قال القاضي أبو بكر (٣) ﵁ (٤): فلما وعيت هذا سماعا، وكتابة عنه، وقراءة، رجعت إليه متأملا بصادق البصيرة، وعرضته على قواعد النظر، في المعقول والمنقول، ونظرت في أفراده، ثم جمعه (٥)، فرأيت أنه لا يخفى على ناظر، أن النفس موجودة، والبدن موجود، والروح والنفس (٦) والقلب والحياة، ألفاظ واردة في الشرع، منطلقة في لسان العرب، على معان قد عرفوها، إذ لا يصح أن يخاطبوا بما لم يفهموا ولا (٧) أن يعبروا بما (٨) لم يعلموا، وهي بينة عند الطوائف كلها، عاقلوها ومتشرعوها.
فأما البدن فمحسوس، وأما القلب فمشاهد في بعض الأحوال ولكن عند التعطل من عمله، وعند الانفصال عن محله، وأما الروح فمعقولة، وأما النفس فاختلفوا، فمنهم من جعلها الدم، فتكون جسما محسوسا، ومنهم من جعلها معقولة بمنزلة الروح، وحين دارت هذه الألفاظ على ألسنة الأنبياء والحكماء المتلقين (٩) عنهم، دارت على رسم التوارد، فقد يعبر بالروح عن القلب، والنفس، وعن القلب بهما وعن النفس بالروح، وعن الروح والحياة بهما، وقد يتعدى بهذه الألفاظ إلى غير العقلاء، بل إلى غير الأحياء، فتجعل في كل شيء، فيقال لكل شيء قلب، ونفس، وروح، وحياة، استعارة، فمن لم يعقل وجه الاستعمال تاه (١٠) في مجاهل لا عمارة بعدها، ومن أراد أن يلبس (١١)
_________________
(١) د: تتزيد.
(٢) ب: بصفاتها، وعلق على ذلك ابن باديس بقوله: أو بصفائها.
(٣) د: قال أبي.
(٤) ب، ج، ز: - ﵁.
(٥) د: جمعته، ب: علق ابن باديس عليه بقوله: أو جمعته.
(٦) د: - والنفس.
(٧) د: - ولا.
(٨) د: عما.
(٩) ب، ز: المتلقفين، ج: المتلقيين.
(١٠) ج: تارة.
(١١) ب، ج، ز: يلتبس. وعلق ابن باديس عليه بقوله: لعله يلبس.
[ ٢٦ ]
بها وجد مجالا مشكلا للتلبيس، لكثرة الاستعمال.
والمعلوم في الجملة أنه (١) خلق آخر غير البدن، كما قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (٢) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن [و٩ ب] الخالقين [المؤمنون: ١٤]. فبين أن الجسم خلق، والذي وراءه (٣) خلق آخر، مجاور له، مغاير، وأنت ترى في الجملة أن للبدن صفات، هي القدرة، والعلم، والكلام، والإرادة، والحياة، والسمع والبصر، فهذه الصفات السبع، هي عماد التقدير، والتفكير (٤)، والإيجاد والتصرف، وليس يمكن أن يقال في الحياة، أكثر من أنها صفة بها يستعد المحل لقبول الصفات الست (٥) وهي الروح، وهي النفس، وأرادت طائفة التشغيب، أن تفرد الروح ببيان، وتخصه بنوع من البرهان، حتى انتهى بهم القول، إلى أن يقولوا: وما الإنسان؟.
لقد أخبرني أبو سعيد الزنجاني بالمسجد الأقصى طهره الله، عن الأستاذ أبي المظفر شاهفور (٦)، أن أعرابيا دخل البصرة، فرأى حلقة المتكلمين، فقصد إليها فظن أنها حلقة ذكر، فوجدهم يتكلمون في حقيقة الإنسان، وقد كان عند نفسه معلوما، فلما رأى أهل تلك الحلقة، قد أدخلوه (٧) في مبادأة (٨) من يريد (٩)، وأكثروا فيه من المراجعة والترديد، قام وهو ينشد:
إن كنت أدري فعلي بدنهمن كثرة التخليط في من أنه
واحتاج شيخ السنة، وصاحبه (١٠) لسان الأمة، ومن دارت عليه من
_________________
(١) ز: كتب على الهامش: أي الروح.
(٢) ج: - من طين.
(٣) ب، ج، ز: فيه.
(٤) ج، ز: التفكر.
(٥) د: - الست.
