوا الاعتراضات من أي قبيل كانت، ولم يبالوا أن يقولوا ما خطر لهم من تخليط، قصد التشغيب، وعلى أنه ليس من الباب (١١)، فنقول (١٢) فيه (١٣): بم علمتم استحالته؟ أضرورة أو نظرا؟ وتدار عليهم الأقسام المعروفة، وهذا (١٤) ينبني (١٥) على ركن التعديل والتجوير، فإن عندنا أن للباريء أن يكلف ويأمر بواسطة هي الرسل، وبغير واسطة.
وأما إثبات كلام الله تعالى، فهذا سؤال القدرية خاصة، ليس للفلاسفة أيضا (١٦)
_________________
(١) ز: كتب عل الهامش: عله: أو وأحق حق بفضل الله.
(٢) ج، ز: نبش.
(٣) ج، ز: ما.
(٤) د: فما.
(٥) ب: - أ.
(٦) ب: بابكم. ج، ز: باتيكم. وكتب على هامش ز: عله: بابكم. أما معنى البابة فهو الغاية ويطلق على سطور الكتاب أيضا. (القاموس المحيط).
(٧) د: رسولي.
(٨) ج: فبلغكم.
(٩) ج: عنده.
(١٠) د: تعترض.
(١١) ب: الباري.
(١٢) ج، ز: فيقولون.
(١٣) ج، ز: لهم.
(١٤) ج: وهل.
(١٥) د: يبنى.
(١٦) ب: - أيضا.
[ ١٨٠ ]
فيه مدخل، ولا خلاف أنه عندنا وعندهم متكلم، وإن اختلفنا (١) في تفصيل وصفه بذلك. ونكتته العقلية فيه أن من نظر إلى الخلق، علم جواز انسلاكهم تحت أمر مطاع، ونهي متبع، وذلك يستند إلى آمر وناه، وهو الخالق سبحانه، لأن ذلك (٢)، لا يجوز لغيره، وأما تعيين ما يأتي به فإنه معلوم أنه (٣) بعث ليرشد إلى الأشعال المنجية من أهوال الآخرة التي لا يهتدي العقل إلى تفصيلها، ولا يتمكن من تحصيلها، وذلك يرجع إلى تفاصيل عاجلة في الدنيا، وأحكام آجلة في الآخرة، وذلك مما لا (٤) يستقل (٥) به الخاطر الذي يدعونه (٦) وأما قولهم: إن القوم يأتون بما (٧) لا يعقل فهذه جهالة قد تكلم العلماء عليها [و٦٧ ب]، وإنما (٨) أحاكمكم فيها إلى رؤسائهم وأحبارهم وفلاسفتهم على الحالين، فإنهم قد أجمعوا على أن معنى من معاني الأنبياء لا يتأتى شيء (٩) منه إلا على غاية الحكمة، وفي نهاية المصلحة، وإن من أبدع ما يدرك بنور التطهير ما وصفت (١٠) الأنبياء من تنويع الصلاة إلى تلك الأفعال، وتضعيف السجود على الركوع، والانحطاط بواسطة الركوع إلى السجود، ونصب (١١) صلاة على نصف صلاة، وعلى آخر ثلاثة أرباع، وأنها في (١٢) تركيب (١٣) أدوية القلوب، على ترتيب أدوية الأبدان، على تناسب غريب، وإن قصد بقعة وخلع كسوة، وكشف رأس، وقذفا (١٤) بحجر، كل ذلك على غاية الرياضة للنفس، في (١٥) ترتيب التأدب، وإظهار المناحي (١٦) الرفيعة على الجوارح، والإشارة بذلك كله إلى مقاصد في القلوب بديعة، فلا تسمع (١٧)
_________________
(١) د: اختلفا.
(٢) ب، ج، ز: - لأن ذلك.
(٣) د: - أنه.
(٤) ج: - لا.
(٥) ج: يستقل.
(٦) ج، ز: تدعونه.
(٧) د: مما.
(٨) ب، ج، ز: أنا.
(٩) ب، ج، ز: - شيء.
(١٠) ب، ج، ز: ما وصف به من الأنبياء.
