هي أشدها (٤)، قول ابن حزم: إن الله قادر على أن يتخذ ولدا وأن يخلق إلها إذا شاء ذلك وأراده، بقوله: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء﴾ [الزمر: ٤] (٥) فانظروا إلى هذه الداهية العظمى، كيف جهل الجائز من المستحيل في العقل والمعقول المفهوم من الكلام دون ما لا يعتهل، فإن هذا الكلام ليس له معنى مفهوم، إذ قوله: هل يقدر الله أن يتخذ ولدا، ليس يفهم، لأن الله هو الذي لا يتصور أن يكون له ولد، ولا يمكن، فإذن، معنى ذلك من قول القائل: هل يقدر الله الذي لا يصح أن يوجد (٦) منه ولد، على أن يكون له ولد، فنقض آخر الكلام أوله، فلم يكن له معنى معقول في نفسه فيستحق به جوابا، و(٧) كذلك قوله: هل يقدر الله على أن يخلق (٨) إلها. لأن الله هو الذي لا يصح أن يكون معه إله سواه، فنقض آخر الكلام أوله (٩) ومن ينتهي إلى هذا الحد، فقد سقطت مكالمته. وقال منتهكا (١٠) للشريعة، مستخفا بطرق (١١) الملة أن من ترك الصلاة متعمدا
_________________
(١) ج: يجزيه.
(٢) ب، ج، ز: تقولون.
(٣) ب، ج، ز: - منها.
(٤) ب، ج، ز: أشد.
(٥) قال ابن حزم: وكذلك من سأل: هل الله قادر على أن يتخذ ولدا؟ فالجواب أنه تعالى قادر على ذلك، وقد نص ﷿ على ذلك في القرآن قال الله تعالى: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء﴾ (الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج ٢ ص ١٨٢ - ١٨٣).
(٦) ب: يوخذ.
(٧) د: - و.
(٨) ب: + ولد.
(٩) د: + فلم يكن له معنى معقول في نفسه فيستحق له جوابا.
(١٠) د: مهتكا.
(١١) ب، ج، ز: بطرف.
[ ٢٥٩ ]
حتى خرج وقتها، فقد سقط عنه فرضها، ولم يتوجه عليه خطاب بها، وقد رأى أصول الشريعة ثابتة في الذمة تقضي متى تعذر عملها، من صوم، وزكاة، وحج، فهلا ارعوى، ولم يغو فيمن غوى، ولا ضج (١) على الدين وعوى. فإن قيل فقد قال الله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت [و٨٨ ب] على المؤمنيين كتابا موقوتا﴾ [النساء: ٥٣]، فربطها بوقت، كما ربطها بطهارة، فإذا زال رباطها (٢)، سقط الأمر بها. الجواب عن ذلك من خمسة أوجه الأول: أني (٣) أعظكم بواحدة تكشف خفاء المسألة، وتهتك سترها، وترفع حجابها، وهو أن تناقشوهم في الألفاظ حتى لا يتمكنوا (٤) من أن يخرجوا (٥) عنها إلى المعاني، فإنهم تجدهم (٦) لا يتبعون لفظا، ولا يصح ذلك لبشر (٧)، فبم يرون (٨) أنهم مهتدون وهم ظالون؟ قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ فلفظ موقوت (٩)، مفعول من الوقت، والتقدير: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا مفعولا في وقت، ولا شك (١٠) في أن كل عبادة وعمل شرعي موقوت (١١)، فتفسيرهم مرتبط بوقت، لا يقتضيه اللفظ، فإن لفظة مفعول لا تقتضي (١٢) الارتباط بوقت ببنائه، ولا بمعناه. الجواب الثاني: ليس بناء وقت من الزمان خاصة بل هو موضوع لكل محدود، قد قال في الحديث الصحيح: (وقت النبي - ﷺ - لأهل المدينة، ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل) فاستعمل التوقيت في الأمكنة ليبين أنه لفظ موضوع للتحديد والتعيين في الأقوال والأعمال، كانت لوقت، أو لمكان، أو لوصف. الجواب الثالث: إن قوله: ﴿موقوتا﴾ يفيد أن الوقت شرط من شروطها، كالقبلة، وستر العورة (١٣)، وكل شرط منها كلها إذا فقد لا يمنع من
_________________
(١) د: ضج.
