المقصد الثالث: في مسألة الكلام: وذكر ما نقل عن الإمام أحمد،
فنقول: القرآن كلام الله١، نزله على محمد ﷺ، معجز بنفسه، متعبد بتلاوته٢.
والكلام حقيقة ٣: الأصوات والحروف، وإن سمي به المعنى النفسي، وهو نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم، فمجاز٤.
والكتابة: كلام حقيقة٥، فلم يزل الله متكلمًا كيف شاء، إذا شاء، بلا كيف، يأمر بما يشاء ويحكم.
_________________
(١) ١ كان ينبغي أن يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، كما هو المنصوص عن الإمام أحمد ردًا على الواقفة. ٢ شرح الكوكب المنير: "٧/٢-٨". ٣ في الأصل: "حقيت". ٤ أي: المتبادر إلى الأذهان عند إطلاق الكلام حقيقة الأصوات والحروف، وإذا أطلق الكلام على المعنى النفسي كان الإكلاق مجازًا، والمعنى النفسي: نسبة بين مفردين، تقوم تلك النسبة بالمتكلم، هذا عند الإمام أحمد ﵁ وغيره من أهل السنة، انظر: شرح الكوكب المنير: "١٤/٢". ٥ لتعلق الأحكام بالكتابة، كالطلاق والنكاح والخلع والبيع والحوالة والوقف والإقرار وغيرها، وقد أجمعت الأمة على وقوع طلاق من كتب صيغته يريد بذلك إخبار زوجته، أنه يطلقها، وإن لم يتلفظ بذلك، وقبلوا زواج من أرسل لآخر كتابًا يقول: زوجتك ابنتي فلانة. أن قال مجرد وصوله إليه ومعرفة نصه: قبلت. =
[ ٦٥ ]
وهذا مذهب الإمام أحمد وأصحابه١، ومذهب المحدثين بلا شك، محمد بن إسماعيل البخاري٢ وجمهور العلماء، قاله ابن مفلح٣ في أصوله، وابن قاضي الجبل٤.
قال الشيخ تقي الدين٥: المعروف عند جماهير أهل السنة أن الله يتكلم بصوت، وهو قول جماهير فرق الأمة٦.
_________________
(١) =وكذلك الأخرس الذي يعرف الكتابة لا تقبل منه الإشارة ولو كانت غاية في الوضوح والظهور، لأن الكتابة كلام، وإن كان مجردًا عن الصوت، انظر: القواعد والفوائد الأصلية: "صـ ١٥٥". ١ الغنية: "٥١/١-٥٤"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٢١/ ٢٧"، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٦/٢"، طبقات الحنابلة، معتقد الإمام أحمد: "٢٤٢/١"، طبقات الحنابلة، كتاب مسدد: "٣٤٢/١"، طبقات الحنابلة، القواعد والفوائد الأصولية: "صـ ١٥٤"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٣٤-٣٨"، "صـ ٢٧-٣١"، شرح الطحاوية: "صـ ١٨٠". ٢ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، حبر الإسلام، وحافظ حديث رسول الله ﷺ، صاحب "الجامع الصحيح"، و"التاريخ" و"الضعفاء"، و"خلق أفعال العباد"، و"الأدب المفرد"، ولد في بخارى سنة ١٩٤هـ، ورحل في طلب الحديث، زار خراسان، والعراق، ومصر، وشيوخه نحو ألف شيخ، أقام ببخارى، فتعصب عليه جماعة، ورموه بتهم في مسألة اللفظ، فأخرج إلى خرنتك من قرى سمرقند، فمات بها سنة ٢٥٦هـ، الأعلام: "٣٤/٦". ٣ إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين: مؤرخ، من قضاة الحنابلة، ولي قضاء دمشق سنة ٨٥١هـ، وباشره أكثر من أربعين سنة، له: "المبدع بشرح المقنع"، و"مرقاة الوصول إلى علم الأصول"، و"المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد"، ولد سنة ٨١٦ هـ، وتوفي سنة ٨٨٤ هـ، الأعلام: "٦٥/١". ٤ أحمد بن الحسن بن عبد الله بن قدامة، جمال الإسلام، شرف الدين، ابن قاضي الجبل، شيخ الحنابلة في عصره، أصله من القدس، ولد سنة ٦٩٣ هـ، وولي قضاء دمشق سنة ٧٦٧هـ وتوفي وهو قاضٍ سنة ٧٧١ هـ، وله: "الفائق" في فروع الفقه، و"أصول الفقه" لم يكمله، الأعلام: "١١١/١". ٥ الإمام المجدد أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النميري الحراني الحنبلي، أبو العباس ﵁، وهو أعرف من أن يعرف، ومآثره أكثر من أن تدون، ولا يفي حقه أضعاف هذا الكتاب، فما بالك بأسطر، انظر للتوسع في ترجمته: حياة شيخ الإسلام، للشيخ بهجة البيطار، البداية والنهاية: "٢٥،٢٢،١٩،١٦،١٥،١٤،١٢،١١،١٠،٨،٧،٤- ٣٦،٣٥،٣٤،٣٣،٢٨-٤٥،٤٣،٤٢،٤٠،٣٩- ٤٩،٤٦،- ٥٣،٥١،٥٠-٨٧،٨١،٨٠،٧٥،٧٠،٦٧،٦٦،٦٢،٥٥-٨٩، ١٣٥،١٣٤،١٢٥،١٢٤،١٢٣،١٢٢،١١٩،١١٨،٩٨،٩٧،٩٣،٩٠- ١٤٠" مجلد ١٤، وهي متفرقات إلا قليلًا، تجمع أكثر ملامح الشخصية. ٦ فتاوى ابن تيمية: "٢٤٣/١٢"، شرح الكوكب المنير: "١٣/٢"، القواعد والفوائد الأصولية: "صـ ١٥٤"، شرح الطحاوية: "صـ ١٨٠".
[ ٦٦ ]