(٦) طاهر بن محمد الإسفراييني صاحب كتاب التبصير في الدين ٤٧١ هـ/ ١٠٨٠ م وهو أشعري الاعتقاد شافعي المذهب (طبقات الشافعية الكبىرى، ج٣ ص١٧٥).
(٧) ب، ج، ز: ادخلوا.
(٨) د: مناداة.
(٩) ب: بديد أو بريد.
(١٠) ج، ز: صاحبيه.
[ ٢٧ ]
طبقاتهم الملة، وأعيان السنة الجلة إلى (١) أن يعقدوا (٢) في ذلك أبوابا، ويجمعوه (٣) كتابا، فأحسنوا عن الحق منابا (٤)، فإن الملحدة أدخلت هذه الألفاظ في باب الإشكال، تشغيبا وتلبيسا، والأمر فيها بشهادة الله قريب سجدا.
فإن قيل: كيف تقرب البعيد، الذي شهد الله ببعده، ولم يجعل لأحد فيه سبيلا من بعده، فقال: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٨٥]؟ قلنا: قد [و١٠ أ] تكلمنا على هذه الآية في "أنوار الفجر"، و"شرح الصحيحين"، بما لبابه، أن أحدا من المسلمين لم يسأل رسول الله - ﷺ - عن الروح (٥) لعلمهم بها، وذكرهم لها، في كتابه الذي جاء به إليهم، وما كان ليأتيهم بمجهول، ولو جاء به، ما قبله الأعراب (٦) منه، وقد كانوا يترصدون وجها من الطعن (٧)، فكيف إذا وجدوه يأتي بما لا يعلم، ويتكلم بما لا يفهم، وإنما جاءت اليهود بعنادها، إلى رسول الله - ﷺ - فسألته عنها بطنه (٨) وعادة، لم تزل تتظاهر بفسادها، مقصدها أن يقول لهم النبي - ﷺ - (٩): "هي كذا"، فيراجعونه فيه، ويجادلونه عليها، فأمره الله أن يردعهم (١٠) عنها صيانة له عن تشغيبهم، بما لا يعلمونه، ولا يفتقرون إليه، ولا يحتاجونه (١١) حتى قالت (١٢) جماعة (١٣): إنه كان من وصفه في التوراة، أنه لا يجيب عن هذا السئال، وهذا وإن لم يرد في الصحيح لم
_________________
(١) ب، ج، ز: إلى.
(٢) ج، ز: يقيدوا.
(٣) ب: + في ذلك.
(٤) ج، ز: نقابا.
(٥) ز: + (لعدم علمهم بها وعدم ذكرها في كتابه) في الهامش.
(٦) ب، ج، ز: الأعداء.
(٧) ب: النقص أو الظن، ج، ز: النقص. وعلق عليه في هامش ز: أصل: الظن.
(٨) بطنة: بالكسر: البطر والأشر وفي د: بطية. وقد حكى سبويه بطية وقال صاحب القاموس المحيط أنه لا يعلمها إلا أن تكون لغة في أبطأت.
(٩) د: - ﷺ.
(١٠) ج: يردهم.
(١١) ج، ز: ولا يحاجونه، د: يحاجونه. وصحح في هامش ز.
(١٢) د: قال.
(١٣) ز: + إله.
[ ٢٨ ]
يبعد (١)، لأنه من صفات العقلاء، فكيف بالأنبياء، أن لا يتكلموا في فضول (٢)، ولا يخوضوا في غير تحصيل، ولا يجوز هذا مع من يقصد التشغيب، والتضليل، وأنت ترى، ما انتهى الفضول بعلمائنا في تعرضهم لحد العلم، أن بلغ (٣) القول فيه مع الخصوم، إلى عشرين عبارة ليس منها حرف يصح، وإنما هي خيالات، والعلم لا يقتنص بشبكة الحد، وإذا لم يعلم العلم، فماذا يطلب، أو إلى أي شيء وراءه يتطلع؟ (٤) وإنما أنشأ هذا حثالة المعتزلة، وكلهم حثالة، لإضمارهم الإلحاد، قصد إيقاع التشكيك والإلباس على الخلق في الحقائق، ليتذرعوا (٥) بهذه الطريقة إلى مقصدهم الفاسد، وجعلوا يفيضون في الاعتقاد والعلم حتى أنشأوا كلاما يملأ الفضاء، حقه (٦) أن يقابل بالإعراض وقد أشرنا إليه في التمحيص (٧) وغيره.