(١١) ب، ج، ز: ونصف. وكتب على هامش ب، ز: نصب.
(١٢) ج، د، ز: - في.
(١٣) ب: تركبت.
(١٤) د: قذف.
(١٥) ج: - في.
(١٦) ج: المناجي.
(١٧) د: نسمع. ز: كتب فوق "نسمع": نائب فاعل تسمع.
[ ١٨١ ]
هذه الاعتراضات منكم لذلك (١)، ولا من غيركم، لأن العقول عندنا لا تحسين لها ولا تقبيح أصلا، ولا عند سواكم من مخالفينا اعتراض على ما تأتي به الرسل (٢) من المعاني التي لا تهتدي العقول إلى تفصيلها، وإنما تتلقى (٣) بالتسليم الحض لله سبحانه، وكلنا نتلقاها بالانقياد الصرف. ثم نقول: إن قولهم هذا في وظائف العبادات من إدراك النسب في التقدير وإظهار الحكم في التدبير فدعوى عريضة باردة. نعلم (٤) أن (٥) ذلك لا سبيل إليه، ويأتون (٦) ما بين (٧) تمثيلهم لذلك (٨) وبين تركيب الأدوية، ويا بعد ما بين الحالين في المناسبة، وإلا فكل لبيب إذا رجع إلى نفسه يجد من تركيب الأدوية، نسبا (٩) ذكرها أرباب الصناعة، لا يقدر أن يردها إلى قانون أبدا. لولا التطويل والخروج إلى ما ليس من الباب، لذكرت لكم منها جملة، حتى يقال هذا الدواء يفعل مثل هذا [و٦٨ أ]، وإن استويا في الوزن، أو يفعل في مثل (١٠) هذا الموضع (١١) كما (١٢) يفعل الآخر بخاصة (١٣) أي بما لا يعقل طريقه (١٤)، ولا يعرف تعليله، وكذلك لو فاوضتهم في قانون التشريح، فاعترضت عليهم فيما يصورونه على طريقة التعليل، بزعمهم، بهتوا، وانقطعوا.
ولقد قلت: إن القلب معلوم الشكل فلم كان على تلك الصفة، واللون، والمقدار، والوضع، والموضع (١٥)؟ فهذه خمسة أسئلة (١٦) لم يعرف عليها جواب ينفع، ولا فائدة لكم في ذكر الانفصال عن هذا الاعتراض، لأنه
_________________
(١) ز: + أولا. وكتب على هامش ب: زيادة: أولا.
(٢) ج، ز: ما يأتي به الرسول.
(٣) ب: يتلقى.
(٤) د: يعلم.
(٥) ج: - أن.
(٦) د: يأبون.
(٧) ج، ز: - ما بين. وكتب على هامش ز.
(٨) ج، ز: لتمثيلهم ذلك. وكتب على هامش ز: ما بين تمثيلهم ذلك. د: تمثيلكم.
(٩) د: شيئا.
(١٠) د: - مثل.
(١١) ب: - الموضع. وكتب على الهامش.
(١٢) ب، ج، ز: كلما.
(١٣) ب: بخاصيته.
(١٤) ب: تعقل طريقته.
(١٥) ب، ج، ز: - والموضع. وكتب على هامش ب، ز.
(١٦) د: أسولة، ج، ز: أسيلة.
[ ١٨٢ ]
خباط، وإذا كان القلب (١) في صورته الجسمانية لا يدرك تأصيله ولا تفصيله، فكيف بالقول في الصورة المعنوية وتعلقها (٢) بالمعقولات؟ فذلك أبعد لكم معشر المدعين، فقفوا حيث وقف بكم الشرع، ترشدوا.
