قال له ابن عمر: "اذهب بها الآن معك"١٣٣.
١٧- وأما امتناعه عن قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان، فإن
_________________
(١) ١٣٦ لو أن أمير المؤمنين عثمان كان من حواريي المسيح ﵇، وكانت له من سيدنا عيسى بن مريم مثل هذه المنقبة التي كرمه الله بها من نبي الرحمة محمد ﵌، لعبدته النصارى لأجلها، فالعجب لأمة يكون فيها جهلة يعيبون على عثمان -في زمانه- غيبته عن بيعة الرضوان، ويكون فيهم من يستشعر الشجاعة في نفسه عند الإقدام على سفك دم هذا الخليفة الرحيم لأمور هذا منها، ثم يحمل مثل هذا الجهل في دماغه رجل جاء يعبد الله بأداء فريضة الحج، فيواجه به جماعة الصحابة من قريش ورئيسهم عبد الله بن عمر، ثم تمس الحاجة إلى التعرض لبيان هذه الحقائق في عصر القاضي أبي بكر بن العربي، ثم يشعر أمثالنا في عصرنا بأن عثمان لا يزال من بعض أمته في موقف يحتاج فيه إلى إنصافه* ودفع قالة السوء عنه. حقا إننا أمة مسكينة ولأمر ما بلغ بنا الحال بين الأمم إلى ما كنا فيه، وإلى ما لا نزال غارقين فيه ﴿لَاْ يُغَيِّرُ اللهُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىْ يُغَيِّرُوْا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . " خ". * ونقول بهذه المناسبة: إن عهد الخليفة عثمان ﵁ ينبغي أن يسمى العصر الذهبي للإسلام على الرغم من تشويهه من قبل الحساد والمفترين والمضللين، رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين بما هو أهله، أجر ما جاهد وأنفق من قبل الفتح، ومن بعد الفتح، وحتى في زمن خلافته. لقد تمت في عهد هذا الخليفة العظيم أمور تنظيمية، وكان من أجَلِّها جمعه الناس على مصحف واحد. وزاد في عطاء الناس مئة مئة كما رأينا بل روي ما يدل على ما كان من كثرة الخير في زمنه، والتوسع في العطاء وتنويعه حيث رُوي عن الحسن البصري من علماء التابعين، قال: "شهدت منادي عثمان ينادي: أيها الناس اغدوا على أعطياتكم فيغدون، ويأخذونها وافية، ثم ينادي: أيها الناس اغدوا على أرزاقكم، فيغدون ويأخذونها وافية، حتى والله سمعته أذناي يقول: اغدوا على كسوتكم، فيأخذون الحلل، واغدوا على السمن والعسل: أرزاق دارة، وخير كثير وذات بين حسن. ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنًا، إلا يرده وينصره ويألفه. فلو صبر الأنصار على الأثرة، لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق " واستمرت حركة الفتح في مختلف الميادين في زمنه، فتم في عهده فتح شمال أفريقية، وفتح الإسكندرية مرة ثانية بعدما كرَّ الروم عليها، وغزا بلاد النوبة، وأخذ الجزية من أهلها على يد قائده عبد الله بن سرح.