قال القاضي أبو بكر (٨): وإذا انتهى النظر إلى هذا المقام، فنقول إنك أيها المرء، بعد، لم [و١٠ ب] تثبت لك معرفة النفس والروح، والقلب، على ما تزعم، ولا استقرت عندك (٩) حقيقة لذلك، كله (١٠) فكيف (١١) تريد أن تركب عليه، أنه يعلم المخلوقات، ويؤثر في الأرضين والسموات، لقد أبعدت مرماك، حققه على ما يجب، وبعد فركب (١٢) عليه ما تركب.
وأما (١٣) الإشارة بتجرد النفس: أو القلب، عن علائق المحسوسات ليترقى (١٤) إلى المعقولات، فعسى أن يكون ذلك إذا مات، فأما مع الحياة فيبعد ذلك، أو يستحيل (١٥) عادة، وقد كان النبي - ﷺ -، يقول في الحديث
_________________
(١) ب: فليس يبعد، ج، ز: فليس ببعيد.
(٢) د: الفضول.
(٣) د: أن يبلغ.
(٤) ج: يطلع.
(٥) د: ليتدرعوا.
(٦) ج: منه.
(٧) ج: التمحيض.
(٨) د: قال أبي ﵁.
(٩) د: - عندك.
(١٠) د: - كله.
(١١) ب، ج، ز: - فكيف.
(١٢) د: - تركيب.
(١٣) ب: وما.
(١٤) ب: لترتقي، ج، ز: ليرتقي.
(١٥) ب، ج، ز: ويستحيل.
[ ٢٩ ]
الصحيح (١): "إنه ليغان على قلبي فأتوب مائة مرة"، فكيف يصح أن يدعي عاقل، فكيف عالم، قلبا لا يدركه غين، ولا تتطرق (٢) إليه غفلة، حتى يترقى إلى حالة الفناء، حتى يفنى عن نفسه، فلا يرى أهلا ولا حالا (٣)؟ وقد حف بالنبي الأزواج، وخالطهن بالوطء، وكيف يدعي أحد قطع علائق ربطها الله قبل، ولم يأذن (٤) بحلها، وكان النبي (٥) يشدها، ويحت على النكاح، وعلى انتقاء الأبكار، لا على انتفاء (٦) الأفكار (٧)، وأي نفس تكون ذلك أو أي قلب؟ و(٨) النبي ﵇، لم يرد الصحابة إلى ما زعموا من الطريقة، وإنما ردهم إلى ألفاظ القرآن، وما كان معهم عليه، حتى استأثر الله به.
وأما قوله: إن ذلك ينال بالتجربة معهم، والصحبة لهم، فإن التعرض للتجربة إنما يكون في الممكن، فيحك ما يمكن في مدق (٩) التجربة، فأما (١٠) الذي لم يثبت بدليل، ولا سبقت به عادة، فكيف يتعرض له بتجربة، والصحابة لم يسلكوا طريقه، ولا نظروا تحقيقه، والذي يدل على بعده الحديث الصحيح، واللفظ لمسلم، أن حنظلة الأسدي (١١) وكان من كتاب رسول الله - ﷺ -، قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه [و١٠ ب] وسلم فوعظنا فذكرنا بالنار، قال: فجئت إلى البيت فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة، قال: فخرجت فلقينى أبو بكر (١٢)، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: نكون عند
_________________
(١) د: - في الحديث الصحيح.
(٢) ج، ز: يتطرق.
(٣) ب: علق عليه ابن باديس بقوله: لعله: مالا.
(٤) ب، د: قبل أن يأذن.
(٥) ج: + ﵇، ب: + ﷺ.
(٦) ز: كتبت على الهامش: انتقاد.
(٧) ب: الإنكار.
(٨) ج: - و.
(٩) ب: مندق، ج: صدق، د: ميزن، ز: صدق.
(١٠) ب، ج، ز: وأما.
(١١) حنظلة بن الربيع بن صيفي التميمي صحابي تخلف عن علي يوم الجمل توفي سنة ٤٥ هـ/ ٦٦٥ م (الكامل لابن الأثير حوادث سنة ١٠٠. الزركلي، الأعلام، ج٢ ص ٣٣٢).
(١٢) ب، ج، ز: + ﵁.