ولقد نظرت في كتاب دقلطيانش (٣) في سر الخلقة وصنعة الطبيعة (٤)، فرأيت من الخباط ما لا عين رأت، ولا خطر على قلب مجنون، وكأنه أراد أن يضمها إلى قانون بمضمار (٥) العقل، فأخرجها عن أسلوب العقل، وقبل وبعد، فلم تنكرون في الخبر (٦) ما تجدونه في النظر. وأما قولهم: لا فائدة فيها، لأن أكثر الخلق لا يقبلها. في غباوة، فإن كون الحق حقا في نفسه، لا يؤثر فيه رد الخلق له، ألا ترى أن كل ما تذكرون (٧) من الحقائق مردود عند أكثر الخلائق؟ أفتجعلون (٨) ذلك حجة عليكم في إبطال مذهبكم؟ فما ألزمتموه (٩) يلزمكم. وأما قولهم: إنه يمكن أن يكون باطلا لما (١٠) يريده الله من إضلال الخلق عندكم. فهذا سؤال معتزلي ليس فيه للفلاسفة مدخل (١١)، وإنما تتلكم به المعتزلة الذين لا يجوز عندهم أن يضل الله الخلق بفعل منه ولا بقصد، والجواب عنه قد بيناه مرارا، والذي تعولون عليه الآن أن تقولوا بأن الخبر أمننا (١٢) من ذلك، بأن الله لا يضل الخلق عموما، ولا يضلهم على [و٦٨ ب] أيدي الرسل، وإنما فائدة إرسالهم تمييز المهتدي من الضال، حتى يهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.
_________________
(١) د: القول.
(٢) ز: كتب على الهامش: تعلقنا.
(٣) ب، ج، ز: فلطيانس.
(٤) ذكره صاحب كشف الظنون باسم: سرائر الخليقة، وصنعة الطبيعة في الكيماء، ولكن لم يذكر مؤلفه (كشف الظنون، ج ٢ ص ٩٨٦)، وينسب إلى أبولونيوس الطواني وهو من التراث الهرمسي وموسوعة في العلوم الطبيعية (هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، الترجمة العربية، بيروت، ١٩٦٦ م، ص ٢٠١).
(٥) د: مضمار.
(٦) ج، ز: + على.
(٧) ب، ج، ز: يذكرون. ز: كتب على الهامش: عنى الفلاسفة.
(٨) ب: أفيجعلون.
(٩) ب، ج، ز: التزموه.
(١٠) ب، ج، ز: فيما. وكتب على هامش ب، ز: لما.
(١١) د: للفلاسفة مدخل فيه.
(١٢) ج: - أمننا.
[ ١٨٣ ]
وأما قولهم: إنها من العقليات أو من العادات؟. وهذا من الفصول التي عظمها الأيمة (١)، والأمر فيه قريب، فإن المعجزة (٢) إذا جاءت على الشروط التي رتبناها في "التوسط" (٣) لا تخلو أن (٤) تأتي خارقة للعادة، خارجة عن مقدور البشر قطعا، فهذه دلالة بذاتها لنفسها لا تفتقر (٥) إلى كونها مقارنة للتحدي، موافقة للدعوى على الوجوه المذكورة، وإن كان مما يجري عادة، فوجه الدلالة منها عدم المعارضة فيها، كما لو قال: آيتي: أن لا يحرك اليوم أحد من الخلق يدا فسكنت (٦) الأيدي، غير متصرفة بحكم الإرادة، مع تعرض الإرادة، فهي تعلم قطعا بصدقه (٧). وأما قولهم: إن المرء ضعيف. فعندكم أن أحدا لا يضعف عن هذا، وعندنا الذي يضعف عن هذا بآفة توجب له ذلك غير مكلف به (٨)، وهذه الآفة (٩) لا بد أن تكون في البدن أو في العقل فبهذين (١٠) يكون المرء ضعيفا. وأما قولهم: زاد النظر قليلا (١١) فليفسروا ماذا (١٢) يريدون (١٣) بزاد النظر، فإنه مجاز، يصلح للوعظ، لا على طريق الدلالة، وزاد النظر، إن فسرنا نحن فهو عند الناس كثير كامل، وذلك معرفة الطريق إلى المطلوب ومعرفة ترتيبه في التدريج به (١٤)، و(١٥) الوصول
_________________
(١) ب، ج، ز: الإله.
(٢) ج: المعجزات.
(٣) ج، ز: التوسط. وهو كتاب للمؤلف عنوانه "المتوسط في الاعتقاد".
