التتمة الثالث:
قد نقل عن الملا عبد الرحمن الجامي٥، في كتابه "الدرة الفاخرة" المسماة بحط رحلك، ما يشير إلى الخلاف بين من يقول: إن الكلام هو الحروف والأصوات، ومن يقول: إن الكلام النفسي القائم بذاته
_________________
(١) ٥ عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الجامي، نور الدين: مفسر، فاضل. ولد في جام "من بلاد ما وراء النهر"سنة ٨١٧ هـ، وانتقل إلى هراة، وتفقه، وصحب مشايخ الصوفية وطاف البلاد، وعاد إلى هراة وتوفي بها سنة ٨٩٨ هـ. له "الدرة الفاخرة"، و"تفسير القرآن"، و"شرح فصوص الحكم"، وغيرها بالعربية والفارسية، الأعلام: "٢٩٦/٣".
[ ١٠٥ ]
تعالى لفظي، فقال: واعلم١ أن ها هنا قياسين متعارضين.
أحدهما: أن كلام الله [تعالى] ٢صفة له، وكل ما هو صفة له، فهو قديم، فكلامه قديم٣.
وثانيهما: أن كلام الله مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة [في الرجود] ٤، وكل ما هو كذلك، فهو حادث، [فكلام الله سبحانه حادث] ٥.
فافترق المسلمون أربع فرق:
فرقتان منهم ذهبوا إلى صحة القياس الأول، وقدحت واحدة منهما في صغرى٦ القياس الثاني، وقدحت الأخرى في كبراه.
وفرقتان أخريان ذهبوا إلى صحة القياس الثاني، وقدحوا في إحدىمقدمتي الأول.
ثم ذكر كيفية قدحهم باعتبار مذاهبهم، فمن أراد ذلك، فليراجعه٧.
ثم قال٨: وفي الفتوحات المكية: إن المفهوم من كون القرن حروفًا أمران:
الأمر الواحد: المسمى: قولًا وكلامًا ولفظًا.
والأمر الآخر: يسمى: كتابًا ورقمًا وخطًا.
_________________
(١) ١ في الأصل: "ولعل"، وهو تصحيف، والتصحيح من الدرة الفاخرة. ٢ زيادة من الدرة الفاخرة. ٣ هكذا في الأصل، وفي الدرة الفاخرة: فكلام الله تعالى. ٤ زيادة من الدرة الفاخرة. ٥ زيادة في الدرة الفاخرة. ٦ في الأصل: "صغر"، والتصحيح من الدرة الفاخرة. ٧ انظر الدرة الفاخرة: "صـ ٢٨٠- ٢٨٣". ٨ القائل: الملا عبد الرحمن الجامي، الدرة الفاخرة: "صـ ٢٨٣-٢٨٤".
[ ١٠٦ ]
والقرآن يخط له١ حروف الرقم، وينطق به، فله حروف اللفظ، فلم٢ يرجع إلى كونه حروفًا منطوقًا بها؟، وهى كلام٣ الله الذي هو صفة له، أو للمترجم عنه.
فاعلم: أنه قد أخبرنا نبيه ﷺ: "أنه سبحانه يتجلى في القيامة بصور مختلفة، فيُعرَف ويُنْكَر" ٤، فمن كانت حقيقته تقبل هذا التجلي، لا يبعد أن يكون الكلام بالحروف المتلفظة المسماة كلام الله لبعض تلك الصور، كما يليق بجلاله.
وقال أيضًا بعد كلام طويل٥: فإذا تحققت ما قررنا، ثبت أن كلام [الله] ٦ هو هذا المتلوُّ المسموع المتلفظ به المسمى قرآنًا، وتوراة، وزبورًا، وإنجيلًا٧، انتهى كلام الشيخ "الأكبر"٨.
فالذي ٩ ظهر منه، أن الكلام الذي هو صفته سبحانه ليس سوى إفادته وإفاضته مكنونات علم على من يريد إكرامه١٠، وأن الكتب المنزلة المنطوقة
_________________
(١) ١ في الدرة الفاخرة: "فله". ٢ في الأصل: "فلما"،في الدرة الفاخرة: "فلماذا". ٣ في الدرة الفاخرة: "هل لكلام". ٤ روى البخاري في: كتاب التوحيد: "١٥٦/٩"، ومسلم في: معرفة طريق الرؤية: "١١٢/١، ١١٥"، واللفظ به: "فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأيتنا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأيتهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه"، والحديث طويل. ٥ أي: صاحب الفتوحات. ٦ زيادة من الدرة الفاخرة. ٧ الدرة الفاخرة: "صـ ٢٨٤"، وحذف المصنف بعد هذا كلامًا نقله الجامي عن الشيخ صدر الدين القونوي، فعد إليه إن شئت في: الدرة الفاخرة: "صـ ٨٥". ٨ ما بين القوسين" " كلمة مصحفة، هكذا: "الأبكيري"، ولعلها تصحيف لكلمة "الأكبر" إذ أنها لقبه عند أتباعه. ٩ النقل هنا من الدرة الفاخرة بعد حذف كلام القونوي. ١٠ فهذا منه الحديث القدسي، والتشريع الوارد في السنة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، [النجم: الآية: ٣]، ويشترك به الأنبياء وغيرهم من الصالحين، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، [القصص: الآية ٧]، وهذا يكون بتعبير، وألفاظ الموحى إليه.
[ ١٠٧ ]
من حروف وكلمات كالقرآن وأمثاله، أيضًا كلامه١؛ لأنها من بعض صور تلك الإفادة والإفاضة، ظهرت بتوسط العلم والإرادة والقدرة في البرزخ الجامع بين الغيب والشهادة، بمعنى عالم المثال، من بعض مجاليه ٢ الصور المثالية، كما يليق به سبحانه، فالقياسان المذكوران في صدر البحث ليسا "١٣/أ" بمتعارضين في الحقيقة، فالمراد بالكلام في القياس الأول: الصفة القائمة بذاته، وفي الثاني: ما ظهر في البرزخ من بعض المجالي الإلهية٣، والاختلاف الواقع بين فرق المسلمين يشعر بعدم الفرق بين الكلامين، والله أعلم٤.
_________________
(١) ١ وهذا الثاني من كلام الله ﷿، وهو لمن خاطبهم الله تعالى بكلامه ورسالاته من الأنبياء، بالقرآن والتوارة والإنجيل والزبور، حروفها وكلماتها من الله ﷿، خلاف الأول. ٢ أي: التجليات. ٣ هذه النقول التي يوردها المؤلف عن بعض أهل المذاهب نقلها ليقيم الحجة على أتباع تلك الآراء، فيما يتعلق بمسألة القرآن، ويبين أن قول أئمتهم بخلاف ما يقولون ويعتقدون، وكان يحسن به أن يقتصر النقل على الحاجة، وأن يبتعد عن آرائهم، التى أخذوها عن الهنود والرومان واليونان. ٤ الدرة الفاخرة: "صـ ٢٨٥".
[ ١٠٨ ]