ولئن اتهم علي بقتل عثمان فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي ﵌ إلا وهو متهم به، أو قل معلوم قطعًا أنه قتله؛ لأن ألف رجل جاءوا لقتل عثمان لا يغلبون أربعين ألفًا٢٨٢.
وهبك أن عليًّا وطلحة والزبير تضافروا على قتل عثمان، فباقي الصحابة من المهاجرين والأنصار، ومن اعتد فيهم وضوى إليهم ماذا صنعوا بالقعود عن نصرته؟.
فلا يخلو أن يكون لأنهم رأوا أولئك طلبوا حقًّا، وفعلوا حقًّا، فهذه شهادة قائمة على عثمان فلا كلام لأهل الشام. وإن كان قعدوا عنه استهزاء بالدين، وأنهم لم يكن لهم [رأس مال] في الحال، ولا مبالاة عندهم بالإسلام ولا فيما يجري فيه من اختلال، فهي ردة ليست معصية؛ لأن التهاون بحدود الدين وإسلام حرمات الشريعة للتضييع كفر، وإن كانوا قعدوا لأنهم لم يروا أن يتعدوا حد عثمان وإشارته فأي ذنب لهم فيه؟ وأي حجة لمروان وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين وابن عمر وأعيان العشرة معه في داره يدخلون إليه ويخرجون عنه في الشكة والسلاح -[والمطالبون] ينظرون؟
_________________
(١) = الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معًا على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يعمل بها في حروبهم، ولو في القرن الحادي والعشرين، وأن كثيرًا من قواعد فقه الحرب في الإسلام لم تكن لتعلم وتدون لولا وقوع هذه الحرب، ولله في كل أمر حكمة. "خ". ٢٨٢ ليس في أهل السنة رجل واحد يتهم عليًّا بقتل عثمان، لا في زماننا ولا في زمانه، وقد مضى الكلام على ذلك في هذا الكتاب، وكل ما في الأمر وجود قتلة عثمان مع علي، وموقف علي منهم، وعذره بينه وبين الله في موقفه هذا. فنحن جميعًا على رأي القعقاع بن عمرو بأن موقف علي موقف ضرورة، غير أن الحمقى من أخباريي الشيعة دسوا على علي أخبارًا تشعر بغير ما كان في قلبه من المحبة والرضا والموالاة والتأييد لعثمان أثناء محنته، فأساءوا بذلك إلى علي من حيث يريدون الإساءة إلى عثمان، أما معاوية وفريقه فلم يذكروا عليًّا في أمر البغي على عثمان إلا لمناسبة انضواء قتلة عثمان إليه واستعانته بهم، فقتلة عثمان هم الذين أساءوا إلى الإسلام وإلى عثمان وإلى علي أيضًا، فالله حسيبهم، ولو أن كل المسلمين كانوا كعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في حزمه قبل أن تستفحل الفتنة ويفلت زمام من أيدي العقلاء لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.
[ ١٦٩ ]
ولو كان بهم قوة أو أووا إلى ركن شديد لما مكنوا أحدًا أن يراه منهم ولا يداخله، وإنما كانوا نظارة، فلو قام في وجوههم الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله ابن الزبير ما جسروا، ولو قتلوهم ما بقي على الأرض منهم حي.
ولكن عثمان سلَّم نفسه، فتُرك ورأيه، وهي مسألة اجتهاد كما قدمنا.
وأي كلام كان يكون لعلي [لو كتبت عنده البيعة] ٢٨٤ وحضر عنده ولي عثمان وقال الخليفة "له: يا أيها" [وما] ٢٨٥ تمالأ عليه ألف نسمة حتى قتلوه، وهم معلومون، ماذا كان يقول إلا: أثبت، وخذ. وفي يوم كان يثبت، إلا أن يثبتوا هم أن عثمان كان مستحقًّا للقتل٢٨٦.
وتالله لتعلمن يا معشر المسلمين أنه ما كان يثبت على عثمان ظلم أبدًا، وكان يكون الوقت أمكن للطلب، وأرفق في الحال، وأيسر وصولًا إلى المطلوب٢٨٧.