(٤) ج، ز: + تكون. وشطب عليها في ز -
(٥) ب: يفتقر.
(٦) ب: فسكن. د: فتكن - ويمكن أن تقرأ: فتسكن.
(٧) ب، ج، ز: فنحن نعلم قطعا به صدقه. وكتب على هامش ز: "فمتى" بدل " فنحن".
(٨) ج، ز: والذي يضعف عن هذا بآفة توجب له ذلك عندنا غير مكلف به. د: والذي يضعف عندنا بآفة توجب له ذلك غير مكلف به.
(٩) ب، ج، ز: الآية. وكتب على هامش ز: عله: الآفة.
(١٠) ب، ج، زت فبهذا - وكتب على هامش ز: فبهذين.
(١١) ب، ج، ز: قليلا.
(١٢) ج: ما إذا.
(١٣) ج، ز: تريدون.
(١٤) ب، ج، ز: + ومعرفة الأعمال الصالحة وفي التدرج به.
(١٥) ج، ز: - و.
[ ١٨٤ ]
إليه، وحرزها (١) من زيادة ما ليس منها (٢)، أو نقصان ما هو منها، وأنتم في "المنطق" بهذا تفخرون (٣)، وعليه تحومون، وما اختل قط نظر إلا من إحدى هذه الطرق الثلاث، أو (٤) مجموعها، أو اثنتين (٥) منها. وأما قولهم: إن الشعوب (٦) كثيرة. فلا ينبغي لهم أن يروا القذاة عندنا، ويدعوها (٧) في أعينهم جذعا، فإن شعوبكم في طريقكم أكثر، ومطلوبكم أشكل، وسفركم أطول، ومطلوبكم [و٦٩ أ] أعسر دركا، وهذا بين بالاختبار، فافرضوا مسألة لأنفسكم حتى أريكم مثلها، في مرتبتها على حالها، وكنت أذكرها لكم، لكن أكره تنبيههم، والذي يتخذونه (٨) دستورا معهم (٩) نكتة، أبينها (١٠) لكم، وهي (١١) أنهم متى ذكروا مثالا من مبادئ نظرهم، فقابلهم بمثال من أوائل نظرك، ومتى ذكروها من الثواني فاذكرها (١٢) كذلك من ثوانيك، ومتى ذكروا غاية أو طويلا (١٣) كان ذلك جوابهم، وأراحوك من كد النظر. وأما قولهم: إن العمر قصير فليس هذا بشيء من الدليل، وإنما هو وعظ، والعمر وإن قصر، فالتكليف والابتلاء الذي ألزم الله العبد على قدره، لا ينقص (١٤) عنه شيء منه، وعلمه أن يقوم بحق الأمر ما أرخى (١٥) له في الطول، وفسح له في المهل، وأنتم تقولون: لا دار إلا هذه، فلو كانت له بأسرها ما كان مستوفيا أملا، ولا قاضيا حوجاء (١٦).
_________________
(١) ب، ج، ز: وحررها.
(٢) د: فيها.
(٣) ج: تعجزون.
(٤) ب: + من.
(٥) د: اثنين.
(٦) ب، ج، ز: + فيه.
(٧) د: يدعونها.
(٨) ب: تتخذوه، تجدونه، ز: يتخذوه.
(٩) يبدو أن ما بعد "نكتة"اهو خبر "والذي".
(١٠) د: أثبتها لكم.
(١١) ب: وهو.
(١٢) ج، ز: فاذكره. د: فاذكروه.
(١٣) كذا في جميع النسخ. وهو غير واضح المعنى.
(١٤) ب: يغيض، د، ز: يفيض. وكتب على هامش ز: عله: ينقص.
(١٥) ج: أرضى.
(١٦) ج: حاجة، والحوجاء هي الحاجة يقال: مالي فيه حوجاء ولا لوجاء.