(٢) ب، ج، ز: ربطها.
(٣) ب، ج، ز: إن.
(٤) ب، ج، ز: حتى تتمكنوا.
(٥) ج، ز: تخرجوا.
(٦) د: بخذلتهم.
(٧) ب، ز: بيس. وكتب على هامش (ز): ليبس، ج: بليس.
(٨) ب، ج، ز: ترون.
(٩) ج: موقوتا.
(١٠) د: - في.
(١١) ب: موقوف.
(١٢) د: وإن مفعولا لا يقتضي.
(١٣) د: كالنية وستر العورة واستقبال القبلة.
[ ٢٦٠ ]
فعلها بإجماع، فكذلك فقد (١) الوقت، وليس في هذه الشروط كلها أحاديث، يتعلقون بها، وإنما هي كلها ثابتة بالقياس. الجواب الرابع: نقول: إن النبي [و٨٩ أ]- ﷺ - قد أبان الحقيقة، وأوضح سواء الطريقة، في نوم أصحابه عن الصلاة بحضرته (٢) في ثلاثة أحوال، عرضت لهم معه: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٣) ويفعلها (٤) في قضائها حين لم يفعلها معهم في وقتها، وقد تساوى معهم في الترك، وإن كانوا قد اختلفوا في سبب الترك وقد بينا فيما سلف من كلامنا أن ما يعرو (٥) رسول الله - ﷺ - من هذه المعاني التي هي جبلة الآدمي (٦) هي بركة على الأمة، فإنها لهم فيما يصيبهم سلوة، ولأتباعهم له في ذلك أسوة، وقد تفطن لذلك حبر (٧) الأمة فيما روى عنه الأيمة قال مسروق (٨) عن ابن عباس: (كان رسول الله - ﷺ - في سفر، فعرسوا من الليل قال: فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس. قال: فأمر بلالا فأذن ثم صلى ركعتين فما يسرني أن لي (٩) بها الدنيا وما فيها) (١٠) قال علماؤنا لما كان (١١) في ذلك من التبيان (١٢) لمن عراه بمثل ما عراه، وشغله عن طاعة ربه، أي (١٣) شغله حتى أذهله وأنساه ثم عاد (١٤) إلى ذكراه، ولو كان قوله: ﴿موقوتا﴾ مربوطا بوقت مخصوص معين لم تكن (١٥) في غيره، واقعة موقعها، لأن ذلك يبطل ارتباطه بها. فإن قيل ذلك الوقت الذي ربطت به إنما يعلم من قبله فجعله (١٦) معينا للعالم، وجعله (١٧) للذاهل أو النائم (١٨) وقت الذكر. قلنا: قد بينا أن اللفظ لا يقتضي ذلك، ولا يعطيه الاشتقاق. وقد بينا أن الشريعة لا تخص بذلك، كل
_________________
(١) د: بعد.
(٢) ب: لحضرته.
(٣) رواه البخاري ومسلم وأحمد.
(٤) ب: بفعله. ج، ز: يفعله.
(٥) ب، ز: يعدو. ج: يعد.
(٦) د: الآدمية.
(٧) د: خير.
(٨) مسروق بن الأجدع الهمداني صاحب ابن مسعود ترفي سنة ٦٣ هـ/ ٦٨٣م.
(٩) د: - أن لي.
(١٠) أخرج أحمد ق مسنده الحديث. ولكنه لم يأت بقول ابن عباس فيه.
(١١) د: - كان.
(١٢) ب، د: النيان.
(١٣) د: + شيء.
(١٤) ج: عاده.
(١٥) ب: يكن.
(١٦) ج، ز: فيجعله.
