فتدارك الله الإسلام والأنام، وانجابت (١١) انجياب الغمام ونفذ وعد الله، باستئثار رسول الله، وإقامة دينه على التمام، وإن كان قد أصاب، ما أصاب من الرزية (١٢) الإسلام - بأبي بكر الصديق ﵁، وكان إذ (١٣) مات النبي غائبا في ماله بالسنح (١٤) فجاء إلى منزل ابنته عائشة ﵂، وفيه مات النبي - ﷺ -، فكشف عن وجهه، وأكب عليه يقبله وقال: (بأبي أنت (١٥) وأمي يا رسول الله (١٦) طبت حيا وميتا، والله لا يجمع الله عليك الموتتين. أما
_________________
(١) ج، ز: + ﷺ.
(٢) أخرجه البخاري وأحمد في المسند.
(٣) العباس عم النبي، توفي سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٢ م.
(٤) د: - ﷺ.
(٥) ج، ز: نسايل.
(٦) أخرجه البخاري وأحمد.
(٧) ج: بآل.
(٨) ب: العباس وعلي.
(٩) د: + ﷺ.
(١٠) أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي توفي سنة ٥٤ هـ/ ٦٧٣ م.
(١١) أضاف محب الدين الخطيب (الغمة)، ص ٤١.
(١٢) ب: + في.
(١٣) ب: إذا.
(١٤) ب: بالنسخ. ج: بالنسخ. ز: بالنسخ.
(١٥) ب، ج، ز: - أنت.
(١٦) د: - يا رسول الله.
[ ٢٧٦ ]
الموتة التي كتب الله عليك فقدمتها (١)، ثم خرج إلى المسجد والناس فيه، وعمر يأتي حجر من القول كما قدمنا، فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد، أيها الناس (٢)، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ثم قرأ ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٤] فخرج الناس يتلونها في سكك المدينة، كأنها لم تنزل إلا ذلك اليوم (٣). واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، يتشاورون ولا يدرون ما يفعلون، فقالوا: نرسل إليهم يأتوننا، فقال أبو بكر: بل نمضي (٤) إليهم، فسار إليهم المهاجرون منهم (٥) أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فتراجعوا (٦) الكلام، فقال بعض الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر كلاما كثيرا مصيبا يكثر، ويصيب منه: نحن الأمراء وأنتم [و٩٦ أ] الوزراء، إن رسول الله - ﷺ - قال: "الأئمة من قريش" (٧)، وقال: "أوصيكم بالأنصار خيرا أن تقبلوا من محسنهم، وتتجاوزوا (٨) عن مسيئهم" (٩) وإن (١٠) الله سمانا الصادقين، وسماكم المفلحين، وقد أمركم أن تكونوا معنا حيث ما كنا فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩] إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة، والأدلة القوية، فتذكرت الأنصار ذلك، وانقادت إليه، وبايعوا أبا بكر الصديق ﵁، وقال أبو بكر لأسامة: أنفذ لأمر رسول الله. فقال له (١١) عمر: كيف (١٢) ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك؟ فقال: لو لعبت الكلاب بخلاخيل (١٣) نساء أهل المدينة ما رددت جيشا أنفذه
_________________
(١) ب: قدمتها.
(٢) د: فمن.
(٣) أورده البخاري في صحيحه.
(٤) ب، ز: نمشي.
(٥) د: فيهم، ز: في الهامش: في نسخة فيهم
(٦) د: وتراجعوا.
(٧) أخرجه البخاري وأحمد والطيالسي في مسنده.
(٨) ب، ج، ز: تجاوزو.
(٩) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
(١٠) ب: إن.
(١١) ب، ج، ز: - له.
(١٢) د: وكيف.
(١٣) د: خلاخل.
[ ٢٧٧ ]
رسول الله - ﷺ -، وقال له عمر وغيره: إذا منعتك (١) العرب الزكاة فاصبر (٢) عليهم. فقال: والله لو منعوني عقالا (٣) كانوا يؤدونه (٤) إلى رسول الله - ﷺ - لقالتهم عليه (٥) والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة (٦). قيل له (٧): ومع من تقاتلهم؟ قال: وحدي، حتى تنفرد سالفتي، وقدم الأمراء على الأجناد: والعمال في البلاد، مختارا لهم، مرتئيا فيهم، فكان ذلك من أسد (٨) عمل، وأفضل مقدمة للإسلام (٩)، وقال لفاطمة وعلي والعباس: إن رسول الله - ﷺ - قال: "لا نورث ما تركنا، صدقة" (١٠) فذكر الصحابة ذلك، وقال: سمعته يقول: "لا يدفن نبي إلا حيث يموت" (١١) وهو في ذلك كله رابط الجأش، ثابت العلم، والقدم في الدين. ثم استخلف عمر، فظهرت بركة الإسلام، ونفذ الوعد الصادق في الخليفتين، ثم جعلها عمر شورى فأخرج عبد الرحمن بن عوف (١٢) نفسه من الأمر، حتى ينظر ويتحرى فيمن يقدم، فقدم عثمان، فكان عند الظن به، ما خالف له (١٣) عهدا، ولا نكث عقدا، ولا اقتحم مكروها، ولا خالف سنة. وقد كان النبي - ﷺ -[و٩٦ ب] أخبر بأن عمر شهيد، وبأن عثمان شهيد، وبأن (١٤) له الجنة على بلوى تصيبه، وهو وزوجه رقية ابنة رسول الله - ﷺ - أول مهاجر بعد إبراهيم الخليل - ﷺ -. دخل به في باب. أول من (١٥) وهو علم كبير جمعه الناس (١٦). ولما صحت
_________________
(١) د: إذ منعت.
