وكيف كانت سياستُهُ لِطلَبَةِ العلم، وكذلك سائرُ الأئمة﵈-.
وأرنَا -أيدكَ الله- مَنْ صَنَّف منهم رسالةً إلى المتعلمين في زمانه، يُحَذِّرهم مِنَ الاجتهاد، ويُلزمهم العكوفَ على التقليدِ. ولو أنَ العلماء فعلوا كما فعلت -أيدكَ اللهُ تعالى- لتَعفَّتْ رسومُ العلمِ قبلَ هذا الزمان، وتعطَّلَتْ منازلُهُ قبل هذا الأوانِ، لأنَّ الناسَ أتباعٌ لهم، خاصةً إذا دَعَوْهُمْ إلى ما هو أسْهَلُ عليهم.
فإن قلتَ: إنك إنَّما نَهيتَني عن طلب الاجتهاد من كُتُبِ أهل الحديث؛ دونَ كُتُب أهلِ البيت.
فالجواب مِن وجهين:
أحدُهما: أني لم أترُكْ أحاديث أهلِ البيتِ -كما سيأتي بيانُهُ في موضعه- إن شاء الله تعالى.
الثاني: لم تأمرْني بالاجتهاد من كتب أهل البيت قطُّ، بل صَرَفت عنه هِمَّتي على كل حال، وَصَدَّرت رسالتَكَ بالاستدلال على تَعْسيره، وتوقفتَ في إمكانه وتجويزه، وقلت تارةً: إنه كالمتعذِّر، فشبَّهت الجائز بالمُحال، وتارة: إنه متعسِّرٌ أو متعذِّرٌ، فَشكَّكْتَ في دخوله في الإمكان -كما سيأتي بيانُ ذلك-. فسَدَدت عليَّ أبوابَ المعارف، وقطعتَ عليَّ طريق الاتصال بجميع الطوائف، وَفَتَّرْت هِمَّتي جُهدَك، وبذلتَ في صَرفي عن العلم وُسْعك.
التنبيه السادس: طلبُ الاجتهاد مِن فروض الكفايات، ومن جملة الواجبات، وقد أخبر اللهُ في كتابه المبين، وهو أصدقُ القائلينَ أنه: ما جعل علينا في الدين من حرج، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا
[ ١ / ٢٥١ ]
يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال " السَّيِّدُ " في تفسيره لها: وليس معنى الوُسع: بذل المجهودِ، وأقصى الطاقةِ، والمعنى: أنَّ الذي كلَّفناهم سهْلٌ مُتَيَسِّرٌ، فلا عُذرَ لهم في تركه، وأن لا يكتسبوا به أبلغَ ما يكونُ من الخيرات، انتهى بحروفه. وهو في الردِّ عليه كافٍ شافٍ، ولكنْ عند ذوي الإنصافِ.
وقال رسول الله - ﷺ -: " بُعثْتُ بالحنيفية السَّمحة " (١)، " والسَّيِّد " -أيَّدَهُ الله- مُقِرٌّ بأنَّ الله تعالى يريدُ منا اليُسرَ ولا يريد منا العُسْرَ، وَمُقِرٌّ أنه مريدٌ منا الاجتهاد. فقولُهُ: إنه مُتَعسِّرٌ، يُفيد أن الله يريدُ مِنَّا التَّعَسُّرَ، بل لم يقنع -أيَّدهُ الله- بقوله: إنه متعسِّر؛ حتى قال: إنَّهُ مُتعسِّر أو مُتَعَذِّر.
فاستلزمَ أن اللهَ -تعالى- يريدُ المتعسِّرَ والمتعذِّرَ. فإن أرَادَ -أيَّدَهُ اللهُ- في ذلك مشقةً، فمجردُ المشقةِ لا تُسَمَّى عُسرًا في العُرف العرَبي، فإنَّ المشقةَ مُلازِمَةٌ لأكثرِ الأعمال الدنيويةِ والأُخرويةِ، وقد يَشُقُّ على الإنسان قيامُهُ من مجلسه إلى بيته، وخروجُهُ من بيتِهِ لقضاءِ حاجتِهِ. والعُسْرُ في عُرْف اللِّسان العربي يُستعملُ في الأمورِ العِظام، لا في كل أمر فيه مشقةٌ؛ فإذا قيل: فلانٌ في عُسْر؛ أفادَ أنَّهُ في شِدَّةٍ عظيمةٍ مِن مرَضٍ أو خوفٍ أو فَقرٍ شديدٍ، أو غَيْر ذلك. وقد يُطلَقُ على ما هو دونَ ذلك -مع القرينة- فأما إذا تجرُّد الكلامُ عن القرينة وقيل: إن فلانًا في عُسْرٍ، وأريدَ العُسْرُ المعروفُ السابق إلى الأفْهَام، لم يَسْبِق إلى الفهم أن معنى قولنا: فلانٌ في عسْر؛ أنَّهُ في قراءةٍ دارَّةٍ، ورغبةٍ في العلمِ عظيمةٍ، ومطالعةٍ للكتُب، وتعليقٍ للفوائدِ، ولا أحدَ يسمِّي هذا عُسْرًا.