_________________
(١) ٢٨٤ غير الشيخ محب هذه العبارة فكتب "لما تمت له البيعة"، ولم يشر إلى ذلك، وهو مخالف للنص في جميع النسخ "صـ ١٦٧"، وهذا أدلى إلى تغيير المعنى الذي قصد إليه المؤلف. "س". ٢٨٥ غير الشيخ محب الدين النص هنا أيضًا هكذا "وقال له: إن الخليفة قد تمالأ عليه "وهو مخالف لجميع النسخ المخطوطة ومؤدٍ إلى تغيير في المعنى. "س". ٢٨٦المؤلف معترف بأن الإثبات كان في متناول اليد؛ لأن الجريمة مشهودة، والمجرمون أعلنوا فيها فجورهم، فلم يتكتموا، ولكن كيف يكون التنفيذ، ومن الذي يقوم به ومدينة الرسول مسكتينة تحت وطأة الإرهاب؟ ومن ذا الذي يضمن لعلي حياته إذا أصدر هذا الحكم؟ أليس هؤلاء هم الذين تداولوا في قتله لما عقدوا مؤتمرهم في ذي قار بعد خطبة علي التي ألقاها على الغرائر قبيل مسيره إلى البصرة؟ "الطبري ١٦٥:٥" ألم يسخط الأشتر على أمير المؤمنين علي بعد وقعة الجمل؛ لأنه ولى ابن عمه عبد الله بن عباس على البصرة، ولم يولها الأشتر، ففارقه غاضبًا، ولحق به علي فتلافى ما يكون منه من الشر "الطبري ١٩٤:٥"، والخوارج على علي ألم ينبتوا من هذه النواة؟ ولما قتل علي ألم يقتل بمثل السلاح الذي قتل به عثمان؟ "خ". ٢٨٧ كان يكون الوقت أمكن الطالب لو وجدت في المدينة القوة التي كان يتمناها عثمان، ويقال إن قوة من جند الشام كانت خرجت من دمشق قاصدة المدينة، فلما جاءها خبر شهادة أمير المؤمنين عثمان رجعت من =
[ ١٧٠ ]
والذي يكشف الغطاء في ذلك أن معاوية لما صار إليه الأمر لم يمكنه أن قتل من قتلة عثمان أحدًا، إلا بحكم، إلا قمن قتل في حرب بتأويل، أو دس عليه فيما [قيل] ٢٨٨. حتى انتهى الأمر إلى "زمان" الحجاج، وهم يقتلون بالتهمة لا بالحقيقة، فتبين لكم أنهم ما كانوا في ملكهم أن يفعلوا ما أضحوا له يطلبون.
والذي تثلج به صدوركم أن النبي ﵌ ذكر في الفتن، وأشار وبين. وأنذر [الخوارج] ٢٩٠ وقال:" تقتلهم أدنى الطائفتين
_________________
(١) = الطريق، فبقيت المدينة خاضعة لقتلة عثمان حتى بعد البيعة لعلي، وهم إن نزلوا على أحكام هذه البيعة فيما لا ضرر منه عليهم، لا ريب أنهم ينقلبون وحوشًا ضارية لو صدرت عليهم أحكام الله بإقامة الحدود فيما ارتكبوا من جرم شنيع."خ". ٢٨٨ إن سطوة الله وعدله الأعلى نزلا بأكثر قتلة عثمان فلم يبق منهم في ولاية معاوية إلا المشرد الخائف الباحث عن جحر يختبيء فيه، وبزوال سطوتهم وتقلص شرهم لم يبق بمعاوية حاجة إلى تتبعهم. ٢٩٠ اسم الخوارج جاء من جماعة خرجوا على علي بن أبي طالب وصحبه؛ لأنه قبل بالتحكيم قائلين: إن حكم الله واضح لا يحتاج إلى هذا التحكيم، وكان شعارهم: "لا حكم إلا لله"، ويسمون أيضًا بالحرورية نسبة إلى قرية في الكوفة تسمى "حروراء" خرجوا إليها، وقد حاربهم أمير المؤمنين علي ﵁ في الوقعة الشهيرة بوقعة "النهروان" وهزمهم، وقتل منهم كثيرًا، ولكنه لم يستطع إبادتهم، حتى دبروا له مكيدة قتله على يد عبد الرحمن بن ملجم عليه من الله ما يستحق. وقد حارب الخوارج الدولة الأموية وأقلقوا راحتها في حروب متواصلة؛ بحجة أنها مغتصبة الخلافة بزعمهم، ولكنها استطاعت أن تنهك قواهم، غير أنها لم تستطع استئصالهم. والخوارج يقولون بتكفير عثمان لما غير وبدل بزعمهم، وبتكفير علي لقبوله التحكيم وطعنوا في أصحاب الجمل، وكل ذلك من جهلهم وضلالهم. وكان من نظريتهم أن الخلافة تكون باختيار حر من المسلمين، وقد خالفوا بذلك الشيعة القائلين بانحصار الخلافة في بيت النبي ﷺ، كان ذلك بخلاف أهل السنة القائلين بأن الخلافة من قريش إذا وجدوا وتحققت فيهم الجدارة، وهو الحق.
[ ١٧١ ]