[ ٣٠ ]
رسول الله (١)، يذكرنا بالنار، والجنة، كأنا رأي عين، فإذا خرجنا (٢)، من عند رسول الله - ﷺ - (٣)، عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات، فنسينا (٤) كثيرًا قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر، فدخلنا على رسول الله (٥)، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله (٦)، فقال رسول الله (٧): "وما ذاك؟ " قلت: يا رسول الله (٨) نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا (٩) الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا، فقال رسول الله (١٠): "والذي نفسي بيده، لو تدومون (١١) على ما تكونون عندي" (١٢) وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) فتفطن الصحابة لتغير القلب، عند مفارقة النبى - ﷺ - عن الحالة التي يكون (١٣) معه عليها، وسألوا النبي عن ذلك، فأخبرهم أن تلك الحالة، لو دامت لصافحتهم الملائكة معاينة، وذلك ممنوع من الله للخلق فما يفضي إليه ممنوع، وإلا فلم لم (١٤) يحضهم عليه، وهل كان فوق منزلة (١٥) الخلفاء منزلة، يرتقى إليها، وما كلمهم ملك، ولا صافحهم؟.
وأما قوله: إنه (١٦) يتقدمه (١٧) نوع من النظر، وهو النظر في حقيقة القلب، فليس له حقيقة، إلا التي لليد، وكلاهما وتيرة (١٨) وهل هما إلا جسم مركب (١٩) من لحم، أو من لحم وعظم، وعصب فإن قال: اكشف لي (٢٠) عن
_________________
(١) ب، ج، ز: + ﷺ.
(٢) ج: أخرجنا.
(٣) د: - ﷺ.
(٤) ج، ز: نسينا.
(٥) ب: والله.
(٦) ب، ج، ز: + ﷺ.
(٧) ب، ج، ز: - يا رسول الله.
(٨) ب، ج، ز: + ﷺ.
(٩) ز: نافسنا.
(١٠) ب، ج، ز؛ + ﷺ.
(١١) د: تدمون.
(١٢) ب: - و.
(١٣) د: تكون.
(١٤) ج، ز: لا.
(١٥) د: - منزلة.
(١٦) ب، ج، ز: - إنه.
(١٧) ب: يقدمة، ج، ز: بتقدمة.
(١٨) ب، ج، ز: وتمرة. والوتيرة هي الطريقة الواحدة، ويقال وتر القوم جعل شفعهم وترا (القاموس المحيط).
(١٩) د: تركب.
(٢٠) د: - لي.
[ ٣١ ]
حقيقة القلب، [و١١ب] قيل له، واكشف عن حقيقة اليد، ولعلك تظنها هذه (١) الجارحة المشاهدة، لقد قصر نظرك إن أوقفته (٢) عليها، هيهات بل (٣) هي معنى وراء ذلك، فإنك تشاهدها متصرفة (٤) مقدرة، موجدة، منيلة معينة (٥) ثم (٦) تارة (٧) و(٨) صاحبها قائم القناة (٩) كالخرقة الملقاة، فلو رمت أنت وصاحب الجيم (١٠) في طبه، والطائين (١١) في طبيعتهما (١٢)، والفاء في إلاهيته، أن يذكر في ذلك حرفا، يفيد علما، لم تستطيعوه (١٣) ولولا الطول (١٤) لسردت عليكم (١٥) في ذلك مناظرات، من "نزهة المناظر وتحفة (١٦) الخواطر"، تعجبون منها، فانظروها فيها.
وأما قوله: إن القلب مستعد بذاته، لتعلم (١٧) المعلومات، فهذا لا يجوز في صفة الإله، فكيف أن يجعل ذلك للقلب؟ لا يصح أن يكون شيء يعلم بذاته، لا من قديم ولا من محدث (١٨)، وهذا شيء أصلوه، ليركبوا عليه انكار الصفات، إنما القلب واليد (١٩) موجودان خلقهما الله، ويخلق فيهما على الترتيب والتدريج، ما شاء، ولكل واحد مجراه الذي جعل له، ليس لواحد منهما صفة، إلا أن يخلق الله (٢٠) فيهما ما شاء (٢١)، أو لا يخلق.
وأما المرآة، فلا يصح التمثيل (٢٢) بها، في هذه القضية، وأنا أعلم
_________________
(١) ب، ج، ز: - هذه.
(٢) ج، ز: أوقعته.
(٣) ب: بك.
(٤) ب، ج، ز: مصرفة.
(٥) د: مفيته.
