أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه، ولكن لأي شيء خرجوا؟ لم (١) يصح فيه نقل، ولا يوثق فيه بأحد، لأن الثقة لم ينقله (٢)، وكلام المتعصب غير مقبول (٣)، وقد دخل مع المتعصب من يريد الطعن في الإسلام، واستنفاص الصحابة [و١٠٥ ب] فيحتمل أنهم خرجوا خلعا لعلي، لأمر ظهر لهم. وهو (٤) أنهم بايعوا لتسكين النائرة (٥)، وقاموا يطلبون الحق. ويحتمل أنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان. ويمكن أنهم خرجوا لينظروا (٦) في جمع طوائف المسلمين وضم تشردهم (٧)، وردهم إلى قانون واحد، حتى لا يضطربوا فيقتتلوا، وهذا هو الصحيح لا شيء سواه، وبذلك وردت صحاح الأخبار.
فأما الأقسام الأول فكلها باطلة، وضعيفة، أما بيعتهم كرها فباطل، وقد (٨) بيناها (٩). وأما خلعهم فباطل، لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، فيمكن أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان. وأما خروجهم في أمر قتلة عثمان فيضعف، لأن الأصل قبله تأليف الكلمة. ويمكن أن يجتمع الأمران، ويروى أن في تغيبهم قطعا (١٠)،للشغب (١١)، بين الناس، فخرج طلحة، والزبير، وعائشة أم المؤمنين ﵂ (١٢)، رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم، فيرعوا (١٣) حرمة نبيهم، واحتجوا عليها (١٤)
_________________
(١) ب، ج، ز: ولم.
(٢) د: تنقله.
(٣) ب، ج، ز: لا يسمع. ب: في الهامش: زيادة "غير مقبول" في نسخة. ز: في الهامش: في نسخة: غير مقبول.
(٤) د: وهم.
(٥) ب، ج، ز: الثائرة.
(٦) ب، ج، ز: - لينظروا.
(٧) ب، ج، ز: نشرهم.
(٨) ب، ج، ز: قد (بسقوط الواو).
(٩) غير محب الدين الخطيب هذه اللفظة إلى: بيناه. دون أن يشير إلى ذلك.
(١٠) ب، ج، ز: قطع. د: يروا أن في تعيينم قطعا.
(١١) ج: الشغب.
(١٢) د: -﵃.
(١٣) د: ويرعوا.
(١٤) د: - عليها
[ ٣٠٢ ]
بقول الله تعالى (١): ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ [النساء: ١١٤] وقد خرج النبي - ﷺ - في الصلح، وأرسل فيه، فرجت المثوبة، واغتنمت الفرصة (٢)، وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها. وأحسن (٣) بهم أهل البصرة، فحرض من كان فيها (٤) من المتألبين على عثمان الناس (٥)، وقال: اخرجوا إليهم حتى تروا ما جاءوا إليه، فبعث عثمان بن حنيف (٦)، حكيم بن جبلة، فلقي طلحة والزبير بالزابوقة (٧)، فقتل حكيم، ولو خرج مسلما، مستسلما لا مدافعا، لما أصابه شيء، وأي خير كان له في المدافعة؟ وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين، ولا ولاة، وإنما جاءوا ساعين في الصلح، راغبين في تأليف الكلمة [و١٠٦ أ]، فمن خرج إليهم فدافعهم (٨)، وقاتلهم، دافعوه (٩) عن مقصدهم، كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد. فلما وصلوا إلى البصرة، تلقاهم الناس بأعلى المربد (١٠)، مجتمعين، حتى لو رمي حجر، ما وقع إلا على رأس إنسان. فتكلم طلحة، وتكلمت عائشة ﵄ (١١)، وكثر اللغط، وطلحة يقول: انصتوا، فجعلوا يركبونه، ولا ينصتون (١٢)، فقال: أف، أف، فراش نار (١٣)، وذباب (١٤) طمع (١٥)، وانقلبوا عن غير بيان، وانحدروا إلى بني
_________________
(١) د: -تعالى.
(٢) ب، د: القصة.
(٣) ي ز: أحسن.
(٤) ب، ج، ز: بها.
(٥) ب، ج، ز: للناس. وأصلحها محب الدين بـ: "الناس". ولم يشر إلى ذلك (ص ١٥٢).
(٦) مات في آخر خلافة معاوية (خليفة بن خياط، الطبقات، ص ١٣٥).
(٧) مكان قرب البصرة وقعت فيه مناوشات من معركة الجمل (القاموس المحيط) ب، ج، د، ز: الرابوقة. ويقول خليفة بن خياط أنها مدينة الرزق بحضرة كلاء البصرة (تاريخ خليفة بن خياط، ج١ ص١٦٠.