(٢) د: اصبر.
(٣) د: عناقا. وهي رواية.
(٤) د: يؤدونها.
(٥) د: - عليه + والله لقاتلتهم.
(٦) د: الصلاة والزكاة. وهو رواية.
(٧) ب، ج، ز: - له.
(٨) ب، ج، ز: أشد.
(٩) غير محب الدين الخطيب النص اجتهادا منه فكتب (عمله وأفضل ما قدمه للإسلام) وهو في جميع النسخ كما أثبتنا. ولكنه لم ينبه إلى ما عمله في النص (ص ٤٧).
(١٠) أخرجه البخاري.
(١١) رواه مالك في الموطأ.
(١٢) الزهري توفي سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٢ م.
(١٣) د: - له.
(١٤) فى: أن.
(١٥) يريد: المصنفات التي ألفت في الذين كانوا الأوائل في الأعمال الجليلة، في تاريخ الإسلام، حيث يعقدون فيها أبواب خاصة بكل عمل تاريخي فيقولون مثلا: أول من أسلم، أو أول من هاجر.
(١٦) ج: - الناس.
[ ٢٧٨ ]
أمامته قتل مظلوما، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ما نصب حربا، ولا جيش عسكرا، ولا سعى إلى فتنة، ولا دعا إلى بيعة، ولا حاربه (١) ولا نازعه من هو من أضرابه، ولا أشكاله، ولا يرجوها لنفسه. ولا خلاف أنه ليس لأحد أن يفعل ذلك في غير عثمان، فكيف في عثمان ﵁؟ وقد سموا من قام عليه فوجدناهم أهل أغراض سوء، حيل (٢) بينهم وبينها. فوعظوا، وزجروا، وأقاموا بحمص (٣) عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٤) يؤنبهم ويؤدبهم (٥)، حتى تابوا، وأرسل بهم إلى عثمان فتابوا، وخيرهم، فاختاروا التفرق في البلاد فأرسلهم، فلما سار كل إلى ما اختار أنشأوا الفتنة وألبوا (٦) الجماعة، وجاءوا إليه في جملتهم، فاطلع عليهم من حائط داره، ووعظهم وذكرهم، وورعهم عن دمه، وخرج طلحة (٧) يبكي، ويورع الناس، وأرسل علي ولديه، وقال الناس لهم (٨): إنكم أرسلتم إلينا، أقبلوا إلى من غير سنة الله، فلما جئنا، قعد هذا في بيته، يعنون عليا، وخرجت أنت تفيض عينيك، والله لا برحنا حتى نريق دمه. وهذا قهر عظيم وافتيات على الصحابة، وكذب في وجوههم، بهت لهم، ولو أراد عثمان لكان مستنصرا بالصحابة (٩)، ولنصروه في لحظة، وإنما جاء القوم مستجيرين (١٠) متظلمين، فوعظهم فاستشاطوا، فأراد الصحابة إليهم (١١)، فأوعز إليهم عثمان ألا يقاتل
_________________
(١) د: حارب.
(٢) د: حين.
(٣) ب، ج، ز: - بحمص.
(٤) عبد الرحمن بن خالد بن الوليد مات بحمص سنة ٤٦ هـ/٦٦٦ م وقيل سنة ٤٩ هـ/ ٦٦٩ م (النجوم الزاهرة، ج ١ ص ١٣١).
(٥) ب: - يؤنبهم ويؤدبهم. ب، ز: فوبخهم وتوعدهم.
(٦) ب: ألفوا.
(٧) طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي توفي سنة ٣٦ هـ/ ٦٥٦ م في وقعة الجمل قتله مروان. (الذهبي، العبر، ج ١ ص ٣٧).
(٨) د: إليهم.
(٩) ب: الصحابة.
(١٠) د: مستنجزين.
(١١) كذا في جميع النسخ. (إلا أن الشيخ محب الدين غيره إلى "الهم" أي طعنهم دون أن يشير إلى ذلك. والظاهر أن النص كما هو مثبت والمقصود منهم أنهم أرادرا القيام إليهم ومدافعتهم عن عثمان. (ص ٦٠).
[ ٢٧٩ ]
أحد بسببه أبدا، فاستسلم وأسلموه برضاه، وهي مسألة من الفقه كبيرة، هل يجوز للرجل أن يستسلم أم يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟ [و٩٧ أ] وإذا استسلم، وحرم على أحد أن يدافع عنه بالقتل هل يجوز لغيره أن يدافع عنه (١)، ولا يلتفت إلى رضاه؟ اختلف العلماء فيها. فلم يأت عثمان منكرا، لا في أول الأمر، ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكر. وكل ما سمعت من خبر باطل، إياك أن تلتفت إليه.