_________________
(١) تقدم تخريجه في الصفحة (١٧٥).
[ ١ / ٢٥٢ ]
ولو كان هذا عُسرًا في العُرف العربي، لكان الجهادُ عُسْرًا، والصلاة عُسْرًا، والورعُ الشَّحيح عُسْرَيْنِ اثنين، وعبادة اللهِ كأنَّك تراه، والصلاةُ كأنَّها صلاة مُوَدِّعٍ أعْسَرَ وأعْسَر، ولكانت الشريعةُ أو كثير منها تشديدًا وتعسيرًا وتحريجًا وتغليظًا.
وما بهذا نَطَق القرآنُ، ولا به جاء صاحبُ بيعةِ الرضوان، بل نفى اللهُ الحرجَ، ووصفَ رسولُ الله - ﷺ - شريعته: بالسماحةِ والسهولةِ. وإنما الحرجُ في الصدور، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وانظُرْ في أحوال الناس، تجدْ قاطِع الصلاةِ في غايةِ الاسْتِعسار لها؛ وليسَ كذلك المؤمنُ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين﴾ [البقرة: ٤٥] فنصَّ اللهُ تعالى على هذا المعنى الذي ذَكرتُ لك هو أن الشيءَ المُعيَّنَ يكونُ عسِيرًَا عَلى هذا، سَهْلًا على هذا، فَلَوْ كانَ عَسِيرًَا في نَفْسِهِ، لَكَانَ عَسيرًا عليهما، ولكنه يسيرٌ في نفسه، وإنما يتعسَّرُ بحرجِ الصُّدور، والكسَلِ، وقلَّةِ الدَّواعي، وَيَتَسهَّلُ بنقيض ذلك.
ولهذا لو وُهِبَ لقاطِعِ الصلاةِ دِرْهمٌ -في عمل أشقَّ من الصلاة- لقامَ إليه سريعًا، ووثبَ إليه نَشيطًا. وكذلك سائرُ التكاليفِ الشرعية؛ إنما العُسرُ فيها من قبيل قِلَّةِ اليقين، وعدم الرياضة، وقساوةِ القلب، وكثرةِ الذنوب، ألا ترى إلى ما في قيامِ الليل مِن المشقة على النفوس متى طلبت لإحيائه بالصلاة والقراءة، وهو يَتَسهَّلُ عليها سَهرُةُ في كثيرٍ من الأحوال من العُرُسَاتِ والأسمار، والسَّرَوات في الأسفار.
فإذا عَرَفت هذا فاعلم أن من النَّاس من يحصل له من شِدَّةِ الرغبةِ إلى
[ ١ / ٢٥٣ ]
أعمال الآخرةِ، ونيل الفضائل ما يُسَهِّلُ عليه عزيزَها، وَيُقرِّب إليه بَعيدَها.
فلا معنى للمبالغةِ في تعسير الشيء الشرعي في نفسه، لأنَّ ذلك يخالف كلامَ الله تعالى، وكلامَ رسول الله - ﷺ -.
واعلم أنَّ من العُقوقِ لومَ الخليِّ المَشُوق، وفي هذا يقول أبو الطيب:
لا تَعْذُلِ المُشْتاقَ عن أشْواقِهِ حتَّى يَكُونَ حشَاكَ في أحْشَائهِ (١)
واعلم أن حُبَّ المعالي يُرخِصُ الأمور الغَوالي، ويقوِّي ضعف الصُّدُور على الصبرِ للعوالي، وربما بُذِلَتِ الأرواحُ لما هو أنفسُ منها من الأرباح، قال:
بذلتُ لهُ رُوحِي لرَاحَة قُرْبِهِ وغيْرُ عَجِيبٍ بذْليَ الغالِ بالغَالِ (٢)
وفي كلام العلاَّمة (٣) -﵀-: عِزَّةُ النفسِ وبُعْدُ الهِمَّة: الموتُ الأحمر، والخطوبُ المُدْلَهمَّة، ولكن مَنْ عرَفَ منهل الذُّلِّ فعافهُ، استعذبَ نقيعَ العِزِّ وَزُعَافَهُ (٤).
وقد أجادَ وأبدعَ منْ قال - في هذا المعنى:
_________________
(١) ديوانه (٣٤٣).
(٢) البيت لابن القارض المتوفى سنة ٦٣٢ هـ من قصيدة مطلعها: أرى البُعْدَ لَم يُخْطِر سِوَاكُم علُى بَالِي وإن قرَّب الأخطار من جسدي البَالِي انظر ديوانه ص ١٧٤ - ١٧٦. وفي شعره مؤاخذات عقيدية نبه عليها العلماء الثقات الأعلام، وقد نقلها عنهم البرهان البقاعي في كتابه " تنبيه الغبي .. " وهو مطبوع فراجعه.
(٣) هو الزمخشري في " أطواق الذهب " ص ٢٢.
(٤) يقال: أنقع السم: عتقه، وسم ناقع ونقيع ومنقوع، أي: بالغ قاتل، وسم زعاف: قاتل.
[ ١ / ٢٥٤ ]