[ ١٨٥ ]
وأما قولهم: إن الواصل قليل. فإنه ينعكس عليهم (١) في الذي يدعون (٢) أنه الحق، ومطلوب، فالواصل إليه أقل، وهو عندكم معدوم. وأنتم تقولون: إن النبوة ممكن دركها لكل أحد، والذي ينالها أقل من القليل. وأما (٣) نحن فعندنا ممن (٤) يصل إلى مطلوبه عدد رمل يبرين ومهى (٥) فلسطين. وقولهم: كيف تقطع هذه العقاب الشاقة، فينعكس عليهم، وكذلك في قولهم: إن الآلات لقطعها ضعيفة مثله في الانعكاس، وهذا تكرار منهم للقول، قد بينا أنها قريبة قوية فإنها (٦) العقل، فإن ادعوا آلة (٧) فليذكروها. وقولهم: إن السفر طويل. بل قصير بلا خلاف فإن مسافة السفر هي العمر (٨)، وما (٩) أقله! وليس (١٠) بعد ذهابه سفر عندنا ولا عندهم، وإنما هو مقر جنة (١١) أو سقر. وأما قولهم: لقد أبعدتهم النجعة في نيل الحكمة، إلى آخر كلامهم المتقدم. فإنه يقال لهم: إن الذي تقدم من كلامنا [و٦٩ ب]، في العقل والعلم يغني عن إعادته ولكنا نثني عليه طرف العنان (١٢) لما قد ذكروه من العنان (١٣)، فنقول: إن وجه تغالطكم أو غلطكم أن الحكمة خفيت عليكم، فزعمتم أنها قوة عقلية تتلقى (١٤) بها العلوم من الملأ الأعلى، في كلام طويل، يركبون عليه مقاصدهم (١٥)، وليس للحكمة معنى إلا العلم، ولا للعلم، معنى إلا العقل، إلا أن في الحكمة إشارة إلى ثمرة العلم، وفائدته (١٦)، ولفظ العلم مجرد من دلالة على غير ذاته، وثمرة العلم العمل بموجبه، والتصرف بحكمه، والجري على مقتضاه في جميع الأقوال والأفعال، وبناء ع ق ل يقتضي أن تجري الأفعال والأقوال على قانون، ولا (١٧) يسترسل
_________________
(١) د: عليكم.
(٢) د: تدعود.
(٣) ب: إنما.
(٤) ج: فمن.
(٥) ج: مهر.
(٦) ب، ز: بابها، ج: بابه.
(٧) ب: آية.
(٨) ب، ج، ز: + بلا خلاف.
(٩) ب، ج، ز: وأما
(١٠) ج، ز: فليس.
(١١) د: الجنة.
(١٢) أي سير اللجام.
(١٣) أي المعارضة.
(١٤) ب، ج، ز: يتلقى.
(١٥) د: تركبون عليه مقاصدكم.
(١٦) ج: تكرر: وفائدته.
(١٧) ب: فلا.
[ ١٨٦ ]
على الممكنات، وكذلك بناء ح ك م مثله في اقتضاء ذلك، وعلى هذين المعنين يصرف (١) هذان اللفظان حيث وردا، وإلى ذلك يرجع (٢)، قال الله تعالى (٣): ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقال: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ [البقرة: ٢٦٩] والمعني به في الأولى (٤) علم الكتاب، وفي الثانية العلم المطلق. وليس يمتنع في اللسان العربي أن يسمى العمل (٥) بمقتضى العلم حكمة، على معنى تسمية الشيء بثمرته، وفائدته، كما بيناه في أصول الفقه، لا سيما وقد أعطاه لفظه، ودل عليه وضعه (٦).
وإذا ثبت ذلك فليس يهب العلم نفسه، ولا يكون ذلك إلا من قبل العالم الذي لا يوهب علما، ولا يتصور في جهته (٧) طريق إلى تحصيل ما لم يكن قبل، ولا بد للأشياء من مبادئ وتنتهي (٨) إلى مبدأ لا (٩) مبدأ قبله، وهذا عكس النهاية، فإنه لا انقطاع لها، والعلوم على الصفة التي بيناها (١٠)، منها (١١) ما يوجد من الواهب ابتداء، ولا سبيل إلى تفصيلها، ومنها ما يترتب على أسباب، وترتيبها على أسبابها [و٧٠ أ] ليس على كل وجه يتصور ويخطر، وإنما يجري ذلك على قانون مدرك بالتعليم، ولا يعلم آخرا إلا واهب العلم (١٢) أولا، وإذا تأمل المنصف وضع (١٣) الاعتقادات في النفس، والأعمال في الجوارح، وتركيب بعضها على بعض، رأى أنه أمر لا يستقل به الآدمي، فإنه أمر (١٤)
_________________
(١) ب: تصرف، ج، ز: نصرف.