(٦) ب، ج، ز: - ثم.
(٧) كذا في الأصول الأربعة.
(٨) ج: - و.
(٩) ب: ألفياه.
(١٠) ج، ز: الخيم.
(١١) ب: وطابن، ج، ز: والطابن.
(١٢) ب: صبيعتهما.
(١٣) ب: يستطيعوه.
(١٤) ب: التطويل.
(١٥) ج: - في ذلك حرفا يفيد علما لم تستطيعوه ولولا الطول لسردت عليكم.
(١٦) د: وتحف.
(١٧) د: ليعلم.
(١٨) د: حديث.
(١٩) ب، ج، ز: اليد والقلب.
(٢٠) ب، ج، ز: الله يخلق.
(٢١) ب، ج، ز: ما يشاء.
(٢٢) ج، ز: التمسك.
[ ٣٢ ]
بسرهم (١) فيها، واعتقادهم في حقيقتها، فإنهم بنوها على أن الإدراك فيها، إنما يكون بانعكاس الأشعة على زوايا في مرايا، وذلك مذكور في كتب المناظر وخاصة المنسوبة إلى بني الهيثم، وإنما يذكرونها جبها (٢) للناس، وتشكيكا (٣) لهم، وسكونا إلى أن علماءنا قد احتجوا بها، وعولوا في رؤية الباري عليها، وأنه مرئي في غير جهة، ونحن الآن لا نفتقر إليها، فلا نسلمها، ولا نخوض معهم فيها، وأنا أعلمكم أنهم إذا اجتمعوا مع إخوانهم المعتزلة، فتذاكروا (٤) أنا نحتج في [و١٢ أ] مسألة رؤية الباري في غير جهة بمسألة المرآة، ضحكوا منا، وفكهوا بنا، وحكموا بالجهالة علينا.
ولقد مشيت يوما بعسقلان، إلى محرس باب غزة (٥) وقد كان القاضي حامد المعتزلي الحنفي (٦) ورد علينا بها، فاجتمع عليه (٧) الشيعة، والقدرية، وأهل السنة على طريقتهم، في قصد الواردين المتحلين (٨) بالعلم، والمنتسبين (٩) إليه (١٠) وكانت (١١) بيني وبينه معرفة في المسجد الأقصى، فقال له أحد أصحابه: هل يحكم (١٢) بكفر الأشعرية، في قولهم: إن الباري يرى؟ فقال (١٣) له القاضي حامد: لا يحكم (١٤) بكفرهم لأنهم يقولون: إنه يرى في غير جهة، فيذكرون (١٥) ما لا يعقل، ومن قال ما (١٦) لا يعقل لا يكفر، وفي هذا الكلام نظر يأتي بيانه (١٧)، إن شاء الله تعالى، وإنما ذكرته لكم لتعلموا قدرنا (١٨)
_________________
(١) ب، ج: قصدهم، ز: قصدهم. وعلق عليه في الهامش مصححا من الأصل المقابل عليه.
(٢) د: حسما.
(٣) ب: وتسكينا.
(٤) ب، ج، ز: فذكروا.
(٥) د: عزة.
(٦) لم نعثر له على ترجمة بعد البحث الطويل.
(٧) ج: إليه.
(٨) ج، ز: المتحليين.
(٩) ج: والمنسيين.
(١٠) د: - إليه.
(١١) ب: كان.
(١٢) ب: تحكم، ج، ز: نحكم.
(١٣) ب، ج، ز: قال.
(١٤) ب، ج، ز: نحكم.
(١٥) ب، ج، ز: ويذكرون.
(١٦) ج: - ما.
(١٧) د: + بعد هذا.
(١٨) ج، ز: قدر ما.
[ ٣٣ ]
عندهم، ولولا أنكم لم تتمرنوا بالهندسة، لأريتكم (١) من خطئهم في المرآة ما لا يخفى على من تعلق بشيء من الطريقة.