[ ١١٦ ]
ذلك باطل١٣٧. [وإن] كان لم يفعل فالصحابة متوافرون، والأمر في
_________________
(١) ١٣٧ بشهادة ابنه القماذبان، روى الطبري: "٣٤:٥-٤٤ مصر، و٢٨٠١:١ طبعة أوربا" عن سيف بن عمر بسنده إلى أبي منصور قال: سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه قال: "فلما ولي عثمان دعاني، فأمكنني منه "أي من عبيد الله بن عمر بن الخطاب"، ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله". فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه، فقلت لهم: إلى قتله؟ قالوا: نعم. وسبوا عبيد الله. فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا. وسبوه. فتركته لله ولهم. فاحتملوني، فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم". هذا كلام ابن الهرمزان، وإن كل منصف يعتقد، "ولعل ابن الهرمزان أيضًا كان يعتقد" أن دم أمير المؤمنين عمر في عنق الهرمزان، وأن أبا لؤلؤة لم يكن إلا آلة في يد هذا الفارسي، وأن موقف عثمان وإخوانه أصحاب رسول الله ﵌ من هذا الحادث لا نظير له في تاريخ العدالة الإنسانية."خ". = وفي خلافة عثمان أنشيء أول أسطول إسلامي، وأول من فكر في ذلك معاوية بن أبي سفيان، وكان واليًا على الشام، استعان بهذا الأسطول على غزو قبرص، وأخذ الجزية من أهلها. ولقد اقتدى عبد الله بن سعد والي مصر بمعاوية، فأنشأ هو الآخر أسطول لحماية سواحل مصر وشمال إفريقية. وارتاع الروم من تقدم العرب البحري فسيروا أسطولًا عظيمًا بلغ عدد مراكبه ٦٠٠ لعلهم يقضون به على القوة البحرية الإسلامية الناشئة التي أذهلتهم. وكان ذلك بقيادة الملك قسطنطين نفسه على ما رواه الطبري. وقد قابلت أساطيل المسلمين هذه الحملة البحرية بحماسة وشجاعة واشتبكت معها في معركة "ذات الصواري" تم النصر فيها للمسلمين بعدما غطت القتلى من الطرفين سطح البحر، واحمرت مياهه بدمائهم. وفي عهد الخليفة عثمان تم فتح أرمنية وأذربيجان كما تم فتح بقية بلاد فارس. وقد عم الرخاء في عهد عثمان بسبب هذه الفتوحات، وكثر المال والرقيق بصورة لم يعرف لها مثيل من قبل. وقد رثى أمير المؤمنين عثمان ﵁ كثير من الشعراء نذكر منهم ليلى الأخيلية في بعض أبيات لها قالت: أبعد عثمان ترجو الخير أمته قد كان أفضل من يمشي على ساقِ خليفة الله أعطاهم وخولهم ما كن من ذهب حلو وأوراق."م".
[ ١١٧ ]
أوله١٣٨. وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه١٣٩. وكان قتل عبيد الله له، وعثمان لم يَلِ بعد. ولعل عثمان كان لا يرى على عبيد الله حقًّا، لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله١٤٠.
_________________
(١) ١٣٨ وقد تصرف عثمان في هذا الأمر بعد أن ذاكر الصحابة فيه، قال الطبري: ٤١:٥ جلس عثمان في جانب المسجد، ودعا عبيد الله، وكان محبوسًا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده.. فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق، فقال علي: أرى أن تقتله. فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس، ويقتل ابنه اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن الله أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك. قال عثمان: أنا وليهم، وقد جعلتها دية، واحتملتها في مالي."خ". ١٣٩ في تاريخ الطبري: ٤٢:٥ حديث سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال غداة طعن عمر: "مررت على أبي لؤلؤة عشى أمس، ومعه جفينة "وكان نصرانيًّا من أهل الحيرة ظئرًا لسعد ابن أبي وقاص" والهرمزان، وهم نهجى، فلما رهقتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فانظ، فرجع إليهم التميمي وقد كان ألفظ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه. وجاء بالخنجر الذي وصف عبد الرحمن بن أبي بكر. فسمع بذلك عبيد الله بن عمر. فأمسك حتى مات عمر، ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله."خ". ١٤٠ وكذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس رأى جواز قتل علوج الفرس الذين في المدينة بلا استثناء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: ٢٠٠:٣: وقد قال عبد الله بن عباس لما طعن عمر -وقال له عمر: كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة- فقال "أي ابن عباس": إن شئت أن نقتلهم، فقال عمر: "كذبت" أفبعد أن تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم؟. قال ابن تيمية: فهذا ابن عباس -وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير- يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقًا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموه بالفساد، اعتقد جواز مثل هذا وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض المحاربين، فيجب قتله لذلك، ولو قدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله، لكن القاتل متأولًا ويعتقد حل قتله لشبهة ظاهرة، صار ذلك شبهة تدرأ على القاتل "يعني عن عبيد الله بن عمر". قلت: وإلى هذا ذهب عثمان في اكتفائه بالدية=
[ ١١٨ ]