(٢) أي التصرف. ولقد حاول الشيخ ابن باديس أن يؤول ما في نسخته من "قال الله " فيرجعها إلى "قول الله " ولكن ذلك لا يستقيم.
(٣) ب، ج، ز: سبحانه.
(٤) ب، ج، ز: الأول.
(٥) د: النعل.
(٦) د: موضعه.
(٧) ج: جهة.
(٨) ب: ينتهي.
(٩) ج: ولا.
(١٠) ب، ج، ز: تتناهى.
(١١) ب، ج، ز: منه. وكتب على هامش ز: منها.
(١٢) ج: - العلم.
(١٣) ب: كتب على الهامش: هذا في نسخة.
(١٤) د: - أمر.
[ ١٨٧ ]
موضوع في أصله على تدبير (١)، فالذي دبر الوضع الأول، دبر الثاني، وأنت إذا أضفت تدبيره إليه، وأحلت به عليه، مع علمك بأنه عارية فيه، فلا بأس بذلك، فقد أذنت (٢) فيه الشريعة، وإن أنت أعطيته الكل، وحكمت له بأنه أدركه بذاته فقد جهلت نفسك ومن لا يعلم نفسه، كيف يعلم غيره؟.
ومن كلام الناس الذي لم يصح عن رسول الله - ﷺ -: "الحكمة ضالة المؤمن". يعني به العلم (٣) المكتسب، ولا رأى الناس بعضهم يقترف ما يقر بضرره ويعترف (٤)، قالوا: إنه ليس بحكيم، أي ليس بعالم لأن عمله (٥) بخلاف ما استقر في علمه، دليل على (٦) الجهل، بما ادعى أنه علمه. وإلى هذا المعنى عاد قوله - ﷺ - (٧): "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٨) حسبما بيناه في شرح الحديث وغيره، وأشرنا إليه آنفا (٩)، وكيف يصح أن يكون عالما بشيء، يقتحم (١٠) خلافه؟ كما لا يصح أن يضع (١١) أحد رأس سيفه في الأرض (١٢)، وذبابه بين ثدييه، ويتحامل عليه، وهو عالم بأنه هالك به (١٣)، ولا أن يخرج عينه بيده، ومن فعل ذلك، فإنما هو لذهاب عقله، أو ليدفع بذلك ضررا أشد منه، فيكون في الأول (١٤) عاملا بغير علم، وفي الثاني عاملا بعلم،
_________________
(١) ز: كتب على الهامش: مبحث جليل في وضع الاعتقادات في النفس والأعمال في الجوارح وأنه لا يستقل به الآدمي.
(٢) ز: كتب على الهامش: يعني أن الشريعة نسبت الأفعال إل الخلق.
(٣) ب، ج، ز: يعني بالعلم. وكتب على هامش ب، ز: يعني به العلم.
(٤) ج؛ يعترف ما يقر بضرره ويقترف. ز: يقر: يقترف.
(٥) ب، ج، ز: أي علمه.
(٦) ب، ج، ز: - على.
(٧) ب، ج، ز: - صلى عليه وسلم.
(٨) رواه الشيخان.
(٩) ب، ج، ز: س آنفا.
(١٠) د: يفتح.
(١١) ج: يصنع.
(١٢) ز: بالأرض.
(١٣) ب، ج، ز: - به.
(١٤) ب، ج، ز: الأول.
[ ١٨٨ ]
وهذا المعنى إذا فهمته زده تقريرا (١)، وركب عليه ما تحتاج (٢) في التفهيم (٣)، أو في النظر إليه.
