أما قولهم: إذا ارتفع البخار من الهواء إلى النار (٦)، باطل (٧)، ليس للهواء وصفان، إنما هو حار أو بارد. وقولهم: ارتفع البارد إلى الحار، تخليط (٨)، بل يرتفع الحار إلى البارد، لأن شأن الحار الارتفاع، وشأن البارد الانخفاض. وأما قولهم: ثقل، فكيف بثقل حار؟ لقد انقلبت عليكم الأمور. وقولهم: فيتكاثف (٩) أقلب! لم يتكاثف (١٠) الحار بلقاء البارد ولم يتلطف (١١) البارد، بلقاء الحار؟ وقولهم: انعقد فصار غيما، يقال لهم: من يمسك المتكاثف الذي شأنه الاستفال؟ ومن جعل النار تصعد إليه؟ والمتكاثف يثبت فلا ينزل؟. وأما قولهم: يكون من مادة البخار الريح لأنه إذا [و٥٦ ب]، تصاعدت قلنا: من أين (١٢) هي المتصاعدة. قالوا: ارتفعت في وسط البخار. قلنا: ولم لم تنته إلى الطرف؟ إذ هي أميل إلى جهة الفوق كما قلتم. وقولهم (١٣): إذا ضربه (١٤) البرد ثقل. يقال لهم: فكيف يثبت (١٥) مع الانتكاس في مقره؟ فإلى أين يبلغ (١٦)؟ وإلى أي حد انتكس؟ ومن قدر له هذا
_________________
(١) ج: - كان.
(٢) د: ترى.
(٣) د: تسمع.
(٤) ج: - لا.
(٥) ز: يسمغ. والنص مأخوذ مع شيء من الاختصار من المقاصد، ص ٣٤٢ - ٣٤٤.
(٦) د: البارد.
(٧) كذا في جميع النسخ. ولعل صوابه: فباطل.
(٨) يبدو أن النص الذي اعتمد عليه من المقاصد محرف وإلا فهو ينص على نفس ما رد به عليه (المقصاد، ص ٣٣٩).
(٩) د: فتكاثفت، ب: يتكاثف.
(١٠) د: تكاثف.
(١١) د: يطف.
(١٢) ب، ج، ز: - من أين.
(١٣) د: قوله.
(١٤) ب، ج، ز: ضرب.
(١٥) د. ثبت.
(١٦) د: وإلى أين بلغ.
[ ١٥١ ]
التقدير، ورتبه (١)؟ أطبع هو (٢)؟ فقولوه (٣)، أم أمر غيره؟ فعينوه (٤). وقولهم: إنه ينطح (٥) الهواء (٦) فتحصل الريح. قلنا: دعوى ويبطلها العيان، نحن نشاهد الريح ولا بخار، ولا دخان، ولا غيم، إلا (٧) الصفاء المحض، وقد يكون الغيم أعظم ما كان حتى يظلم الأرض، ولا يكون عليها (٨) ريح، وينجلي (٩) عن غير شيء. وقولهم: إن لم يضربه البرد تصاعد إلى الأثير. ما الذي يمنعه عن ضرب (١٠) البرد له؟ أعدم البرد أم يلقاه فيحول بينه وبينه حائل؟ ومن هذا الأثير الذي يصعد عليه؟ وربما حال بينه وبينه الوثير، فإن قالوا: وما الوثير؟ قلنا لهم (١١): أبو الأثير، خلطا بخلط، وتضلالا بتضليل (١٢). وقولهم: تشتعل النار فيه. قلنا (١٣): أحطب هو؟ فإن قيل بطبعه يقبل الاشتعال: قلنا: وما طبعه؟ فإن فسروه لم نعدم (١٤) إبطاله مما تقدم. وقولهم: إن استطال الدخان صار كوكبا. يقال لهم: كذلك (١٥) النار (١٦)، إذا اشتعلت صارت (١٧) ماء، يا حمقي (١٨) ما للدخان (١٩) المظلم، وللنور المضيء إنهما (٢٠) ضدان طبعا (٢١)، ووصفا، ومشاهدة، أسفسطة (٢٢) تقولون (٢٣) أم على الله تفترون (٢٤)، وقولهم: إن كان لطيفا انقلب نارا، في المحال مثله.
_________________
(١) د: رتب له.
(٢) ب، ج، ز: - هو.
(٣) ب: تقولوه. ج، ز: يقولوه.
(٤) ب: فعينوه. ج، ز: فيعنوه.
(٥) ب: يطبخ. ز: بطح.
(٦) ب، ج، ز: للهواء.
(٧) ج: - إلا.
(٨) ب، ج، ز: عنها.
