وأنه يُريد بنا اليُسْر ولا يُرِيدُ بنا العُسْر، وامتثالًا لأمر الرسول - ﷺ - حيث قال: " يسِّروا ولا تعسِّروا وبَشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا " (١)، وقد جمعتُ هذا المعنى في كتاب مفرد سميته: " قبولُ البُشرى بتيسير اليُسرى " (٢).
ثم إنا لا نحتاجُ إلى الاجتهاد الكاملِ في الانتفاع بمعرفة الحديثِ النبوي، بل يكفينا الاجتهادُ فيما تَمَسُّ إليه الحاجةُ في بعض المسائل، وذلك ينبني على القول بتجزي الاجتهاد، وهو مسلكٌ ظنيُّ اجتهاديٌ صحيح، قال به كثير من أهل العلم كما أوضحته في مصنف مفرد في ذلك، فليُرَاجَعْ فيه، على أن من لم يتمكَّن من ذلك، أو لم يذهب إليه يكون بقراءة الحديث مقلِّدًا مرجحًا بالحديث، فتقليدُ عالمٍ محتج بحديثٍ صحيحٍ مشهورٍ أقوى عندَ أهلِ التميبز من المقلدينَ من تقليد عالمٍ محتج بقياسٍ، أو حديثٍ مشهور بالضعف عند أهل هذا الشأن. وسوف يأتي في هذا الكتاب -إن شاء اللهُ تعالى- ما أورد " السَّيِّد " على هذا والجواب عليه.
الفائدة الثالثة: قد تبيَّن للناظِر في هذا أن مذهبيَ المختارَ في عدمِ اشتراط الإحاطة بالأخبار، هو مذهبُ الأئمة الأطهار، والعلماء الأخيار، وأني لم آتِ غريبًا ولا قلت بديعًا، وأني لا أستحقُّ النهيَ والإنكار، لأنَّ الإنكار على منْ قال بهذا القولِ خلافُ إجماع الأئمة والأمة والخاصة والعامة.
أما ما رُوي عن أحمد من التَّشديد في الإحاطَةِ بالجمِّ الكثير من
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٧٣.
(٢) منه ثلاث نسخ بالمكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء ضمن المجاميع (٩٦) و(١١٩) و(٢٠٦).
[ ١ / ٢٩٨ ]
الحديث، فلم يثبت ذلك عنه، وإنما رواه الحاكم قال: حدثنا أبو علي الحافظ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ المسيَّب، سمعتُ زكربا بن يحيى الضرير يقول: قلت لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجلُ من الحديث حتَّى يكونَ مفتيًا؟ يكفيه مئة ألف؟ فقال لي: لا. إلى أن قال: فيكفيه خمس مئة ألف؟ قال: أرجوه. حكاها الذهبيُّ في " النبلاء ".
ولا أدري مَنْ هذا زكريا بن يحيى، ولا الراوي عنه. وفي المجروحين جماعة ممن اسمه زكريا بن يحيى، وبالجملة فهذا لا يصح القولُ به قطعًا، لأنه ليس في الموجود من أحاديث الأحكام الصحاح إلا اليسير. وقد قال الذهبي: " وقد ذُكِرَ أن محفوظَ أحمد بن حنبل كان ألفَ ألفِ حديث - ما لفظُه وكانوا يعدُّون في ذلك المكرَّر، والأثرَ، وفتوى التابعي، وما فسَّر ونحو ذلك، وإلا فالمتونُ المرفوعة القوية لا تبلُغ عشر معشار ذلك " (١) انتهى.
وعُشر المعشارِ من ذلك عشرةُ آلاف حديث، وهذا فيما يتعلق بالأحكام، وما لا يتعلق بها مما لا يلزم المجتهدُ معرفته، ومما هو مختلَفٌ في صحته.
فالذي يتعلق بالأحكامِ خاصةً، مما اتفق على صحته خمس مئة حديث مع خلاف في بعضها.
وفي ترجمة مسلم من " النبلاء " (٢)، قال ابن مندة: سمعتُ محمدَ
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء " ١١/ ١٨٧.
(٢) ١٢/ ٥٦٥، ٥٦٦.
[ ١ / ٢٩٩ ]