وأما فضيلة (٤) الشجاعة فحقيقتها (٥) إنما هو ثبات (٦) النفس عند حلول المصائب، وذلك يرجع إلى دوام العلم وحضوره، فإذا كان المرء عالما بالأمر، وطرأ (٧) عليه ما يذهله عما كان يعلمه صار [و٧٠ ب]، فعله غير محصل، أو بعلم آخر طرأ عليه، أو وهم لم يتعلق بالموهوم على ما ينبغي، أو مشكل من المعنى لم يتبصر وجه كشفه، وأعجلته الحالة عن تحقيقه (٨)، فأما (٩) إذا حضره (١٠) العلم فلا يبالي عما ينزل به، من مصيبة، أو يطرأ عليه من مشكل، فإنه يقابله بما عنده من الكشف والإيضاح. وقد قالوا: إن الشجاعة فضيلة للقوة الغضبية، وهذه حقيقة، يريدون أن يركبوها على دعوى يدعونها، وليس للغضب قوة، ولا للحمية التي يزعمون أنها تنضاف إليها، أو تتعاضد معها، لا سيما على أصلهم في التوليد، فإنه أمر طبيعي، فلم يركبون عليه ما يجري مجرى الخطبة (١١) التي هي عندهم في غير طريق التحقيق والبرهان (١٢)؟ وقالوا: إن التهور زيادة على اعتدال القوة الغضبية، والجبن نقصان منها. وهذا كله كما يقول أهل بغداد: "بناء شاذوف (١٣) على قاذوف ليأتي منه لافوف".
فليس لهذه (١٤) الأقوال كلها معنى إلا نقصان العمل، بما يطرأ من الآفات، فيصدر العمل على (١٥) جهل، فيقع بخلاف الطبق، وخارجا (١٦) عن الوفق.
_________________
(١) ج، ز: تقديرا. وكتب على الها ش: تقريرا.
(٢) ج، ز: يحتاج.
(٣) د: التفهم.
(٤) ب، ج، ز: قصية.
(٥) ب، ج، ز: فحقيقته.
(٦) ج: نبات.
(٧) ب، ج، ز: فطرا.
(٨) ب، ج، ز: تحققه.
(٩) ب، ج، ز: - فأما.
(١٠) ب، ج، ز: فإذا أحضره.
(١١) ب، ج، ز: الحطة. وكتب على هامش ز: عله: اللحظة.
(١٢) ب، ج: ز: - والبرهان.
(١٣) ب: شادوف.
(١٤) ج، ز: لهذا.
(١٥) د: عن. ز: في الهامش: في نسخة: عن.
(١٦) ب، ج، ز: خارخ.
[ ١٨٩ ]
وأما العفة فيعبرون على طريقتهم (١) عخها، بأنها فضيلة في القوة الشهوانية (٢)، وهو انقيادها للقوة العقلية، وعدولها (٣) عن زيادة الشره (٤)، وجعلوا لذلك أسبابا من الحساب في الطعام والشراب، وحملوا تقليلها (٥) على قلتها، وتكثيرها (٦) على كثرتها، وبنوا على ذلك حكمهم وحكمهم فيها، وليس الأمر كما زعموا، لا سيما ورئيسهم الأعظم - ك! قدمنا - يقول: ليس يوجد اعتدال بحال (٧). وإنما بناء ال! ف ف " (٨) وبناء "ك ف ف " على بعض متناولات (٩) بناء "ت رك " وذلك أن الترك (١٠) عبارة عن فعل، وتحقيق الترك مما لم تعلمه (١١) الفلاسفة، ولا القدرية وإنما أدركه أهل السنة، فتبين أن العفة ترك الأفعال القبيحة إذا علم قبحها! و٧١ أ، وتحقق (١٢) مضرتها، وهذه الألفاظ التي يمستعملونها، ليس لها عندهم أصل، إذ لا قوة عندهم، ولا قدرة، وإنما هي طبيعة (١٣) غالبة، ومعان مرتبة (١٤)، دائرة ضرورة (١٥) لا (١٦) تتعلق (١٧) بإيثار، ولا تجري (١٨) على اختيار، فيريدون أن يدمجوا لفظ (١٩) الطبيعة، ويخرجوا لفظ القوة، ليثبتوا (٢٠) للجمادات قدرة، وينفوا قدرة الفاعل الأول، فيخلطوا ويخلطوا (٢١)، وينظموا هوسهم في سلك الألفاظ العربية، والنبوية، تيمنا بها واسترسالا للعامة عليها، ويخترعوا لذلك أخبارا كن
_________________
(١) ب، ج، ز: طريقهم.