(٩) ب: تنجلي.
(١٠) ب، ج، ز: صرف.
(١١) ب: - لهم.
(١٢) ب، ج، ز: خلط بخلط. وتضلال بتضليل.
(١٣) ب: - قلنا.
(١٤) ج، ز: يعدم.
(١٥) ب، ج، ز: كذا.
(١٦) ج: +كوكبا.
(١٧) د: عادت.
(١٨) ب، ز:. حمق - ج: أحمق.
(١٩) ب، ج، ز: الدخان.
(٢٠) ب، ج، ز: إنهما.
(٢١) د: - و.
(٢٢) ب، د: السفسطة.
(٢٣) ب: تقولون.
(٢٤) ب: يفترون. ز: تكذإو٠. وكتب على الهامش: تفترون.
[ ١٥٢ ]
والطامة العظمى عليهم قولهم: إن النار المتكونة (١) من البخار إذا كان لطيفا تصير (٢) ماء صرفا. فيا (٣) لله ولهذه العقول التي تسمع مثل هذا، دع عنك التي تقوله (٤). وقولهم: إن تحرك شيء من الدخان صار رعدا. قلنا: ليس الاصطكاك لبخار متفكك (٥)، إنما [و٥٧ أ]، يكون لجسم مصمت، ثم (٦) من يحركه؟ وإذا تحرك، من يمسك الآخر حتى يصدمه هذا؟ ولعله يدفعه فيندفع له. وقولهم: فإن قويت حركته صار نارا. قلنا: و(٧) لم يصير نارا؟ وهلا انقلب رجلا مخذولا عندكم، يقول: إنه فعل الله له (٨)؟ أو ينقلب ثورا؟ أو ينقلب ترابا؟ أو (٩) هواء؟ وقولهم: إن ثقل صار صاعقة (١٠)، قلنا: لا ندري ما الصاعقة، إلا (١١) صوت حيوان أو هدم بنيان؟ أو (١٢) يقال لهم: إذا لطف صار نارا، وإذا كثف لم لا يصير طينا؟ وقولهم: لا يخلو برق عن رعد، المشاهدة تكذبه، فإنا نرى البرق في الصحو الذي لا يكون معه غيم أبدا، ويتقدم البرق الرعد قلب ما قالوا.
الجهالة الثانية:
فيما يتكون من المعادن في باطن الأرض ينطوي (١٣) على قاصمة، من جملة الجهالة الأولى، وهي أن الشمس تصعد من الرطب بخارا، ومن اليابس دخانا، إذا سخنت الأرض، فيتكون (١٤) في باطنها أبخرة، فيتصاعد من باطنها من تلك الأبخرة، لما (١٥) سرى من حرارة الشمس فتنفش (١٦) وتتفرق (١٧) في الخروج
_________________
(١) د: المتكاونة.
(٢) د: يصير.
(٣) د: يا.
(٤) ب، ج، ز: الذي يقوله.
(٥) ب، ج، ز: منفك.
(٦) د: - ثم.
(٧) ب، د: - و.
(٨) ب، ص، ز: - له.
(٩) ب، ج، ز: - أ.
(١٠) ج: عقله.
(١١) ب، ج، ز: - إلا. وكتب على الهامش: عله: إلا.
(١٢) ب، ج، ز: - أ.
(١٣) د: ينبني.
(١٤) ب، ز: فتكون. ج: - فتكون أو فيتكون.
(١٥) ب، د: لما. المقاصد لما (ص. ٣٤).
(١٦) ب، ج، ز: فتنفس. المقاصد: يتفشى (ص ٣٤٠).
(١٧) ج، ز: وتفرق.
[ ١٥٣ ]
من مسام الأرض إلا ما يقع تحت الجبال الصلبة، فإنها لا تنفش (١)، فإذا احتقن صار مادة للمعادن، وإذا وجد منفذا في شعب الجبال، فإن كان ضعيفا، بردته (٢) حرارة الشمس ورجع (٣) هواء، وإن كان قويا، أو كانت حرارة الشمس ضعيفة، ولم تؤثر الشمس فيه فيجتمع، وربما أعانت الريح على جمعه، بأن تسوق البعض إلى البعض حتى يتلاحق، فإذا انتهى إلى الطبقة الباردة تكاثف (٤)، وعاد (٥) ماء، وتقاطر، فيسمى (٦) مطرا، فإن أدركه برد شديد جمد (٧) ونزل كالقطن المندوف، وإن (٨) لم تدركها (٩) برودة حتى اجتمعت قطرات ثم أدركتها حرارة من الجوانب فانهزمت (١٠) البرودة إلى بواطنها صارت (١١) بردا.