ولقد قلت يوما لبعض حذاقهم وقد تفاوضنا في المناظر (٢)، بسبب القول في رؤية الله ﷿، على اتصال الأشعة، وانعكاسها بصقالة الأجسام فقلت له: فهذا الماء الصقيل إذا نظرت إليه، رأيت نفسك معكوسا فيه، وأنت مستقيم عليه، فإن كان الإدراك في الصقيل، لا يكون إلا بانعكاس الشعاع، فهذا أيضا (٣) انعكاس في انعكاس، فكيف التقيا على (٤) خط، وانحرفا في زاوية؟ فبهت، وجرى من الكلام ما لا فائدة لكم في ذلك (٥) لأنه ليس من ألبابه (٦)، فأنزلوا معهم إلى أن (٧) القلب محل العلم، فمن أين تقولون إنه صقيل، ولصقالته (٨) تجلت المعلومات فيه؟ فلا يجدون (٩) شيئا يعولون عليه، إنما الباري يخلق في القلوب (١٠)، إدراك العلوم، ابتداء ويركبه (١١) فيجري التدبير فيها والتقدير [و١٢ ب] والتفكير على نظام، فذلك النظام (١٢) المستقيم الجاري على القوام (١٣) والتقويم (١٤)، سماه سبحانه شرحا تارة، وتنويرا أخرى، تعليما منه لخلقه حين (١٥) لم يتأت (١٦) لهم نظام، في الأفعال المحسوسة إلا بأنوار الله (١٧)، النور المحسوس، والنور المعقول، فاعرفه، واعترف، وأقدره قدره، وأنسبة إلى نسبته (١٨)، وأنزله (١٩) منزلته، ولا تعد به (٢٠) عن محله.
_________________
(١) ج: ليتكلم.
(٢) ج; المناظرة.
(٣) د: إذا.
(٤) ب، ج، ز: في.
(٥) ج: ألك.
(٦) ب: الباب.
(٧) ب: - أن.
(٨) ج: والصقالة، د: وبصقالاته.
(٩) ب، د: تجدون.
(١٠) ب، ج، ز: القلب.
(١١) ج، د، ز: ومرتبة. ولعله: ويرتبه. وصحح في هامش ج، ز: يركبه، واختار ابن باديس: يربه.
(١٢) ج: - النظام.
(١٣) د: القيام.
(١٤) جـ، ز: حتى. وصحح في الهامش.
(١٥) ب، ج، ز: حتى. وصحح في الهامش.
(١٦) ب، ج، ز: + منه.
(١٧) د: ولله، وصحح في متن ب، ج، ز; وكتب على هامش ب: فلله. وعلى هامش ج، ز: ولله. على أن ذلك كان في الأصل القابل به.
(١٨) ج: نسبة، ب، نسبه.
(١٩) ب، ج، ز: + في.
(٢٠) ب، ج، ز: لا تعديه.
[ ٣٤ ]
وأما دعواهم رؤية الملائكة والأنبياء، وسماع كلامهم، فذلك ممكن للكافر والمؤمن، فأما رؤية الكافر له (١)، فعقوبة، وحجة (٢) وبلاء (٣)، وفتنة، وأما رؤية المؤمن (٤) فكرامة، ولو كان رؤيتهم للملائكة - كما يقولون - لصفاء القلب (٥) فيتجلون فيه (٦) لاقتصرت (٧) رؤيتهم على القلب الصقيل، ولم يرهم قلب لصدأ (٨)، قد تراكم بالرين، وهذا مما يمنعونه سرا، ولا يقدرون عليه جهرا، لأنهم يتظاهرون بالإسلام، فأما الفلاسفة فيمنعونه (٩)، وسيأتي الكلام معهم في طريقتهم (١٠)، في الأدلة، وعقيدتهم في الملة إن شاء الله تعالى (١١). وقد سمعت الصحابة كلام الملائكة، وسمعها من لم يؤمن، ورأوها (١٢) في صورة الآدمي، ورأوها (١٣) في صورة النحل (١٤)، ولم يكونوا من صفاء القلب، وقطع العلائق بحيث يشترطون في رؤيتهم، وإن كانوا من تقوى الإله، وفضل المعرفة، بأوفى مرتبة، فهذه (١٥) دعاوى باطلة، لا أصل لها في منقول ولا معقول.
وأما قولهم: إن النفس تؤثر من (١٦) ذاتها حتى تترقى إلى جنسها (١٧)، حتى تترقى إلى العوالم (١٨)، فيبعد أن يتخيل هذا عاقل، فكيف عالم، إنه ليس لشيء تأثير، ولا صنع (١٩)، ولا توليد، لما (٢٠) ثبت من الأدلة في موضعه، فإنه (٢١) لا خالق إلا الله، ولا يخرج من العدم إلى الوجود شيء إلا بقدرته [و١٣ أ]، وقد دللنا على ذلك في موضعه، واعطف على شيخنا بالكلام، دون غيره من
_________________
(١) ب، ج، ز: - له.