(٢) د: الشهوية.
(٣) د: عذولها.
(٤) ب: الشدة، ز: الشرة.
(٥) د: بقليلها.
(٦) د: بكثيرها.
(٧) ج، ز: + بحال. قارن (مقاصد الفلاسفة، ص ٣٣٦) ويقصد بالرئيس هنا أرسطو.
(٨) ب، د: - و.
(٩) ب: بنا فلا ر.
(١٠) ز: كتب على الهامش: النزع.
(١١) ب، ج، ز: لا يعلمه.
(١٢) د: تحقيق.
(١٣) ب: طبيعية.
(١٤) ب، ج، ز: مترتبة. وكتب على هامش ب: في خ: زيادة: تجريبية. وكتب على هامش ز: تجريبية بدل مترتبة.
(١٥) ب، ج، ز: ضرورية. وكتب على هامش ز: ضرورة.
(١٦) ب، ج، ز: ولا.
(١٧) ب: يتعلق.
(١٨) ب: يجري.
(١٩) ج، ز: - لفظ. وكتب على هامشهما.
(٢٠) ب، ج، ز: ويثبتوا.
(٢١) ج، ز: - ويخلطوا.
[ ١٩٠ ]
النبي - ﷺ - (١) لا أصل لها، تلوح بالإشارات إلى أغراض يوهمون (٢) أنها أمور غامضة (٣)، يقصر الخلق عنها، فيشار إلى الأفراد بها.
وأما العدل فهو عندهم عبارة عن اتساق قوى هذه الفضائل الثلاث في جهتي (٤) الإباء (٥) والانقياد، على التناسب والسداد، ويقال لهم: ليس (٦) هناك قوة ولا قدرة، والانتظام إنما يكون على النظام الأسد الذي رتبه صاحب الشرع، وأنتم لا تدرونه، وحقيقة العدل في اللغة أنه (٧) مصدر، وحقيقته في الحقيقة، ما للفاعل أن يفعله، فذلك هو العدالة، وهو (٨) العدل، فلذلك كان الباري تعالى (٩) بالحقيقة وحده العدل (١٠)، لأنه له أن يفعل ما يشاء من تعذيب جميع الخلق، أو تنعيمهم، فيكون في العدل أو الفضل أو (١١) كليهما (١٢) سواء (١٣) والعدل منا هو الذي يفعل ما أمر به، وإذا تتبعت ألفاظهم التي استعاروها، ليغروا (١٤) ويغروا بها في تعبيرهم عن مقاصدهم، يخبطون (١٥) بها قلوب السخفاء القاصرين (١٦) لم تجد (١٧) فيها شيئا يجري (١٨) على الاستقامة. فيرجع (١٩) العدل والعدالة إلى العلم ارتباطا، لأنه إذا عمل بما علم كان عدلا، وقد بينا ذلك في غير موضع، وهذه الإشارة، تكفي في هذه العارضة.
_________________
(١) د: - ﷺ.
(٢) د: ويوهمون.
(٣) ب، ج، ز: عاصمة. وكتب على هامش ز: عله: غامضة.
(٤) ب، ج، ز: جهة.
(٥) ج، ز: الأنام.
(٦) ج: - ليس.
(٧) ج، د، ز: - أنه. وكتب على هامش ز.
(٨) د: - هو.
(٩) د: - تعالى.
(١٠) ج، ز:+ من أسمائه تعالى. في الهامش.
(١١) ب، ج، ز: - أو.
(١٢) د: كلاهما.
(١٣) د: - سواء.
(١٤) ب: ليعروا.
(١٥) د: يخطئون.
(١٦) ج، ز: كتب على الهامش: العاجزين.
(١٧) ز: كتب على الهامش: جواب إذا.
(١٨) د: - يجري.
(١٩) د: ويرجع.
[ ١٩١ ]