(٨) ب، ج، ز: ودافعهم.
(٩) ب: دافعوا. ج؛ دافعوهم.
(١٠) مكان قرب البصرة طرأت عليه عدة تطورات. (محب الدين الخطيب، ص ١٠٤) إذ كان سوقا للإبل ثم سوقا لمفاخرات الشعراء ثم حيا من أحياء البصرة، ثم أصبح خرابا.
(١١) د: -﵄.
(١٢) ب، ج، ز: يتصنتوا. وأصلحها محب الدين د: "يتصنتون" ولم يشر إلى ذلك.
(١٣) د: آثار.
(١٤) د: ذبان.
(١٥) د: طبع.
[ ٣٠٣ ]
نهد، فرماهم الناس بالحجارة، حتى نزلوا الجبل، والتقى طلحة، والزبير، وعثمان بن حنيف (١) عامل علي، على البصرة، وكتبوا بينهم أن يكفوا عن القتال، ولعثمان دار الإمارة، والمسجد، وبيت المال، وأن ينزل طلحة والزبير من البصرة، حيث شاءا (٢)، ولا يعرض بعضهم لبعض (٣)، حتى يقدم علي. وروى أن حكيم بن جبلة، عارضهم حينئذ، فقتل بعد الصلح. وقدم على البصرة، وتدانوا ليتراءوا (٤)، فلم يتركهم أصحاب الأهواء، وبادروا بإراقة الدماء، واشتجر (٥) بينهم (٦) الحرب، وكثرت الغوغاء على البوغاء (٧)، كل ذلك حتى لا يقع برهان، ولا تقف الحال على بيان، ويخفى (٨) قتلة عثمان. وأن واحدا في جيش يفسد تدبيره (٩)، فكيف بألف؟.
وقد روي أن مروان لما وقعت عينه في الاصطفاف، على طلحة، قال: لا أطلب (١٠) أثرا بعد عين، ورماه بسهم فقتله. ومن يعلم هذا، إلا علام الغيوب، ولم ينقله ثبت؟ وقد روى أنه (١١) أصابه سهم بأمر مروان، لا (١٢) أنه رماه. وقد خرج كعب بن سور (١٣) بمصحف منشور بيده، يناشد (١٤) الناس أن لا يريقوا (١٥) دماءهم، فأصابه سهم غرب فقتله، ولعل طلحة مثله. ومعلوم أن عند الفتنة، و(١٦) في ملحمة القتال، يتمكن أولو الإحن والحقود، من حل العرى، ونقض العهود، وكانت آجالا حضرت، ومواعد (١٧) انتجزت.
_________________
(١) عثمان بن حنيف بن وهب توفي بعد ٤١ هـ/ ٦٦١ م.
(٢) ج، ز: شاءوا.
(٣) د: بعضا.
(٤) د: ليترايوا.
(٥) ج، ز: استحر.
(٦) ب، ج، ز: - بينهم.
(٧) ب: البوعاء. ج، د: النوعاء. ز: البوعاء. وأما البوغاء فهي حمقى الناس، والاختلاط. ويطلق أيضا على التربة الرخوة (القاموس المحيط).
(٨) ج، ز: تخفى.
(٩) ج، ز: بتدبيره.
(١٠) ب، ج، ز: نطلب.
(١١) ب: - أنه.
(١٢) د: - لا.
(١٣) كعب بن سور قتل يوم الجمل ٣٦ هـ/ ٦٥٦ م.
(١٤) ب، د: أن يريقوا.
(١٥) ج: تكرر: أن عند الفتنة.
(١٦) ج: - و.
(١٧) ج: قواعد. وجعلها محب الدين "مواعيد". ولم ينبه إلى ذلك. (ص ١٥٩).
[ ٣٠٤ ]
فإن قيل: فلم خرجت [و١٠٦ ب]، عائشة (١) وقد قال النبي (٢) لهن في حجة الوداع: "هذه ثم (٣) ظهور الحصر"؟ قلنا: حدث حديثين (٤) امرأة، فإن أبت فأربعة. يا عقول النسوان! ألم أعهد إليكم ألا ترووا أحاديث البهتان، وقدمنا لكم على صحة خروج عائشة البرهان. فلم تقولون ما لا تعلمون؟ وتكررون ما وقع الانفصال عنه، كأنكم لا تفهمون، ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ [الأنفال: ٢٢]. وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب (٥)، فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حوب (٦)، ما كان قط شيء (٧) مما ذكرتم. و(٨) لا قال النبي - ﷺ - ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام (٩)، ولا شهد أحد بشهادتهم، وقد كتبت شهاداتكم بهذا الباطل، وسوف تسألون (١٠).