(١٧) ج، ز: يجعله.
(١٨) ب، ج، ز: والنائم.
[ ٢٦١ ]
عمل محدود، لا بد له من وقت، إلا أنه قد يكون مطلقا، وقد يكون معينا بحسب لا قامت عليه أدلة الشريعة من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج وفرض ونفل. والجواب الخامس: أنه لم تزل (١) الأمة من عصر الصحابة متفقة على أن من ترك [و٨٩ ب] الصلاة بأي وجه تركها حتى يخرج الوقت الذي يقولون، إنه يلزمه قضاؤها أبدا من نسيان أو سهو، أو نوم. واختلفوا في المغلوب على عقله بالإغماء والجنون وقد تولجت تلك الأقطار الكريمة، ودخلت تلك (٢) الأمصار العظيمة، وجبت الآفاق القاصية نيفا على عشرة أعوام، فما رأيت أحدا تفوه بهذا الكلام، ولا وجدته مسطورا في كتب أيمة الإسلام، ولو أن أهل بلدنا (٣) إذ سمعوها تفلوا (٤) عليها، ولم يلفتوا (٥) إليها إذنا، ولا قلبا، ولا ليتا (٦)، لماتت. إنما اختلفت العلماء قديما وحديثا فيمن ترك الصلاة متعمدا هل يكون بذلك كافرا؟ فقال أحمد بن حنبل، وابن حبيب (٧) من المشاهير: هو كافر، لألفاظ وردت عن النبي - ﷺ - منها قوله: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر" (٨) وهذا قول صريح في حديث صحيح، ولو لم يعارضه سواه، لقلنا به، ولكن صدنا عن ذلك معان: المعنى الأول: أن لفظ "كفر" قد يرد في الشريعة بمعنى أشرك، وخرج عن الملة، وقد يرد بمعنى لم يشكر حق النعمة، قال النبي - ﷺ - للسناء: "إني رأيتهن (٩) أكثر أهل النار". قالوا (١٠): بم يار رسول الله؟ قال: "بكفرهن" قيل أيكفرن ب الله؟ قال: يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم أسأت إليها يوما واحدا (١١)، قالت: ما رأيت منك خيرا قط"، وقد يرد بمعنى ستر لقوله - ﷺ -: "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر" قيل: ستر نفسه عمن يجب
_________________
(١) ب: يزل.
(٢) د: - تلك.
(٣) د: بلادنا.
(٤) د: ثفلوا.
(٥) ب، ج، ز: يلتفتوا.
(٦) صفحة العنق.
(٧) عبد الملك، ين حبيب مفتي أهل الأندلس صاحب الواضحة في الفقه، توفي سنة ٢٣٨ هـ/ ٨٥٣م (الذهبي، العبر، ج ٤٢٧ - ٤٢٨).
(٨) رواه الترمذي عن بريدة ولفظه: العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر.
(٩) ب، ج، ز: رأيتكن.
(١٠) د: قال.
(١١) ، ب، ز: - يوما واحدا. وكتب في الهامش: أنه أثبت في نسخة أخرى.
[ ٢٦٢ ]
عليه إظهارها له، وقيل: إنه كالأول في أنه كفر نعمة سيده، أي لم يشكرها كنحو قوله: ﴿واشكروا لي ولا تكفرون﴾ [البقرة: ١٥٢] فجعله من الكفر الذي هو ضد الشكر، لا ضد الإيمان الذي هو [و٩٠ أ]، توحيد الله. المعنى الثاني: أن النبي - ﷺ - قال: "أخرجوا من النار من (١) في قلبه مثقال ذرة من إيمان". المعنى الثالث: أن عبادة (٢) روى عن النبي - ﷺ - قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من جاء بهن لم يضيع (٣) منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند (٤) الله عهد أن (٥) يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له (٦) عند الله عهد (٧)، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له" (٨) وهذا نص قاطع، فإن الكافر لا يكون في مشيئة المغفرة بما أخبر به عن ذلك سبحانه.