(٢) ب: وحجبه.
(٣) ب: ويلا.
(٤) ب:+ له.
(٥) ب:+ الصقيل. ويبدو أنه مشطوب كما أشار إلى ذلك ابن باديس.
(٦) ب، ج، ز: فيها.
(٧) ب، د: لاقتصر.
(٨) د: يصدأ، ج، ز: بصدأ.
(٩) ب، ج، ز: فمنعوه.
(١٠) د: طريقهم.
(١١) ب، د: - تعالى.
(١٢) ب، ج، ز: ورآها.
(١٣) ب، ج، ز: ورآها.
(١٤) ب، ث: النمل.
(١٥) ج، ز: فهذا.
(١٦) ب، ج، ز: في.
(١٧) ب: - حتى تترقى إلى جنسها.
(١٨) د: أبعد ألم.
(١٩) ب، س، ز: منع.
(٢٠) د: بما.
(٢١) ب، ج، ز: بأنه.
[ ٣٥ ]
الأنام، لما بيني وبينه من مجلس ومقام، فأقول له (١): سبحان الله هل أخذنا عنك في (٢) كتاب، وقيدنا على كل باب، إلا (٣) أن الله منفرد بالإيجاد، متوحد بالاستبداد وأن ما سواه لا ينسب إليه فعل، ولا يناط به حادث، وأين ما سردت في مناجاة النملة والقلم، حتى انتهيت إلى المنهج الأمم، وأين التبري من الوقوف على تلك المنازل، في النوازل، والترقي على تلك الدرجات في المدارج، حتى انتهيت إلى بحبوحة القدس، فالآن ترد التأثير إلى النفس، هيهات، إن ما يخلقه الله في بدن العائن، هو كما يخلقه (٤) في بدن المسحور، كما يخلقه في بدن المضروب والمقتول، كما يخلق حركة الخاتم بحركة اليد، أين ما قيدت، بعد أن انفردت في "الاقتصاد" و"المستصفى" وما رويت عن إمام الحرمين في مدارك العقول، مما قيدناه في انفراد الباري بالإيجاد، وحده، وكل مخلوق محل لمجاري مقادير الله؟.
فإن قلت: إن النفس تؤثر ذلك، عند تعلق القصد منها إليه، قلنا: هذا فاسد من ثلاثة أوجه (٥): الأول: إن هذا ما يجب أن يثبت أولا، مشاهدة، أو بخبر (٦) صدق، يوجب العلم، وحينئذ تنسبه (٧) إلى الله إيجادا بالقدرة الأولية (٨) في الأصل، وتجعل النفس، وما تعلقت به محلا (٩) لمجاري مخلوقات الله. الثاني: إنه وإن كان (١٠) انكشفت له المعلومات، واتضحت له المعقولات، واستبصر بالحقائق، والكائنات، فليس في قوة القلب، تأثير في الإيجاد، وإنما غايته الإدراك، والكشف، فأما تعديه إلى الإيجاد، فلا يصح بحال. الثالث: إنك إن (١١) قلت: وجدناه (١٢) بالتجربة، فهذا عمر قد قال: يا سارية الجبل، وهذا الأوزاعي قال لرجل يعظه [و١٣ب]: لو أطعت الله، وقلت لهذا الجبل ادن لجاءك، فتدكدك الجبل، وسعى حتى دنا من الأوزاعي،
_________________
(١) ب، د: - له.
(٢) د: + كل.
(٣) ج: الأول.
(٤) ب، ز: + الله.
(٥) ب، ج، ز: لا يصح من أوجه.
(٦) ب: لخبر.
(٧) ب، ج، ز: ينسب.
(٨) ج، ز: الأزلية.
(٩) د: مثلا.
(١٠) د: - كان.
(١١) ب، ج، ز: قد.
(١٢) ب، ج، ز: وجدنا.
[ ٣٦ ]
فقال له: إليك عني إنما هو مثل ضربته لصاحبنا (١) هذا، قلنا: هذا الآن قول في كرامات الأولياء، وهي أصل الدين وعمدة من عمد المسلمين، لا ينكرها إلا جاهل، اتفق عليها العلماء، واختلفوا هل هي (٢) خرق عادة، أو إجابة دعوة، ونحن الآن لا (٣) نخوض في النظر فيها (٤) فإنها (٥) تجوز بخرق العادة، على شروطها التي بيناها في أمالينا، ولكنها إذا جرت، لا تجري بتأثير (٦) نفس، وإنما يسأل العبد الصالح ربه فيجيب دعاءه في مطلبه (٧)، ويكشف له بالمعرفة عن خفايا جهله، وهذا من الجائز القليل الوقوع، لكن الناس قد أكثروا فيه الرواية، وادعت (٨) طوائف كثيرة هذه (٩) المنزلة، فأحدث الإكثار من ذلك إنكارا واستبعادا، في نفوس أكثر الخلق.
وأما اضطراب الجبل للأوزاعي (١٠)، فلا يلتفت إلى روايته، وإنما اضطربت الجبال (١١) بمكة والمدينة لمحمد (١٢) وأصحابه، وهذا باب آخر لا ينتفع به قائلة فيما نحن فيه بسبيله، فقد بيناه، في موضعه بدليله.
قال القاضي أبو بكر (١٣) ﵀ (١٤): والذي قيدت عنه وعن غيره قبله، سماعا ورواية، أن النبوة ليست بصفة ذاتيه للنبي وإنما هي عبارة عن قول الله تعالى (١٥) بلغ (١٦) إلى خلقي كلامي، وهذا مما لا يصل إليه أحد بعمل، ولو كان أوفى (١٧) من عمل الملائكة والآدميين، وإنما يأتي موهبة من الله، وهذه الموهبة التي ليس لأحد فيها حيلة (١٨)، دليل من الله، وهي خرق العوائد وتأثيرات في
_________________
(١) ب، ج، ز: لصاحبي.
(٢) د: + في.
(٣) د: - لا.
(٤) د: - فيها.
(٥) د: بأنها.
(٦) ب، ج، ز: بتأثر.
(٧) د: مصلبة.
(٨) ب: ودعت.
(٩) ب، ج، ز: لهذه.
(١٠) ب، ج، ز: - للأوزاعي.
(١١) ب، ج، ز: اضطرب الجبل.
(١٢) د: بمحمد. ب، ج، ز: + ﷺ.
(١٣) د: قال أبي.
(١٤) د: ﵁.
(١٥) د: - تعالى.
(١٦) د: أبلغ.
(١٧) ب، ج: أوفر.
(١٨) ب، ص، ز: + عليه.
[ ٣٧ ]
العالم، من فعل الله تشهد بصدق الرسول، فلا يصح أن تكون شهادة، فيوردها (١) في غير محلها، ولا تكون من فعل أحد غير الفاعل [و١٣ب]، المطلق بالحقيقة، وقد قيدنا عنه أن ذلك من قوى النفس، بالتأثير (٢) في الأجسام العلوية، وأن ذلك مما لا ينكر أن يكون للأنبياء، قال: وإنما ينكر اقتصارهم عليه، ومنع قلب العصا ثعبانا، قال أبو بكر بن العربي (٣): وأنا أقول: إني لا أنكره، ولكني (٤)، أقول: إن (٥) هذا التأثير ليس (٦) للنفوس، وإنما هو مما يخلقه الله بقدرته، وإرادته، للنبي مع التحدي، ليكون معجزة، أو مع عدم (٧) التحدي فيكون آية وكرامة، فأما أن يجري (٨) على حكم النفوس مجرى (٩) الأشياء المعتادة والتأثيرات (١٠) المتعارفة فلا، وسترى ذلك في الإملاء على التهافت إن شاء الله.
وبعد النظر الطويل الذي هذه إشارته (١١) خرجت عن هذه الغمرة التي أوجبها استرسال مثله، في هذه الألفاظ القلقة، التي لا يصح (١٢) أن يكون فيها إذن لأحد ليذكرها، فضلا عن أن يحققها، ويسطرها، وهي أخلاط غالبة على الفؤاد (١٣)، ومعاني حائدة عن سنن السداد.
_________________
(١) ب، ج، ز: فنوردها.
(٢) ب، ج، ز: بالتأثر.
(٣) د: قال أبي. ب: - بن العربي.
(٤) ب: ولكن.
(٥) ب، ج، ز: - إن.
(٦) ب: - ليس.
(٧) ج: - عدم. وعلق على الهامش تصحيحا له: غير.
(٨) د: تحدي.
(٩) د: تحري.
(١٠) ب، ز: التأثرات.
(١١) د: هو إيثار له.
(١٢) ب، ج، ز: تصح.
(١٣) ب: الفوائد.
[ ٣٨ ]